لو أن الانتفاضة الروسية المحتجة على الضربات العسكرية الاخيرة ضد العراق, حدثت قبل العام 1991 وهو العام الذي شهد انهيار الاتحاد السوفييتي , لما حظي الحدث بكل علامات الدهشة التي ارتسمت على وجوه من تابع ايجور ايفانوف وزير الخارجية الروسي وهو يستخدم اشد العبارات الغاضبة للتنديد بالهجمات الامريكية البريطانية. وجه الغرابة كان في صدورها من دولة لم تعد بشكل واقعي لاعباً اساسياً على الساحة الدولية, منذ ان قررت قبل ثماني سنوات التخلي عن لعبة التوازن, وتفكيك بنية الدولة العظمى والرضا بالوقوف على أبواب المؤسسات المالية الدولية للحصول على ما يمكن به تقليص العجز الهائل في موازنتها. وعلى الرغم من ان الأسباب التي دفعت موسكو لاتخاذ هذا الموقف الحاد, حددها رئيس وزرائها يفجيني بريماكوف في رفض سياسة الانفراد الامريكي باتخاذ قرار مثل هذا, ودون مراعاة لمصالح الدول الاخرى, اضافة الى تجاهل مجلس الامن واعضائه, فان الاسباب الأخرى التي لم يقلها بريماكوف تمثلت في ارسال رسالة للغرب مفادها ان روسيا مازالت لاعباً اساسياً يمكنه اذا اراد ان يقوم ببعثرة الاوراق السياسية, وهي رسالة دفع (الدوما) بأغلبيته الشيوعية في اتجاه اطلاقها, بعد ان طالب الحكومة بالخروج على نظام العقوبات وكسر الحصار الذي فرضه مجلس الامن الدولي على العراق منذ احتلاله لدولة الكويت في عام 1990, انطلاقاً من الارث الضخم من الكراهية التي يحملها الشيوعيون للولايات المتحدة, التي يتهمونها بهدم الاتحاد السوفييتي, والسعي لتمزيق روسيا ايضا والسيطرة على مقدرات شعبها وتدمير ترسانتها النووية, اضافة الى تحميلها المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية القاسية التي تعاني منها روسيا, الى جانب اتهام الغرب بانه المسؤول عن تفشي ظاهرة المخدرات في المجتمع الروسي. وكانت مواقف يلتسين وبريماكوف ووزير الخارجية ايفانوف تحمل بعضاً من توجهات المعارضة, الذين سعوا لارضائها ولو ببعض العبارات الساخنة والاجراءات العملية الحادة التي شملت سحب السفيرين من واشنطن وبريطانيا, وهو اجراء لم يحدث أبداً حتى أيام الحرب الباردة التي كانت قد شهدت اكثر درجات التوتر ارتفاعاً, وكذلك اعلان حالة التأهب القصوى في القوات المسلحة, والتهديد باعادة النظر في علاقات روسيا مع الناتو, والتلميح أيضاً بتزعم تكتل مناهض وفق ما قاله الجنرال ليونيد ايفاشوف مسؤول العلاقات الدولية في وزارة الدفاع, الذي اشار الى ان (استمرار حلف الناتو في تجاهل رأي روسيا, سيدفع الأخيرة الى (تغيير توجهاتها العسكرية السياسية) . محذرا من ان موسكو قد تعمد الى انشاء تكتل جديد بقيادتها يضم الدول (الرافضة للتحكم) بهدف البحث عن (آليات وأشكال لضمان الأمن الدولي) . ومع ان هذه التصريحات بل والاجراءات اتسمت بالحدة, الا انها تظل في نطاق (الاستهلاك المحلي) لا أكثر, فلا أحد يتصور ان دولة مثل روسيا تبلغ ديونها الخارجية نحو 150 مليار دولار, تصل تكلفة ادارتها فقط عشرة مليارات دولار سنويا سترتفع خلال السنوات القليلة المقبلة الى ضعف ذلك المبلغ, في ظل ارتفاع حدة شكاوي ملايين العمال فيها من عدم الحصول على رواتبهم لمدد تصل الى ستة اشهر, وفي ظل ايضا تواجد نحو 25 مليون شخص في هذا البلد يعيشون تحت خط الفقر, لا أحد يتصور انه في ظل ذلك يمكن ان تعود روسيا لاعباً له ثقله في الساحة الدولية مرة أخرى, وان تتمكن في أي وقت من تزعم تكتل جديد مضاد للقوى الكبيرة في عالم اليوم وهي الولايات المتحدة. قد يكون هناك دوافع لاتخاذ روسيا لهذا الموقف فالى جانب ارضاء المعارضة, فان القيادة الروسية يهمها تماما ان تلفت ــ بهذه الاجراءات ــ انظار الدول الغربية التي لم تف بتعهداتها الخاصة بتقديم يد العون للاقتصاد الروسي, اضافة الى جانب ان لموسكو ما يقرب من ثمانية مليارات دولار تدين بها العراق, واستمرار الحصار معناه عدم استطاعة بغداد سداد هذا المبلغ الذي تكون موسكو احوج ما تكون اليه, في وقت لازالت فيه تستنجد بالمؤسسات المالية الغربية مساعدتها للخروج من ازمتها الخانقة التي كان وصفها يلتسين في يونيو الماضي امام الدوما قائلا: (ان الازمة الاقتصادية اصبحت حادة لدرجة تحمل معها مخاطر سياسية واجتماعية حقيقية) . وبرغم ان يلتسين رفض الرد على مكالمة لكلينتون خلال الضربات الصاروخية على بغداد, وتهديد الدوما بعدم التصديق على معاهدة ستارت (2), فان الولايات المتحدة وكذلك بريطانيا يتعاملان مع الموقف الروسي على أساس انه طارئ, مقللين من أهمية الاجراءات التي اتخذت ضدهم, ومؤكدين في الوقت نفسه ان العلاقات عائدة كما كانت, بسبب حاجة روسيا الملحة الى دعم امريكا والمؤسسات المالية العالمية لانتشالها من أزمة ديون لازالت ترزح تحتها, ولأجل ذلك فإن الموقف الروسي يظل في النهاية موقفاً ضعيفاً وغير مؤثر, وموسكو نفسها تدرك ان تصعيد المواجهة او الامتناع عن التصديق على (ستارت) (2), معناه عدم الحصول على الدفعة الدورية من قرض صندوق النقد الدولي. ان دولة تم تكبيلها تماما مثل روسيا, واستطاع الغرب وكذلك حفنة من ابنائه تحويلها من واحدة من أعظم قوتين في العالم, الى دولة مفلسة تستجدي الآخرين اعادة هيكلة ديونها, لا يمكنها انشاء تكتل جديد, ولا حتى السير شوطاً بعيد في تحدي ارادة دائنيها.