تعد اعادة انتخاب الزعيم الاسلامي المثير للجدل الدكتور حسن الترابي رئيسا للبرلمان السوداني وباجماع النواب وعددهم 400 بعد اقل من 48 ساعة من استقالته , تعد بكل مقاييس الازمة الناشبة منذ ثلاثة اسابيع في اوساط القيادة العليا للبلاد تعضيدا لنفوذ الدكتور الترابي (برلمانيا) بعد ان تأثر الى حد كبير موقعه القيادي في المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) وذلك بانشقاق عشرة من القيادات الاسلامية السياسية بمساندة آخرين اضافوا اصواتهم الى الفريق عمر البشير في اجتماع هيئة شورى المؤتمر ليحل مكان الترابي في قيادة التنظيم السياسي الى جانب قيادته للجهاز التنفيذي, حدث هذا التغيير الكبير بعد ان كان الدكتور الترابي اعلن قبل شهر عزمه على الاستقالة من رئاسة البرلمان ليتفرغ لقيادة المؤتمر الوطني. وما بين العاصفة التي حدثت في المؤتمر والموعد المحدد للاستقالة وهو يوم الثلاثاء الماضي, نشطت الجماعات المساندة للدكتور الترابي في اقناع نواب البرلمان وبخاصة نواب الاقاليم الذين وصلوا الى المجلس التشريعي في مركب الجبهة الاسلامية باصواتها بسبب مقاطعة الاحزاب للانتخابات البرلمانية, وذلك للوقوف بقوة مع الدكتور الترابي, وانعقدت لذلك ليال رمضانية في منزله وموائد افطار اقامها كبار مساعديه, وانتهت باداء بيعة خاصة للدكتور الترابي عشية تقديم استقالته, التي كان صعبا الرجوع عنها باعتبار ذلك انكسارا لايليق بمكانته, وكان البديل ان يرفض البرلمان الاستقالة وهو ما حدث فيما يشبه التظاهرة السياسية. وقد زاد من أوار المعركة واعطاها زخما ان (مجموعة القصر) التي تقف وراء الفريق البشير باعتبار ان المرحلة المقبلة تحتاج الى تماسك اقوى بين الاسلاميين والعسكريين وحلفائهم الآخرين, قادت معركة سياسية قاسية برئاسة علي عثمان محمد طه نائب الفريق البشير ونائب الدكتور الترابي في الجبهة الاسلامية لاقناع النواب بقبول الاستقالة مما اعطى انطباعا بان الهدف هو تجريد الدكتور الترابي من آخر مواقعه وهو البرلمان, خاصة وان جماعته لم تركن بعد معركة هيئة الشورى الى الواقع الجديد ولكنها بدأت تحركات محسوسة لاعادة مناقشة اجندة تلك الهيئة في اجتماعين للمجلس القيادي والمكتب التنفيذي للمؤتمر كان مقررا عقدهما بعد ان يقبل البرلمان استقالة الترابي, واستطاعت جماعة الترابي ان تجمع حولها شركاءها السياسيين في المؤتمر الوطني وخاصة ممثلي الاقاليم الذين اخرجتهم تعديلات هيئة الشورى من عضوية المكتب التنفيذي الذي تم استحداثه لقيادة المؤتمر الوطني بدلا من المجلس القيادي والامانة العامة التي يترأسها الدكتور الترابي, ولكن الفريق البشير عندما شعر بتراجع او (مراجعة) الدكتور الترابي عن رئاسة البرلمان عمد الى الغاء اجتماعى المجلس والمكتب ذلك ان قوة البرلمان التي اعادت الدكتور الترابي الى الرئاسة كان يمكن ان تتكرر في اجتماع المجلس القيادي. وبعيدا عن مكابرة الكثيرين.. او غيرة آخرين على تحالف العسكريين مع الاسلاميين واعتبار ما يحدث ممارسة للديمقراطية والشورى, فاننا من خلال ما صدر عن جانبي الصراع يمكننا الوصول الى حقيقة ان الازمة ناشبة ومازالت في بداياتها وستستعر اكثر في الايام المقبلة, فقد رد الدكتور محمد محيى الدين الجمعيات محافظ ام درمان وهو من قادة الجهة الاسلامية على سؤال من طالب بجامعة النيلين عما اذا كان الاسبوع المقبل سيكون اسبوع المفاجآت ومن ضمنها اعادة تسجيل الجبهة الاسلامية؟ فقال محيي الدين ان ذلك وارد: ومن الضروري هنا الاشارة الى ان الدكتور عثمان عبدالقادر عبداللطيف نائب الدكتور الترابي في امانة المؤتمر الوطني, اكد على ان اعادة الترابي الى البرلمان بمثابة (رد اعتبار للترابي على ما حدث في اجتماع هيئة الشورى) كما ان البرفيسور محمد الامين البصير رئيس لجنة الزراعة بالبرلمان, وكلاهما من قيادات حزب الامة الذي يتزعمه الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق وهما متحالفان مع السلطة, وصف اعادة الترابي للبرلمان بانها تمثل ردا (كاسحا) لمجموعة الاسلاميين العشرة الذين قادوا معركة هيئة الشورى في محاولة (كما قال) (لتقزيم) الدكتور الترابي في المؤتمر الوطني. وكان الدكتور علي الحاج نائب الترابي في امانة المؤتمر هو الذي قاد حملة اعادة الاخير الى رئاسة البرلمان من خلال جهازي تليفون متحركين وضعهما في وقت واحد على اذنيه وهو يحادث شخصيات خارج قاعة البرلمان, وقال الحاج بعد الجلسة ان المؤتمر الوطني سيرتب اوضاعه لتنسجم مع مرحلة (التوالي السياسي) بعد اسبوع في اشارة تتوافق مع ما قاله الدكتور محيي الدين في ندوة جامعة النيلين. وفي سياق رصد المعركة المحتدمة بين القيادتين التنفيذية والسياسية سجل المراقبون ما قاله الدكتور الترابي بعد الجلوس مجددا في كرسى رئاسة البرلمان (ان استقالتي لم تكن عن خلط عابر بل عن تقدير وتدبير) واضاف (ان نفسي تطمئن معكم لانكم الدائرة الاوسع فتيلا للوطن) وقال (ان الجرح والتعديل لايليق بالمنصب السامي) واضاف (نتمنى التوفيق في سعينا نحو مثل هذا المثال للشورى والسلطات) وفي هذا اشارة واضحة الى ما يردده مساعدوه من ان ما حدث في اجتماع هيئة الشورى كان (مؤامرة ومباغتة) . ومن ابرز تداعيات ما حدث من انشقاقات في اوساط الحكم البيان الذي اصدرته حركة تصحيح المسار الاسلامي (حتم) الذي اعاد الموازنات السياسية مجددا الى الفريق البشير بعد الخلل الذي احدثته عودة الدكتور الترابي الى البرلمان, فقد ساند بيان الحركة (الخفية) التي تمثل شباب الاسلاميين المتطلعين الى حكم اسلامي حقيقي ويرفضون عودة الاحزاب مذكرة العشرة التي اضعفت نفوذ الدكتور الترابي في المؤتمر الوطني, ووصف البيان المذكرة بانها خطوة على طريق الاصلاح الشامل في الحركة الاسلامية واعادة الفعالية للقيادة والقضاء على (الذاتية والفردية) ارضاء لهوى (سلطوى) . وطالب البيان القيادة الجماعية الجديدة للمؤتمر الوطني بقيادة الفريق البشير دون ان يسميه البيان مواصلة الانجازات باسكات أصوات المحتجين الذين وصفوا مقدمي المذكرة الشهيرة بأنهم يسعون للفتنة أو المؤامرة, حتى لا تكون مثل هذه الدعاوى بداية لاشعال نار (الفتنة الحقيقية) كما جاء في البيان. هذه مجرد اشارات للوقوف على مدى قساوة المعركة المشتعلة بين قيادات الجبهة الاسلامية والتي ظلت تحت السطح بعد ان صعدت الجبهة إلى الحكم من فوق دبابة العسكريين الاسلاميين, لتتحول لاحقا إلى صراع السلطة الذي بدأ بين التيارين واحدهما أيضا يرتكز على العسكريين, بينما الجناح الآخر يحاول اعلاء سلطة (المجتمع المدني) في الاسابيع المقبلة عندما يفتح الباب للأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى للدخول إلى الساحة السياسية. الخرطوم ــ يوسف الشنبلي