ثعلب الصحراء يستنفر الدب الروسي: تحالف الهند وروسيا خطوة لتغيير الموازين الدولية: بقلم- د. مغازي البدراوي

ليس مبالغة ما يقوله البعض من أن الموقف الروسي من القصف الأمريكي البريطاني للعراق جذب الاهتمام ولفت النظر أكثر من القصف ذاته , وليس مبالغة أيضاً ما يدعيه البعض وما ذكرته بعض الصحف العالمية من أن الموقف الروسي لعب دوراً كبيراً في الحد من زيادة القصف وفي توقف عملية (ثعلب الصحراء) التي تكاد تجمع الآراء على الساحة الدولية بأنها توقفت قبل أن تحقق أهدافها الأساسية, وأن الادارة الأمريكية لم تكن تتوقع تصاعد حدة تداعيات الموقف على الساحة الدولية الى هذه الدرجة خاصة من جانب موسكو. ورغم تشكك البعض, وأكثرهم من العرب, في مدى جدية وأهمية الموقف الروسي, إلا أن الموقف كان بالفعل في هذه المرة جاد ويحتوي على أبعاد وتداعيات لا يستهان بها, وليس مجرد تصريحات جوفاء وبالونات فارغة كما يدعي البعض, وليس أدل على ذلك من ردود الفعل في الادارة الأمريكية نفسها على الموقف الروسي, وما نشرته بعض الصحف الأمريكية في أعقاب الأزمة مشيرة الى أن (الموقف الروسي في هذه المرة يستدعي الاهتمام البالغ من واشنطن ويمكن ان يؤدي الى تطورات لا تحمد عقباها) ولم تمض ساعات على وقف القصف الا وظهرت التداعيات الجادة للموقف الروسي متمثلة في التحرك السريع على الساحة الدولية والذي أثمر في ساعات قليلة عن حدث هام للغاية ينبئ بتغييرات جدية على الساحة العالمية وفي النظام الدولي ككل وهو توقيع اتفاق (التحالف الاستراتيجي) بين روسيا والهند, والذي جاء على حد تصريحات رئيس حكومتي البلدين كرد على العبث الأمريكي والسياسة المنفردة التي تنتهجها واشنطن على الساحة الدولية والتي اصبحت تشكل تهديداً للنظام الدولي ككل. ورغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة والظروف الصعبة التي تمر بها روسيا الآن, ورغم تشكيك البعض في مدى جدية الموقف الروسي, الا أن الأمور تقاس على الساحة الدولية بمعايير اخرى, هذه المعايير هي التي تجعل واشنطن تتعامل بقدر كبير من الاهتمام والحذر مع موقف روسيا ولا تعتمد كما يقول البعض على ظروف روسيا الاقتصادية ومدى حاجتها للمساعدات من الغرب. ومما لاشك فيه ان روسيا رغم ظروفها الحالية مازالت تملك من أوراق الضغط الفعال الكثير لكي تستخدمها ضد واشنطن, وحكومة بريماكوف التي مازالت رغم تحديات الأزمة تأبى الخضوع وترفض قبول شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وواشنطن تستطيع وببراعة فائقة ان تستخدم أوراق الضغط هذه. ومن أهم أوراق الضغط التي لوحت بها موسكو أثناء الأزمة واستخدمتها بشكل جيد موافقة البرلمان الروسي باجماع لم يسبق له مثيل على رفض التصديق على (اتفاقية ستارت 2) لنزع الاسلحة الاستراتيجية, وهي مسألة تسبب من القلق والمشاكل لواشنطن اضعاف ما يسببه نظام صدام حسين في بغداد, وبناء على هذا الرفض فان موسكو تصبح حرة في التعامل في أسلحتها الاستراتيجية وتكنولوجيتها النووية, وتستطيع ان تعطيها لمن تشاء ومقابل اي ثمن, وهناك الكثير من خصوم واشنطن على الساحة الدولية الذين يرغبون في الحصول على التكنولوجيا النووية الروسية وعلى رأسهم ايران وكوريا الشمالية والصين والهند وغيرهم, ويمكن هنا الاشارة الى انه بمقتضى اتفاق (ستارت ــ 2) فانه من المفترض ان تمتنع روسيا عن امداد الصين بتكنولوجيا الصواريخ الاستراتيجية من طراز (إس إس 18) والذي يعتبر من أقوى الصواريخ الاستراتيجية بعيدة المدى ويطلقون عليه في الغرب اسم (ساتانا) اي الشيطان, وقد نص في اتفاق (ستارت ــ 2) على تدمير هذا الصاروخ بالتحديد, وسبق وأن أبدت الهند رغبتها الشديدة لموسكو في الحصول على هذا الصاروخ ورفضت موسكو تحت ضغوط غربية, والان وبمقتضى اتفاق التحالف الاستراتيجي يصبح من حق الهند الحصول على تكنولوجيا هذا الصاروخ, ويصبح من حق موسكو بعد رفض التصديق على (ستارت ــ 2) ان تبيعه لاي جهة اخرى, وكما يؤكد الخبراء فان روسيا رغم ازماتها الاقتصادية الحادة لم تتوقف لحظة عن تنمية ترسانتها النووية لانها تعلم جيداً انها الورقة الوحيدة الرابحة في يديها الان والتي تسمح لها بالجلوس على مائدة واحدة مع الكبار, وقد صرح وزير الدفاع الروسي (ايجور سيرجييف) والذي كان يشغل في العام الماضي منصب قائد قوات الصواريخ الاستراتيجية, بأن القوة النووية الروسية مازالت جاهزة للعمل بنسبة 90% وأنها محاطة بسرية تامة ولم تتأثر بالأزمات الاقتصادية ومخصص لها ميزانية خاصة في الانفاق تأتي في الأساس من عمليات بيع التكنولوجيا العسكرية سراً وعلانية ويأتي اتفاق التحالف الاستراتيجي الهندي الروسي ليمثل صدمة قوية لواشنطن التي ربما لم تكن تتوقع ان تصل تداعيات الموقف الروسي من قصف العراق الى هذا الحد, ويمثل هذا الاتفاق في حد ذاته خطوة فعالة وجادة نحو حدوث تغييرات جذرية على الساحة الدولية وفي النظام العالمي, خاصة وانه يضم قوتين نوويتين احداهما هي روسيا القوة النووية الثانية المنافسة للولايات المتحدة الامريكية, والثانية هي الهند الدولة الكبيرة والطموحة والمتطلعة لشغل حيز كبير على الساحة الدولية وأيضاً المناقضة الى حد كبير لسياسة واشنطن, وقد كانت الهند في زمن الحرب الباردة هي الدولة الرأسمالية الوحيدة المؤيدة الى حد كبير لسياسات الاتحاد السوفييتي ولحركات التحرر والاستقلال المناهضة للغرب, وكانت الهند الدولة الرأسمالية الوحيدة التي أيدت دخول الاتحاد السوفييتي في أفغانستان, ولم تعدل عن سياستها هذه تجاه موسكو حتى الان, ومن المعروف ان العسكرية والقوة النووية الهندية تعتمد اعتماداً كبيراً على التكنولوجيا السوفييتية سابقاً والروسية حالياً. وتأتي موافقة الهند السريعة على توقيع اتفاق التحالف الاستراتيجي مع روسيا لتعكس رؤية اسيوية جديدة للأمن الدولي تهدف في الأساس الى الحد من الهيمنة الامريكية, وقد توقع البعض ان تكون الصين طرفاً ثالثاً في هذا الاتفاق خاصة وأن موقفها من القصف الامريكي البريطاني للعراق كان حاداً ومتفقاً بشكل كبير مع الموقف الروسي, ولكن على ما يبدو ان العلاقات الصينية الهندية ليست بعد من الصفاء الذي يسمح بتحالف استراتيجي علني بينهما, الى جانب ارتباط الاقتصاد الصيني بشكل كبير في هذه الفترة بالولايات المتحدة الامريكية التي تمنح الصين (حق الدولة الاكثر رعاية) , ولكن هذا لا يمنع كما يقول المحللون من أن التعاون العسكري والتكنولوجي النووي بين الصين وروسيا قائماً ومستمراً, وان الصين من أولى الدول المرشحة للتحالف مع روسيا خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتنقية الاجواء بين البلدين من الخلافات القديمة الناتجة عن التنافس بينهما على زعامة العالم الشيوعي. من ناحية اخرى انعكس الموقف الروسي من الأزمة العراقية بشكل واضح على الساحة الدولية على الصراعات داخل القارة الاوروبية, خاصة في التقارب والتفاهم الكبير بين روسيا وفرنسا وتزعمهما لحملة المعارضة مع الصين داخل الامم المتحدة ضد بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية, وتستطيع موسكو ان تلعب في هذا المضمار دوراً كبيراً مستغلة خلافات فرنسا وبعض دول الاتحاد الاوروبي ومنها ألمانيا مع بريطانيا واتهامهم لها بالخضوع لواشنطن وتنفيذ اوامرها وسياساتها التي تناقض الى حد كبير مصالح القارة الاوروبية, وتجيد حكومة بريماكوف في موسكو استغلال هذه الخلافات الاوروبية بشكل جيد وتحاول من خلالها الضغط على واشنطن ايضا تنعكس تداعيات الازمة العراقية الاخيرة على الموقف الروسي بشكل واضح وتطلعات موسكو للقيام بدور فعال على الساحة الدولية خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي توليها روسيا اهتماماً خاصاً ينعكس بشكل واضح على سياسة حكومة بريماكوف الصديق الوفي للعرب. والواقع ان الموقف الروسي في أعقاب الأزمة العراقية لم يأت مناقضاً للوضع العام الذي تعيشه روسيا في ظل الأزمات الاقتصادية, بل على العكس ــ كما يؤكد المحللون فانه متفق تماماً مع الظروف التي تعيشها روسيا الان والتي لا تجد أمامها خيار لمواجهة ازماتها الا في طريقين لا ثالث لهما, وهما اما الخضوع لشروط الغرب وواشنطن, واما تصعيد الصدام مع واشنطن واستغلال كل اوراق الضغط التي تسمح بهذا, وهذه هي السياسة التي اعتادت موسكو استخدامها في الصراع مع واشنطن طيلة سنوات الحرب الباردة, وكانت تأتي دائماً بنتائج فعالة لصالح موسكو على الرغم من المعاناة الاقتصادية التي كانت تعانيها دائماً في ظل الحصار الغربي, وليس أصدق على ذلك دليلاً من تصريحات المستشار الامريكي الاسبق والسياسي المحنك (هنري كيسنجر) والذي قال في اكتوبر عام 1996 اثناء زيارة الجنرال الروسي (الكسندر ليبيد) لواشنطن: (احترسوا من الدب الروسي وهو جائع) واستدل كيسنجر على تحذيره هذا بدخول ستالين الحرب العالمية الثانية والاقتصاد الروسي شبه منهار ويعاني من الأزمات اضعاف ما يعانيه الان, ورغم هذا انتصرت روسيا واستطاعت ان تقهر النازي وتنقذ اوروبا من ويلاته ولم يكن لديها انذاك اي سلاح نووي. والان وروسيا المتأزمة اقتصادياً تملك واحدة من أكبر ترسانتين للأسلحة النووية, وتملك ثروات طبيعية تعادل ثلاثة أضعاف ما تملكه أوروبا مجتمعة, وتملك قوة عسكرية تعادل مرة ونصف قوة حلف شمال الاطلسي بدون الولايات المتحدة الامريكية, كما تملك (رغم ما سرق منها) ما يزيد عن اثنين مليون عالم وباحث متخصص وخبير عالمي, وتملك الى جانب هذا كله مقعد دائم في مجلس الأمن, ألا تستطيع روسيا في ظل كل هذه الظروف والمعطيات أن تلعب دوراً كبيراً في تغيير معالم النظام الدولي السائد على الساحة الان؟ الاجابة على هذا السؤال يمكن الاستدلال عليها بوضوح من انعكاسات الأزمة العراقية الأخيرة وتداعيات الموقف الروسي تجاهها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات