ماهو موضوع الضجة المثارة حالياً في واشنطن؟ يعتقد البعض ان الموضوع يتعلق بعقاب رئيس كذوب ارتكب حماقات اخلاقية. والبعض الآخر يعتقد ان الموضوع يتعلق بحماية العملية الديمقراطية من محاولة حاقدة لافساح المجال لانتخابات رئاسية جديدة . قد يكون لوجهة النظر التاريخية فوائدها... لا لأن المؤرخين اكثر حكمة من غيرهم (فهم ليسوا كذلك) وانما لانهم ميالون مهنيا اكثر من غيرهم للبحث في التأثير البعيد المدى على نظامنا الدستوري. لقد خصص واضعو الدستور الامريكي عقوبة العزل للمسؤولين المتهمين بـ (الخيانة أو الرشوة أو جرائم وجنح اخرى خطيرة) وقصدوا بذلك انتهاكات الحق العام الخطيرة ضد الدستور والدولة. اما نظرية العزل التي طرحت من قبل (المحقق المستقل) كينيث ستار وهنري هايد فستفتح المجال امام العزل عبر توسيع نطاق الانتهاكات التي تستوجب العزل لكي تشمل سوء السلوك الخاص. وهذه نظرية جديدة فبعد مرور سبعة عشر عاما فقط على اعلان الدستور, ادين نائب الرئيس (آنذاك) آرون بار من قبل ولاية نيوجيرسي بتهمة القتل. الا انه لم يكن هناك اي تحرك لعزله. لكن السؤال الدستوري الذي كان مطروحا هو: هل يمكن عزل الرئيس من منصبه بناء على خلافات سياسية؟ لقد حاول الجمهوريون الراديكاليون في العام 1867 الايقاع باندرو جونسون من خلال البحث في قانون يضمن صلاحيات الموظف الرسمي في منصبه. وهو ما اعلن فيما بعد اجراء غير دستوري من قبل المحكمة العليا واستهدف الجمهوريون من ذلك منع الرئيس من فصل جمهوريين راديكاليين في ادارته وعندما اقال جونسون وزير حربيته اتهمه الجمهوريون الراديكاليون بارتكاب جرائم وجنح خطيرة. فلو نجحت محاولات عزل الرئيس جونسون ولو تم تخفيض الحد الذي يسمح بعزل الرئيس, لكان فصل السلطات الدستورية قد تعرض لتعديل رهيب ولكان هذا التعديل قد تخلد بفعل القيود المخففة للعزل. كان من الممكن للنظام الرئاسي ان يتحول الى نظام شبه برلماني تكون فيه الفترة الرئاسية مساوية لمدة ولاية الرئيس خلال الفترة التشريعية لمجلس الشيوخ كما قلصها جيمس ماديسون في القانون الدستوري وكان من الممكن ان يكون منصب الرئيس في حالة دائمة من الضعف وان يتغير نظام الحكم باستمرار. ولخص السناتور جيمس ديكسون عن ولاية كونيكتيكات المسألة قائلا: (ان المسألة المتعلقة بما اذا كان يتوجب عزل جونسون من منصبه, عدلا او ظلما تعتبر نسبيا قليلة الاهمية في حين ان المسألة المتعلقة بما اذا كان يتوجب ارساء مثال سيؤدي حتما في النهاية الى تخريب مؤسساتنا فتعتبر بغاية الاهمية والخطورة. ان محاولة العزل التي جرت في العام 1868 انحرفت عن مسار واضعي الدستور ليس فقط في السعي الى تخفيض سقف الامور الموجبة للعزل وانما ايضا في شخصيتها المنحازة كليا. لقد كان واضعو الدستور متخوفين من التلاعب السياسي بعملية العزل. وكتب اليكسندر هاميلتون في المبدأ الـ 65 للحزب الفيدرالي قائلا: (سيكون هناك دائما خطر ماثل بأن يتحدد القرار بفعل القوة النسبية للاحزاب اكثر من الدلائل الحقيقية للبراءة او الجرم واعترض تشارلز بينكني احد اعضاء التجمع الدستوري على الفكرة التي تعتبر مجلس الشيوخ المحكمة المخولة ببحث اجراءات العزل محذرا ببصيرة نافذة من ان الكونجرس قد يقوم (تحت تأثير الانفعال والنزاع الحزبي بعزل الرئيس من منصبه) . واعتقد واضعو الدستور انه اذا ما قدر لاجراء العزل ان يكتسب شرعية, فإن التهم يجب ان تكون خطيرة جدا والدلائل ثابتة وواضحة جدا لدرجة تدفع اعضاء الحزبين الى الموافقة على ضرورة عزله من منصبه. ان الهيمنة على عملية العزل من قبل ما اسماه هاميلتون بــ (عفريت النزاع الحزبي) ستحرم العملية من شرعيتها وهكذا فشلت محاولة عزل جونسون في اختبار الشرعية وبرأه مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد. وقد جعلت تبرئة جونسون من المؤكد اكثر من اي وقت مضى كما تمنى واضعو الدستور ان اجراء العزل يمكن استخدامه ضد الرؤساء فقط عندما يقترفون انتهاكات خطيرة للنظام الدستوري. لقد صوت جيمس بلين الزعيم الجمهوري في اواخر القرن التاسع عشر لصالح عزل الرئىس جونسون الا انه وبعد مرور عشرين عاما, كتب قائلا ان نجاح محاولة عزل جونسون كان من الممكن ان يكون له ضرر بالغ الخطورة على المؤسسات الحرة يفوق ما كان يمكن لاندرو جونسون ان يتسبب به من اضرار بجهده الاقصى. وحتى ان المحاولة الفاشلة لعزل اندرو جونسون كان لها عواقب وخيمة على النظام الدستوري. فقد ادت هذه المحاولة وما نتج عنها الى حصر وتقييد الرئاسة حتى نهاية القرن. واستنتج متخصص لامع في العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكينز يدعى وودرو ويلسون بأن الكونجرس قد اصبح (القوة المركزية والمسيطرة في النظام الدستوري) وسمى كتابه المؤثر الذي كتبه في العام 1885 حكومة دستورية ولم تحظ الجمهورية برئيس فاعل حتى مرور ثلث القرن بعد عزل اندروجونسون عندما وصل ثيودور روزفلت الى سدة الحكم في البيت الابيض عقب حادثة اغتيال الرئيس ماك كينلي. واليوم تعد نظرية ستار ــ هايد في عزل الرئيس محاولة جديدة من الجمهوريين الراديكاليين لتخفيض سقف القيود ضد عزل الرؤساء ان محاولة العزل الراهنة التي يميزها التصويت الحزبي الصارم والاستخفاف بنتائج انتخابات التجديد النصفي, تمثل التسلط الحزبي وتفشل بوضوح في اجتياز اختبار الشرعية. وسيجعل نجاح نظرية ستار ــ هايد من السهل على الكونجرس التخلص من الرؤساء. وحتى ان فشل النظرية في الحصول على موافقة ثلثي اعضاء مجلس الشيوخ قد يكون له نفس الآثار المدمرة على الرئاسة التي كانت للمحاولة الفاشلة لعزل الرئيس اندرو جونسون من منصبه في القرن التاسع عشر. لقد كان بمقدور الجمهورية ان تتحمل فترة فاصلة لحكومة دستورية في القرن التاسع عشر عندما كانت الولايات المتحدة لاعبا هامشيا فقط على الساحة الدولية. اما اليوم فالولايات المتحدة الامريكية القوة العظمى الوحيدة في العالم متورطة بشكل يتعذر تغييره في شؤون دولية. فهي تلعب دورا اساسيا في البحث عن السلام في الشرق الاوسط وايرلندا ويوغسلافيا السابقة. ويتعين على حكومتنا التنفيذية ان تكون رائدة في منع اختبار وانتشار الاسلحة النووية وفي مكافحة كوارث التلوث البيئي والارهاب والمخدرات والفقر والمرض, وان تكون لها الريادة في احتواء التبعات العالمية للانهيار الاقتصادي في شرق آسيا والمناطق الاخرى وبالتالي لايمكننا في هذا الوقت ان نتحمل الرئاسة الضعيفة والخائفة التي سيفرزها تخفيض سقف الامور التي تستوجب العزل. ان نظرية ستار ــهايد للعزل تعتبر نظرية ثورية فهي ستؤدي الى تغيير التوازن الاساسي للدستور وستشكل سابقة خطيرة للمضايقة المستقبلية للرؤساء. ومن هنا فإن الاعتراض على تخفيض سقف الموجبات الدستورية للعزل لا يعتبر تحركا مؤيدا لكلينتون وانما تحركا مؤيدا للدستور ويجب ان يلقى المبدأ الذي نتحدث عنه قبولا لدى المحافظين والليبراليين على حد سواء اذا ما اراد اصدقائي في اليمين ان يروا واحدا منهم في البيت الابيض في يوم من الايام. ان انتصار الجمهوريين الراديكاليين في العام 1998 سينجم عنه ضرر بالغ بالمؤسسات الحرة يفوق كثيرا ما يمكن ان يتسببه بيل كلينتون بأقصى محاولاته. مؤرخ امريكي ومساعد للرئيس الاسبق جون كيندي - خدمة لوس انجلوس تايمز