اختار الرئيس الامريكي بيل كلينتون, وربما عن غير قصد, كلمة يوم(الاربعاء)الماضي ليصف بها الطريقة التي يتحدى بها العراق عمليات التفتيش الدولية مما يبرر في رأيه ضربة عسكرية أمريكية جديدة موجعة . وكانت تلك الكلمة هي (ستارك) وتعني بالعربية (شديد الوضوح) . ولكن لتلك الكلمة مغزى آخر محدد لا يخفى على كثيرين. ففي ليلة مشهودة من عام 1986 - وتحديدا في السابع عشر من مايو في ساعة قريبة من الوقت الذي شنت فيه الضربة الاخيرة ضد العراق - أصيبت الفرقاطة الامريكية (ستارك) بصاروخين فرنسيي الصنع من طراز أكزوسيت أطلقتهما طائرة عراقية من طراز ميراج إف-1 في شمال الخليج, قبالة شواطئ البحرين والكويت, وذلك في ذروة الحرب العراقية الايرانية. وقتل في ذلك الحادث 37 من رجال البحرية الامريكيين في حادث هز أمريكا بأسرها وخلف ندبة لا تندمل على جبين العسكرية الامريكية. وفي وقت لاحق شرح قبطان الفرقاطة تلك في مؤتمر صحفي في البحرين وهو لا يكاد يصدق ما حدث - ما بدا بوضوح أنه ضربة مقصودة من طيارين عراقيين كانوا يعرفون الهدف ويتحينون الفرصة لاقتناصه. ووصف القبطان كيف حلق العراقيون بطائراتهم فوق الفرقاطة وفي نفس الموقع على مدى أيام قبل الحادث, وكيف أنهم كانوا يبتعدون عن الفرقاطة بمجرد أن يلحظوا على أجهزتهم أن طاقم الفرقاطة قد سلط الرادار عليهم استعدادا لضربهم. وفي أول ليلة أهمل فيها طاقم الفرقاطة روتين (تسليط الرادار) لم يتوان العراقيون عن توجيه الضربة القاتلة. وبدا حينها وكأن الامريكيين قد اضطروا لابتلاع القصة التي أصر عليها العراق بأن قائد الطائرة - الذي لم يستطع المحققون الامريكيون حتى مقابلته - اعتقد خطأ أن الفرقاطة هي إحدى ناقلات النفط التي كانت تعد (صيدا مباحا) للطائرات العراقية أثناء ما كان يسمى (حرب الناقلات) . إلا أن العالمين ببواطن الامور كانوا يدركون أن ذلك ليس صحيحا. ولم يكن هناك إلا القليل من الشك في الهدف الحقيقي للعراق من ضرب الفرقاطة, حيث كان الامريكيون في ذلك الوقت قد بدأوا (يزاحمون) بغداد في (المنطقة) التي كانت تعتبرها حكرا لنفوذها الاقليمي مع دخول البحرية الأمريكية المنطقة لحماية ناقلات النفط. وفي شرح الاستراتيجية الامريكية تجاه الرئيس العراقي صدام حسين قال دبلوماسي عربي مقيم في نيقوسيا طلب عدم الكشف عن اسمه إنه (من السهل التحكم في تحركات الانظمة القائمة على حكم الرجل الواحد, مثل نظام صدام, وتوجيهها عن بعد. وأضاف بمجرد أن تفهم شفرة سيكولوجية الحاكم الذي تتعامل معه - خاصة عندما يكون بدائيا في نزعاته ويسهل التنبؤ بما سيفعله تحت ظروف معينة - يصبح باستطاعتك تحريكه لتتحكم ليس فقط في مصير بلاده بل في مصير المنطقة بأكملها. وهناك الكثيرون الذين يشكون أن الولايات المتحدة ساعدت في بث إشارات مضللة لصدام حسين شجعته على غزو جارته العملاقة إيران عام 1980 وهو يتصور أنها قد أصبحت في حالة من الضعف تجعل منها قطافا يانعا. أما في حالة الجارة الكويت فإن الشك يتحول إلى شبه يقين, كما يزعم الدبلوماسي الذي يستشهد بالمعلومات الموثقة عن قيام الدبلوماسيين الامريكيين في بغداد بالايحاء لصدام بأنه يمكن أن يتم غض النظر عن استيلائه على الاراضي الكويتية طالما امتنع عن الاقتراب من الاراضي السعودية. وكان المنطق الذي يدفع لتصديق مثل هذا الخط مبني على أن لعاب الولايات المتحدة يسيل منذ فترة طويلة للحصول على قواعد عسكرية في بعض بلدان الخليج, وهو مطلب ألح عليه وزير الدفاع الامريكي السابق كاسبار واينبرجر أثناء الحرب العراقية الايرانية وقوبل برفض خليجي مؤدب وحازم في نفس الوقت على لسان وزير الدفاع الامير سلطان. ويقول أحد المصادر في الخليج طلب أيضا عدم ذكر اسمه لا يمكنني أن أصدق أن الولايات المتحدة ستكون طرفا مخلصا في أي محاولة للتخلص من صدام حسين, فهو بمثابة دعوة مستجابة في رسم وتنفيذ سياسات أمريكا الخارجية واستراتيجياته النفطية. د. ب.أ