اقلعت الحركة العربية لحقوق الانسان بالمفهوم القومي عام 1983, وذلك حين تأسست المنظمة العربية لحقوق الانسان. علما بأن بعض الروابط القطرية لحقوق الانسان, كالرابطتين التونسية والمغربية , كانت اسبق في النشأة والتكوين من المنظمة العربية. وينظر لعقد الثمانينات بعامة على انه عقد الاتجاه الى بلورة جهود الناشطين العرب في هذا المجال, من أجل تأسيس حركتهم في أطر وبنى تنظيمية ثابتة, تتجاوز فكرة الموسمية والتشرذم. الان ومع نهاية التسعينات, اضحت الحركة العربية لحقوق الانسان في وضع يؤهلها للحديث عن ما بعد مرحلة النشأة, لقد حققت الحركة مكتسبات تدعوها للتفاؤل. صارت جزءا اخترق نسيج الثقافة السياسية العربية, وفي كثير من الاحيان, تؤخذ كلمتها بعين الاعتبار في حقل الممارسة السياسية. على ان هذا الجزء يعاني من اشكاليات وامراض, بعضها كامن في تضاعيفه وبنائه الداخلي, وبعضها يرد عليه من البيئة العربية ومناخها الثقافي السياسي. ومن وجهة نظر اخرى, يمكن تصنيف الاشكاليات التي تعتور تقدم هذه الحركة وتحولها الى مظهر بنائي معتاد ومؤثر في محيطه بشكل دائم, وفق المصادر الاتية بغير ترتيب ولا حصر نهائي: المصدر الفكري الثقافي: يدور حول المرجعية التي تستقى منها الحركة مبادئها الاساسية, اذ ينظر كثيرون الى ان الحركة العربية لحقوق الانسان توغل في استمداد مبادئها من اطر ثقافية لا تتسق والثقافة العربية الاسلامية وهنا تناضل الحركة من أجل التعريف بعالمية مبادئ حقوق الانسان, وبأنها تستند الى مبادئ اسهمت كل الحضارات الانسانية في تكوينها عبر عملية تفاعل ممتدة, تشكل مواثيق حقوق الانسان الدولية احد تجلياتها العامة. المصدر القانوني: فالدولة العربية مازالت تتأفف من الاعتراف بالمراكز القانونية لروابط حقوق الانسان, ضمن اتجاه عام تقليدي تهيمن فيه الدولة على فضاء الحركة الاجتماعية وقواها المدنية. وبالنظر الى التشكك من نشاط حركة حقوق الانسان واعتبارها اقرب الى مراجع الحسابات القانوني, فان الدولة العربية, لم تتقبل بعد نظرية الاطمئنان الى جهود هذه الحركة التي قد تكبح غلوها في اختراق القوانين وانتهاك حقوق الانسان. المصدر السياسي: فرغم ان المبدأ المعمول به في نشاط الحركة, عربيا وعالميا, هو عدم التسييس والحفاظ على مسافة كافية بعيدا عن التفاعلات السياسية المباشرة, الا ان التقيد بهذا المبدأ يبدو قضية محفوفة بالشكوك في اجواء الحياة السياسية العربية العاصفة, هناك قناعة شبه عامة, جوهرها ان حركة حقوق الانسان, تنظيمات او افراد, تخفى اهدافا سياسية وتنطوي على تحيزات فكرية ـ سياسية, ويغذي هذه القناعة, ممارسات بعض نشطاء الحركة, الذين يقحمونها في هذه التحيزات انطلاقا من تأثرهم بخلفياتهم السياسية والفكرية السابقة على العمل في الحركة ومجال حقوق الانسان الذي يفترض الحياد على صعوبته. امراض النشأة والميلاد, التي يعود بعضها الى المناخ الخارجي للحركة, كالتخلف الديمقراطي وغياب دولة القانون وتوتر العلاقة بين الدولة والمجتمع وغير هذه من الخصائص التي لا تيسر هوامش واسعة لنشاط الحركة.. لكن هناك امراضا ذاتية متغلغلة في أحشاء الحركة كعدم المهنية والاحتراف والافتقاد للتنسيق وكثرة النزاعات الداخلية والافتقاد للاجماع والفوقية والنخبوية في الممارسة وضعف الاتصال بقوى الرأي العام.. والتشوش النظري بخصوص استراتيجية الحركة, وسهولة اختراقها من القوى المناوئة لها وفي طليعتها الانظمة المعنية بخنق جهودها واثبات عدم صدقيتها المبدئية. على ان المصدر المالي الاقتصادي يكاد يطغى على ما دونه من المصادر المعيقة للحركة العربية لحقوق الانسان. ولعل الجدل المتعلق باشكالية تمويل الحركة يلخص مواقف مختلف الاطراف المعنيين بنشأة الحركة وتطورها, وصولا الى امكانية تحديد مستقبلها وحدود نشاطها. فالاصل في عمل الحركة هو الطوعية والاتجاه الى عدم الربحية والاعتماد على مصادر أهلية تتوخى الخدمة المدنية العامة فضلا عن التبرعات التي لا تتوخى ولا ينتظر منها التأثير على صدقية الحركة ومواقفها وتقاريرها.. غير أن الواقع الفعلي لمعظم المؤسسات العاملة في الحقل, ينفى قدرة هذه المصادر على الوفاء بأعباء العمل بكفاءة. ان الجهود الفكرية النظرية والميدانية العملية الخاصة بالاستطلاع وتحري الحقائق لأوضاع حقوق الانسان في مواقع بعينها.. تستلزم توفير مقومات مالية كبيرة, ومهما اوتى القائمون على هذا النشاط من رغبة وقدرة على العطاء الطوعي, فلابد من توفير حد ادنى من التمويل, لاسيما مع اتساع نطاق العمل وتشعبه في المنطقة العربية التي اهملت فيها مطولا مجالات هذا العمل, علاوة على ان صلة نشاط حركة حقوق الانسان عموما بمناطق حساسة للانظمة السياسية أدت الى عزوف الخيرين واصحاب الهمم داخل المحيط العربي عن مد يد العون الا في حدود ضيقة للغاية, لا تفي بكل الاعباء المطلوبة. في هذا الاطار, نما الاتجاه الداعي الى الاعتماد على مصادر التمويل الاجنبي باعتباره بديلا لا يمكن الاستغناء عنه, ومثل اية قضية تتصل بمحاذير التعامل مع مؤسسات خارجية, تصاعد, ومايزال, جدل حاد حول صحة هذا الخيار في رحاب الحركة العربية لحقوق الانسان وراح المعنيون, داخل الحركة وفي محيطها, يثيرون الحجج والذرائع العاطفة او العارضة له. ومما يذكره المؤيدون في هذا السياق: ان حركة حقوق الانسان تتبنى قضية لها ابعاد انسانية عالمية وتقوم على مواثيق عالمية ايضا. ما لا يحجر على امكانية التعاون الخارجي او الداخلي بين منظمات هذه الحركة بغض النظر عن مواقعها. بعض الدول العربية والجهات الرسمية, تدين اتجاه الدعم الاجنبي لحركة حقوق الانسان, فيما تحل لنفسها تلقي هذا الدعم لاغراض اخرى.. وفي ذلك ازدواجية غير مقبولة للتعامل مع العالم الخارجي. ان التمويل الاجنبي غير مشروط بما يخل بالموضوعية والنزاهة التي تلتزمها حركة حقوق الانسان العربية, وتلقي هذه الحركة للدعم يراعي هذا العامل بغض النظر عن مصدر التمويل. وبدورهم يفند الرافضون هذه الاراء والحجج, ومما يساق بالخصوص: ان حركة حقوق الانسان العالمية, تعشش داخلها طبقية واضحة, اذ تقف على رأسها المؤسسات الغربية المعنية, بينما تقف المؤسسات العالمثالثية, ومنها المؤسسات العربية, في موقع دوني, ينصاع مضطرا لبرامج المؤسسات الغربية ومفهومها لحقوق الانسان, الذي مهما قيل عن عالميته لا ينسجم وخصوصية الثقافات العالمية الاخرى ومنظورها لهذه الحقوق. ان من يدفع ويمنح يملك ويتحكم, ومن المستحيل في ظل هذه النظرية الادعاء بنزاهة انشطة المؤسسات المتلقية للتمويل الخارجي.. لاسيما وان مؤسسات الدعم, بعضها على الأقل, على صلة باجهزة صنع السياسات والاستخبارات الغربية تجاه المنطقة العربية. يسمح التمويل الاجنبي بنشوء ظاهرة المنافسة بين المنظمات العربية لحقوق الانسان, بهدف الاستئثار والاستحواذ على رضاء مؤسسات التمويل, بما قد يضر بحرية حركة حقوق الانسان العربية وجنوحها الى تقديم خدمات اضافية, ضارة بالأمن العربي.. يترتب على التمويل الاجنبي نشوء طبقية بين العاملين في مجال البحوث الخاصة وثيقة الصلة بمجال حقوق الانسان, فالذين يتلقون الدعم الخارجي يحظون بميزات مالية متعددة الابعاد, تعطيهم مكانة مميزة مقارنة باندادهم الذين يعملون وفق القليل الذي تسمح به الموارد الذاتية ومن شأن هذه الطبقية, ميل الموازين لصالح المتصلين بالمؤسسات الخارجية واغلاق المجال امام سواهم, الاكثر تقيدا بنظرية الطوعية والايثار وهي الاصل في هذا الميدان عموما. فتح التمويل الاجنبي لمجال حقوق الانسان الباب امام كثير من المتسلقين والمرتزقة, لانشاء دكاكين خاصة بهم, عنوانها حركة حقوق الانسان, وهدفها توخي الربح السريع, وتجمع هذه الطائفة بين فلول من الايديولوجيين المهزومين فكريا, ونفر من غير اصحاب الموهبة الذين فشلوا في صعود السلم الحقوقي او الاعلامي او الصحافي او الادبي.. ويدل على صحة هذا الطرح, توالد مؤسسات حقوق الانسان العربية كالفطر وانتشارها بلا مبرر حقيقي في كثير من الاحيان وتقاطع اختصاصاتها وتكرارية بياناتها وتهالك قياداتها على ابواب مؤسسات الدعم. لم تبذل جهود حقيقية في سبيل اشتقاق اساليب ومداخل او قنوات للدعم المحلي الذاتي, بفعل استسهال الدعم الخارجي. تطرق المؤسسات المعتمدة على الدعم الخارجي مجالات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية تحت عنوان البحث في حقوق الانسان, فيما هي تعرض في حقيقة الامر احشاء المجتمع العربي من الداخل على الملأ, لموافقة اهداف المؤسسات الممولة.. وثمة احتمال قوي لان تصب هذه المعلومات البحثية الثمينة في مخططات قوى معادية للامة وتضر مفهوم الامن القومي (او القطري بالطبع) بشدة. من السخافة بمكان الموازنة بين شروط قبول الدولة العربية للقروض والمساعدات, وقيام مؤسسات حقوق الانسان بالعملية ذاتها, انها مقارنة سطحية بين قدرات افراد وقدرات دول على المساومة. ليس من المقدر ان تجد هذه الاشكالات طريقها الى الحل, ولعل الاشكالية الابرز الان هي هذه الاخيرة المتعلقة بالتمويل الاجنبي. وتقديرنا ان تقدم مجال حقوق الانسان على الصعيد العربي, مرهون بتطور مؤسسات العمل المدني, واستقطاع مساحات من الحركة التي احتكرتها الدولة مطولا, واستقرار دولة القانون والنظام, والتوفيق بين مفهومي عالمية حقوق الانسان كمبادئ وخصوصية تطبيقها, ونبذ العناصر الفاسدة التي تسللت الى الحقل في غمرة ضبابية مرحلة النشأة, والاعتماد الحقيقي لمبدأ الشفافية في أعمال حركة حقوق الانسان ومؤسساتها, بما يسمح بتوفير رقابة فعالة على هذه الاعمال.. رقابة يضطلع بها الرأي العام المستنير, وتتولاها بالتفصيل آلية عليا وطنية (او قومية), يمكن ان ينشئها نشطاء حقوق الانسان بأنفسهم ان صدقت النوايا. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة*