ضربت أمريكا العراق دون سابق انذار كما هددت أبان أزمة منتصف نوفمبر, وأوقفت ضرباتها أيضا فجأة دون ابداء تبريرات مقنعة , وأعلنت كل من أمريكا وبريطانيا ان القوات العسكرية المشتركة لبلديهما قد حققتا المخطط المرسوم لعملية ثعلب الصحراء. ودمرت الأهداف العراقية المقصودة والتي استهدفت البنية التحتية لتصنيع الأسلحة والقوة الدفاعية بالعراق. ولكن ما بين الضربة وايقافها بقيت عشرات من علامات الاستفهام والشكوك التي تحيط بأمريكا ومن خلفها بريطانيا, فلماذا اختارت أمريكا هذا التوقيت بالذات السابق لقدوم شهر رمضان وأعياد الكريسماس لتوجيه الضربة؟, ولماذا مهد (باتلر) لهذه الضربة بسحب أعضاء لجان التفتيش قبل يومين من ساعة الصفر الأمريكية؟, وهل أمريكا عازمة في الواقع على انهاء هذه الأزمة العراقية الخليجية؟ وبقاء القوات الأمريكية وترسانتها معسكرة في مياه الخليج إلى أجل غير معلوم, انها كلها أسئلة لو حاولنا الاجابة عليها لوضعت كثير من النقط على الحروف. وأوضحت بما لا يدع مجالا للشك ان مخطط أمريكا تجاه العراق والخليج لم تنته فصوله بعد وان الضربة العسكرية الأخيرة مجرد سيناريو ستتبعه سيناريوهات أخرى قادمة. وحتى هذه اللحظة لا توجد معلومات مؤكدة تفيد بأن الحكومة الامريكية لديها خطة واضحة بخصوص الوضع في العراق, وذلك على الرغم ان الأسابيع التي سبقت الضربة العسكرية الجوية على العراق قد شهدت العديد من اللقاءات الأمريكية مع ممثلين من المعارضة العراقية, ولقد كان التقرير الذي رفعه (ريتشارد باتلر) رئيس لجنة اليونسكوم في 15 ديسمبر ( أي قبل الضربة العسكرية بساعات) هو واحد من أخطر التقارير التي قدمها من قبل, فعلاوة على أنه تضمن ان العراق لم يف بما وعد به من قبل, ولم تعد الحكومة العراقية تلتزم بالتعاون مع لجان التفتيش, فقد جاء فيه أيضا فقرات كاملة حادة, حيث اتهم (باتلر) حكومة العراق بالكذب والنفاق والتضليل, وذكر صراحة ان لجان التفتيش لا تستطيع العمل بعد اليوم في الأراضي العراقية, وكان هذا التقرير اشارة واضحة أو ضوءا أخضر من باتلر لتنفيذ أمريكا ومن خلفها بريطانيا الضربات المؤجلة والتي لوحت بها دائما على مدى أشهر طويلة, وبعد ان سلم باتلر هذا التقرير لكوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة, أعطى أوامره مباشرة لأعضاء لجان التفتيش بمغادرة العراق, وذلك قبل ان يتلقى ردا من كوفي عنان يخبره فيه برأي المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) التي يمثلها باتلر في لجان تفتيشه. فلم يعط باتلر فرصة للتقرير لأن يعرض على مجلس الأمن, وأعلن أحد أعضاء لجان التفتيش الهولندي (وفولتر بيك) ان باتلر كانت لديه أوامر مسبقة من الولايات المتحدة الأمريكية بأنه عقب تقديم أول تقرير له بعد الأزمة التي حدثت في 15 نوفمبر, عليه ان يسحب لجان التفتيش من العراق على وجه السرعة حتى لا تستخدمهم العراق كدروع بشرية, أو يتم الانتقام منهم بسبب الغضب الشعبي حال بدء الضربات العسكرية. وهذا تفسير واضح لا يقبل أي احتمال للشك, بأن بريطانيا وأمريكا لديهما خطة مسبقة لضرب العراق, ولا يهم في ذلك نوع الذريعة التي سييتذرعون بها أو مدى قوة الأسباب التي ستؤدي إلى هذه الضربة, وان باتلر كان يعلم مسبقا بموعد هذه الضربة العسكرية, وانها ستعقب مباشرة تقديمه للتقرير وسحبه لأعضاء لجان التفتيش, ولقد واكب تقرير باتلر ضغوط الكونجرس الأمريكي علي الرئيس كلينتون بسبب قضية (لوينسكي) . ومن ناحية ثانية فقد قدم انصار كلينتون في البنتاجون طلبات للبيت الأبيض بسرعة اتخاذ قرار بشأن العراق, جاء في هذه الطلبات ان القوات العسكرية الأمريكية لم تعد تقوى على احتمال أكثر من ذلك في غرفة الانتظار ووضع الاستعداد, وان موقف الشك الذي يتعرض له صغار الضباط والجنود يؤثر على معنويات أفراد الجيش, ويفقدهم الثقة في كلينتون باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة, كما ان تقارير الاستخبارات الأمريكية (السي آي ايه) أفادت بأن عدم قيام أمريكا بتوجيه ضربة عسكرية للعراق قبل حلول شهر رمضان, والذي يواكب في الوقت نفسه أعياد الكريسماس, سيجعل شهرا آخر يمر دون تحرك أمريكي عسكري حقيقي. وسيزيد هذا من فقدان الثقة في أمريكا, بجانب ان العرق نفسها سوف تتأكد لديها الشكوك في القدرة الأمريكية أو استعداداها الحقيقي لتوجيه ضربات عسكرية جوية إليها, وهو الأمر الذي سيسبب في سكب المياه الباردة فوق النيران وتبرد مسألة التهديدات الأمريكية, أو الرغبة في اخضاع العراق وتأديب رئيسها. مسرحية الخلافات الأمريكية ولقد أدى تقرير الاستخبارات الأمريكية إلى حدوث خلافات حادة مع الخارجية الأمريكية, التي كانت لها وجهة نظر على النقيض تماما, أفادت بأن الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمانية سنوات لم يعبأ المسلمون أنفهسم خلالها باحترام قدسية شهر رمضان, كما ان حرب اكتوبر 73 بدأت في العاشر من رمضان, واستخدمت الخارجية الأمريكية هذه التبريرات, في توجيه نصيحة للرئيس كلينتون بأنه لو بدأ الضربة العسكرية, فمن الصواب ألا تتوقف حتى تنتهي الأزمة العراقية بصورة نهائية, وذلك اعتمادا على الاتصالات التي قامت بها الخارجية مع ممثلي المعارضة العراقية خلال الأسابيع الأخيرة, وأنها ستكون فرصة سانحة لاستلام مقاليد الحكم في العراق عقب خلخلة نظام صدام حسين, ولكن على الرغم من حدوث ما بدا انها خلافات ما بين الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع, كان في الغالب هو مسرحية سياسية أرادوا بها ظاهريا ما هو عكسي أو مخالف للأهداف الحقيقية الدائرة خلف الستار. حيث ثبت ان البنتاجون الأمريكي (وزارة الدفاع) قبل حدوث أزمة 15 نوفمبر بحوالي أسبوع, كان يقوم بتجارب عملية على عملية ثعلب الصحراء بحضور الجنرال العراقي (فوزي العلي) القائد السابق للفرقة العسكرية الثالثة للجيش العراقي أبان الحرب مع ايران, وهو الذي هرب من العراق عام 89, وتم ذلك بصحبة عدد من أعضاء المعارضة العراقية التابعين للمؤتمر القومي العراقي وعدد من الضباط الأمريكان الذي شاركوا في قوات التحالف أثناء تحرير الكويت, وقد كان أعضاء المعارضة هؤلاء مع أمريكا ذا طرفي مصلحة, أولا بالنسبة لأمريكا لتضمن ولاء هؤلاء المعارضين لها إذا ما نجحت في خلخلة النظام العراقي الحالي وزرع حكومة جديدة تكون عناصرها هؤلاء المعارضين الموالين لها, والمصلحة المقابلة لهؤلاء العراقيين هي رغبتهم في الفوز بمبلغ 97 مليون دولار رصدتهم أمريكا لقوى المعارضة حتى تتوحد فيما بينها ولدعمها ودفعها بقوة أملا في الوصول للسلطة في العراق, بجانب حلم هؤلاء الفعلي بتقلد مناصب في حكومة عراقية جديدة تضمهم. وتردد ان الحكومة الأمريكية قد اشترطت على (أحمد شلبي) ان يكون جادا في العمل وفي السعي لتوحيد صفوف المعارضة العراقية وان يعد قوائم جديدة للأشخاص الممكن ان يتعاونوا في حكومة جديدة للعراق سواء من الموجودين خارج العراق أوالذين لا يزالون بداخلها, وأحمد شلبي لديه ولاء تام للحكومة الأمريكية وليس لديه أي اعتراضات على شروطهم. ومن المثير أيضا ان أحمد شلبي قد زار إيران لمدة خمسة أيام قبل ضرب بلاده, وابدى استعداده للتعاون مع أعضاء المعارضة الكردستانية هناك والحزب الكردستاني (بي يو كي) برئاسة جلال طالباني الذي يلقى مساعدة من المجلس الشيعي الأعلى في ايران, غير انه حينما طلب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مزيدا من الايضاحات حول مدى نتائج الاجتماعات التي قامت بها الخارجية الأمريكية مع أحمد شلبي الذي حاول مؤخرا جمع صفوف المعارضة العراقية, تحت لواء الـ (اي ان سي) المؤتمر القومي العراقي, لم تتمكن الخارجية من اعطاء كلينتون ردودا مقنعة, ولعل ذلك كان من أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت رئيس أمريكا يتخذ قرار ضرب العراق. وإذا كانت أمريكا قد استخدمت فصائل من المعارضة العراقية في الخارج, وجندتها لخدمة مخططها في العراق مقابل وعود بكرسي في السلطة القادمة التي تتخيلها أمريكا أو مقابل ملايين الدولارات, فإن الضربة العسكرية للعراق بمساعدة المعارضة أوحتى تأييدها قد أحرقت ورقة المعارضة, داخل عقول ونفوس الشعب العراقي إلى الأبد, وافقدت هذا الشعب الثقة الكاملة في الخلاص على أيدي هذه المعارضة التي لم تحاول اخفاء تواطؤها مع أمريكا لتدمير البنية التحتية لقوة العراق, ويفسر فقدان الثقة الشعبية في هذه المعارضة هذا الالتفاف الشعبي غير المتوقع من العراقيين حول صدام حسين ذلك الزعيم المهزوم عسكريا, والذي كان السبب في أزمتهم الراهنة والسابقة على مدى ثمانية أعوام, لكنهم رأوا فيه الشخص المتحدي للامبريالية الأمريكية وقوة البلطجة الدولية, حتى وان كانوا في أعماق أنفسهم غير راضين أو مقتنعين باستمرارهم تحت لواء هذا الزعيم. لكنه بالنسبة لهم هو الخلاص في اللحظة الراهنة لمواجهة قوة الجبروت الأمريكي, لذلك ليس من المتوقع ان يحدث انقلاب شعبي ضد صدام حسين كما كانت تردد وسائل الإعلام الأمريكية والغربية حال توجيه ضربة للعراق. كما ان وجود حكومة تشكلها فصائل المعارضة أصبح أمرا غير مقبول شعبيا, الأمر الوحيد الذي يمكن ان يخرج العراق نسبيا من هذه الأزمة هو وتشكيل حكومة جديدة يكون لها تأييد شعبي, وهو أمر ان كان يبدو بعيدا عن العقلية الصدامية, إلا انه قد لا يكون مستحيلا, خاصة وان الضربة العسكرية الأمريكية قد عادت بالعراق إلى نقطة الصفر بالنسبة لأزمتها مع أمريكا والأمم المتحدة, فأمريكا بدأت في حشد شروطها لدخول لجان التفتيش من جديد إلى العراق.وهي لجان ان حدث وعادت للعراق سوف تعيد الكرة من جديد وتفتش ما سبق ان فتشته وتمد أمد التفتيش إلى مالا نهاية. ومن ناحية أخرى فإن (طه ياسين) نائب الرئيس العراقي قد أعلن بوضوح ان عهد فرق أو لجان التفتيش قد انتهى وأصبح تاريخا بلا رجعة, وهذا يؤكد النوايا العراقية مسبقا عن رفضها لقبول دخول أي لجان تفتيش أخرى, خاصة بعد هذه الضربة التي أكدت الاتهامات العراقية بقيام أعضاء من هذه اللجان بالتجسس ورصد المواقع الدفاعية والعسكرية الهامة, وتسريبها إلى أمريكا والتي نجحت في تدميرها, ومن هذه المعطيات ان الضربة العسكرية قد عقدت الموقف واضافت حلقات جديدة للأزمة ولم تساهم مطلقا في الاقتراب بهذه الأزمة إلى نقطة انفراجه. روسيا ومؤثراتها في الأزمة لم تعلن روسيا غضبها على الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة, مثلما حدث بسبب الضربة العسكرية الأمريكية البريطانية على العراق, ويبدو ان هذا الغضب ليس على أمريكا وحدها, ولكن على السياسة الغربية بمجملها, خاصة وان الحكومة الروسية تأكد لديها الشعور بأن الغرب الحليف لأمريكا لا ينظر إليها كشريك كامل أو دولة ذات وزن وثقل, ولقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي (ايفانوف) والتحذيرات التي اطلقها تجاه أمريكا واتهامه لها بأنها تهدد استقرار السلام العالمي, لهو أمر ملفت للنظر, ويعيد إلى الأذهان احداث الحرب الباردة, كما ان الغضب الروسي جاء مقنعا باعلانها ان أمريكا وبريطانيا جاء تصرفهما دون الحصول على تصريح من مجلس الأمن الدولي أو الرجوع إليه. ومما يؤسف له ان مواقف الأنظمة العربية قد اتسمت بالسلبية واللامبالاة أو بالتواطؤ مع ما حدث للعراق, وهو ما عبر عنه كلينتون بقوله: لقد حصلنا على موافقة وتأييد الشعوب العربية الصديقة لتوجيه الضربة العسكرية للعراق. وتعلم هذه الأنظمة ان الدائرة الأمريكية سوف تدور في الغد, على أي نظام عربي أو شعب عربي آخر دون تفرقة بين عدو أو صديق, لأن المحرك للتوجهات الأمريكية هي المصلحة فقط, بينما جاءت مواقف دول أخرى لا تربطها بالعراق أواصر عربية أو شعارات قومية, فجاء ردود فعل أكثر كرامة وشرفا من روسيا وفرنسا والصين, وهي دول بالطبع لها مصالح مع العراق أو مصلحة لمجابهة امريكا القطب القوي الواحد, واي كان نوع المصلحة المحركة لهذه الدول, فان المصلحة التي تربط الدول العربية بالعراق لهي الاقوى والابقى وكان الاجدى بها لأن تحرك الانظمة العربية لاتخاذ موقف كريم تجاه انقاذ العراق على الاقل اسوة بشعوبهم التي ثارت للكرامة العربية المسكوبة, فروسيا التي تواجه الآن أزمة طاحنة تعجزها عن الوفاء بأجور عمالها او اطعام كافة طوائف شعبها, والتي يقول عنها الاوروبيون وامريكا انها منهكة القوى لا تملك حتى لدفاعاتها شيئاً, قد تجرأت ورفعت راية العصيان بل والتهديد ضد امريكا, فسحبت سفراءها من لندن وواشنطن, واعلنت ايقاف التعاون العسكري مع امريكا, والاهم من ذلك كله اعلنت وحدها رفع الحصار من جانبها عن العراق, لانها وهي العضو الدائم في مجلس الامن قد تم تقزيم دورها عن طريق امريكا, التي حاولت اخراجها من اللعبة كلها او اخراج مجلس الامن كله من اللعبة واتخاذ قرار منفرد ضد العراق, وقد بدأت روسيا تلوح بنقاط تهديد قوية ضد امريكا في مقدمتها مطالبة مجلس الدوما بزيادة الميزانية العسكرية لعام 99 المقبل, والنقطة الثانية ايقاف تنفيذ الاتفاق مع امريكا على تخفيض الصواريخ طويلة المدى الموجهة, ولقد بدأت التحركات الروسية تجاه كل من فرنسا والصين اللتين تؤيدانها في ذات الموقف, وهو الامر الذي عبر عنه رئيس مجلس الدوما الروسي, ان الاتجاه المطلوب الآن هو اقامة تحالف دولي بين روسيا والصين والهند وبعض الدول الاخرى لمواجهة سياسة القطب الامريكي الواحد, وهذا التصريح قد يعد ايذاناً ببداية مرحلة تاريخية جديدة في القوى الدولية العالمية, كما انه من المرجح ان تتكاتف جهود الصين وفرنسا وروسيا داخل مجلس الامن لبلورة موقف موحد تجاه الأزمة العراقية ضد امريكا, اذا لم تساندها دول اخرى قوية في قوة فرنسا او الصين, والمؤشرات الواقعية الآن تشير ان موقف روسيا لن يتطور اكثر مما وصلت اليه على الاقل في الوقت الحالي, بسبب المشاكل التي تعانيها, لكنها تملك في الوقت الحالي حق الفيتو في مجلس الامن, وتملك امكانية التحرك تجاه الصين والهند لبناء قطب ثان جديد. لاهاي ـ (البيان) : بقلم سعيد السبكي