للأسف, لقد تحول الاعلان العالمي لحقوق الانسان الى سلاح لتهجير اليهود السوفييت لاسرائيل اثناء الحرب الباردة, ثم الى اداة للتدخل في شؤون الآخرين في عصر القطب الواحد . بل الاكثر من ذلك, ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان قد استخدم في بعض الاحيان لامتهان هذه الحقوق بدلا من حمايتها. في 10 ديسمبر 1948 صدر عن الامم المتحدة الاعلان العالمي لحقوق الانسان, وصادقت عليه جميع الدول الاعضاء, بما فيها الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة والمنفردة بحق الفيتو, امريكا والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة (بريطانيا) وفرنسا والصين. كان العالم حينذاك قد بدأ ينفض عن اكتافه غبار الحرب العالمية الثانية التي انتهت قبل اكثر من ثلاث سنوات, بعد ان كلفت البشرية, للمرة الثانية خلال نصف قرن اكثر من اربعين مليون قتيل ــ معظمهم في زهرة الشباب ودون سن الزواج ــ فضلا عما احدثته من خراب ودمار شمل كل اوروبا, ومعظم اصقاع اسيا وافريقيا.. وقد كانت الحرب في جوهرها, وبصرف النظر عن ملابساتها واهدافها الاقتصادية والسياسية صراعا بين مغتصبي حريات الشعوب, والمدافعين عنها او هذا على الاقل هو الشعار الذي دارت حوله كل معاركها.. ثم كان الدرس العظيم الذي تعلمته البشرية من هذه المحنة الرهيبة هو ان حريات الشعوب انما هي جماع لحريات الافراد, اي ان المواطنين الاحرار هم الذين يشكلون وطنا حرا غير قابل للاغتصاب. وانطلاقا من هذا المفهوم, صدر الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يقول في ديباجته ان (الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع اعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو اساس الحرية والعدل والسلام.. وان تناسي حقوق الانسان وتجاهلها قد ادى الى اعمال همجية منافية للضمير الانساني) .. ثم يلي الديباجة ثلاثون مادة وصفتها وثائق الامم المتحدة بانها اهم انجاز للبشرية في القرن العشرين, حيث جاءت كلها لتؤكد على حقوق الانسان المقدسة في ممارسة حرياته دون اي تمييز بسبب العنصر او اللون او الجنس او الدين او الفكر السياسي او الاصل العرقي.. وسواء كان الموطن الذي ينتمي اليه مستقلا او تحت الوصاية او غير متمتع بالحكم الذاتي, او كانت سيادته خاضعة لاي قيد من القيود.. وقد يكون من المناسب ان نذكر ان هذه لم تكن المرة الاولى التي يصدر فيها مثل هذا الاعلان الذي يركز على حقوق الانسان, وبديهية المساواة بين جميع البشر دون استثناء.. فقد سبق هذا في اعلان الاستقلال الامريكي عام 1776, وفي القانون الاساسي للجمعية الوطنية الفرنسية عام 1789, ولكن اعلان الامم المتحدة الذي نحتفل هذا الاسبوع بيوبيله الذهبي يتميز بأنه جاء على شكل ميثاق دولي التزمت به كل دول العالم بغير استثناء. وان كان واقع الحال يقول ان معظم الدول الموقعة عليه لم تكن في مستوى الالتزام المطلوب. بل الاخطر من ذلك ان اعلان حقوق الانسان قد استخدم في بعض الاحيان لامتهان حقوق الانسان بدلا من حمايتها, وتكريسها.. ولدينا هنا مثل صارخ.. ففي ذروة الحرب الباردة, لجأت امريكا والمغرب بشكل عام الى الضغط على الاتحاد السوفييتي من أجل إلغاء القيود التي كانت تعطل هجرة اليهود السوفييت الى اسرائيل, استنادا الى المادتين 13 و14 من اعلان حقوق الانسان.. مع ان هذا من الناحية العملية كان يمثل انتهاكا خطيرا لحقوق المواطنين الفلسطينيين في بلادهم, وعدوانا ضد كل الاهداف النبيلة التي يستهدفها الاعلان.. ولكن المشكلة هي ان معظم الدول التي دعت الى الاعلان ووقعت عليه لم تكن ولازالت حتى الان خالصة النية, ولا عاقدة العزم على تحويله من مجرد حبر على ورق الى واقع حي.. وانما هو.. مثل اية وثيقة دولية اخرى للاسف اداة للمناورة السياسية.. او (كارت) في اوراق اللعب, يلقي به اللاعب على المائدة حين الحاجة, ويحجبه في يده حين حاجة اخرى.. ولنتأمل ما يجري على الساحة العالمية اليوم.. ان وثائق المنظمات الدولية لحقوق الانسان تقول ان هناك 53 حكومة في العالم الثالث تطبق قانون الطوارئ الذي يبيح لها اعتقال المواطنين بدون محاكمات قانونية, وتقيد حرية الرأي والاجتماع وتشكيل الاحزاب والانضمام الى النقابات.. الخ.. والمفروض ان يقف المجتمع الدولي بحسم ضد ممارسات هذه الحكومات, ولكن هذا لا يحدث.. بل بالعكس نجد الدول الكبرى تتنافس في التماس رضا هذه النظم على حساب شعوبها.. ولدينا بالقرب منا تجربة مشهودة فقبل الثورة الاسلامية في ايران كانت الولايات المتحدة تساند بالكامل نظام الشاه الذي لم يعرف عنه طوال تاريخه انه يولي حقوق الانسان اي قدر من الاحترام, او مجرد الاعتراف. ولم يرتفع في امريكا صوت يدافع عن الحقوق المهدرة للشعب الايراني.. ولكن الامر انقلب الى العكس بعد الثورة.. فاذا بحقوق الانسان في ايران تحتل الصدارة في اهتمامات الادارة الامريكية.. وحتى هذه ايضا اصبحت خاضعة للظروف فاذا بدا ان العلاقات بين طهران وواشنطن في طريقها للتحسن, توارى الحديث عن حقوق الانسان الايراني فاذا ما تطلب الامر بعض الضغط على حكام ايران, تجدد الاتهام بانتهاك حقوق الانسان.. نفس الشيء نجده ماثلا في سياسة الولايات المتحدة مع الصين.. فطوال فترة الحرب الباردة, وبالذات اعتبارا من اواخر الستينات كانت الادارة الامريكية تعمل على استقطاب الصين ضد الاتحاد السوفييتي, ومع ان ممارسات الصين المخالفة لاعلان حقوق الانسان لم تكن تختلف عن ممارسات موسكو, الا اننا نلاحظ ان واشنطن لم (تنتبه) لذلك الا بعد ان انفردت بزعامة العالم نتيجة اختفاء القطب السوفييتي من الوجود.. فهنا ظهر على السطح (كارت) حقوق الانسان تستخدمه الادارة الامريكية للضغط على بكين من اجل الحصول على امتيازات تجارية, او من اجل منع الصين من بيع تكنولوجيتها العسكرية الى دول معادية لاسرائيل, او على الاقل تمثل عقبة تحول دون طموحاتها.. اسرائيل والنفاق الدولي غير ان حجم (النفاق) في تطبيقات الاعلان العالمي لحقوق الانسان يتجلى بأوضح صوره عندما يكون الامر متعلقا باسرائيل.. التي يقوم نظامها كله على اساس مناقض على طول الخط لحقوق الانسان.. ان مجرد الترويج المعلن لوجودها باعتبارها دولة لليهود, نزعة عنصرية كريهة تتنافى مع احد الاسس الجوهرية لحقوق الانسان, الا وهي عدم التمييز بسبب الدين.. والحكومة الاسرائيلية اغتصبت, ولازالت تغتصب الاراضي الفلسطينية لتقيم فوقها مستوطنات لليهود. وفضلا عن ان هذه قرصنة يحرمها القانون الدولي, الا انها ايضا مناقضة للمادة الثانية من الاعلان التي تنص على عدم المساس بحقوق الفرد في أية بقعة في الارض او بلد (سواء كان هذا البلد مستقلا, او تحت الوصاية, او غير متمتع بالحكم الذاتي او كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود) .. والحكومة الاسرائيلية تحتفظ في سجونها بأكثر من 8000 معتقل فلسطيني وتجيز لسلطاتها نفي الفلسطينيين بعيدا عن مواطنهم, منتهكة بذلك المادة التاسعة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.. والحكومة الاسرائيلية تمارس التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين بل واستصدرت من محاكمها قانونا يجيز تعذيب المعتقلين.. فضلا عن ممارساتها الوحشية ضد اطفال الحجارة التي تضمنت كسر اطرافهم.. بما يتنافى مع نص المادة الخامسة من اعلان حقوق الانسان.. ولا تطبق الحكومة الاسرائيلية المادة 23 من الاعلان التي تنص على المساواة في الاجور, حيث لا يحصل العامل الفلسطيني الا على اقل من نصف اجر العامل اليهودي عن نفس العمل.. وكثيرا ما تفرض الحكومة الاسرائيلية قيودا على حرية حركة الفلسطينيين وانتقالهم داخل الاراضي المحتلة.. بخلاف ما تنص عليه المادة الثالثة عشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.. وهذا بعض من كل, وعلى سبيل المثال وليس على سبيل الحصر.. الامر الذي يتبين منه انه مع كثرة الدول التي تتجاهل الاعلان العالمي لحقوق الانسان فإن اسرائيل تعتبر نموذجا فريدا في هذا الصدد.. ومع ذلك لم نسمع عن صوت احتجاج واحد يصدر من واشنطن يدين هذه السياسات ولو حتى على سبيل العتاب.. *** خلاصة القول, ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان كان في حد ذاته علامة عظيمة من علامات هذا القرن الذي نوشك على اختتامه. ولكنه ظل في معظمه مجرد علامة على الورق.. فالممارسات المهدرة لحقوق الانسان مازالت قائمة وشائعة في معظم اركان الارض ومع ان جمعيات ومنظمات حقوق الانسان موجودة ونشطة في اكثر من 150 بلدا من اعضاء الامم المتحدة الا انها لا تملك اكثر من رصد انتهاكات حقوق الانسان.. وكثيرا ما يكون هذا الرصد متهما بعدم الدقة والانحياز غير الموضوعي.. وحتى لو كان هذا الرصد قائما على واقع لاشك فيه, فانه في معظم الحالات يستخدم كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى.. واغلب الظن اننا سوف نشهد قريبا امثلة لهذا التدخل بعد اقرار قانون الاقليات في الكونجرس الامريكي, والذي اتاح للادارة الامريكية ان تكون حكما فيما يتصل بالممارسات ازاء الاقليات الدينية او العرقية في بلدان العالم على اختلافها, وبالتالي يتيح لها التدخل تحت هذه الحجة, بغية الحصول على مغنم, او للضغط من اجل تغيير سياسة الدولة المعنية. ومعنى هذا باختصار ان هذا التدخل لن يستهدف في حقيقة الامر تحقيق مصلحة للجهة التي يزعم الدفاع عن حقوقها, وانما هدفه تحقيق مصلحة معينة, اقتصادية او سياسية في البلد المقصود.. *** لقد كان من الممكن ان يكون الاحتفال باليوبيل الذهبي للاعلان العالمي لحقوق الانسان عيدا حقيقيا للبشرية بأسرها, لولا انه اثبت في التطبيق ان كل اهدافه النبيلة تتحول الى عكس نتائجها المرجوة عند التطبيق على ضوء الخلل الراهن في تركيبة المجتمع الدولي.. سواء عندما استخدم كسلاح من اسلحة الحرب الباردة لاحراج الاتحاد السوفييتي, وفي الوقت نفسه لارضاء اهداف التوسع الاسرائيلي, او وهو يستخدم في مرحلة القطب الاوحد كأداة لتبرير التدخل في شؤون الدول الاخرى. غير ان هذا لا يعني الدعوة الى تجاهل الاعلان او اسقاطه. بالعكس, فان على جميع القوى الشريفة في العالم ان تضم ايديها وان تتضامن من اجل فرض مبادئه على الجميع دون محاباة ولا استثناءات, لان هذا وحده هو الضمان لانقاذ البشرية كلها اقوياءها والمستضعفين فيها على حد سواء ــ من المصير المؤلم الذي انحدرت اليه اكثر من مرة بسبب تجاهل حريات الشعوب والافراد.. وما من شك في ان جمعيات ومنظمات حقوق الانسان التي دعا الاعلان الى تشكيلها وتعزيز وجودها في جميع بلدان العالم تستطيع ان تقوم بدور ملحوظ من أجل تدعيم حريات الافراد وفضح اية ممارسات ضدها, ولكن بشرط ان تبرئ نفسها من تهمة الذيلية لمنظمات دولية مراكزها في الخارج, في هذه الدولة الكبرى او تلك, ولا يعلم الا الله وحده حقيقة اهدافها, ولحساب من يكون ولاؤها في النهاية.. ولعل المثل الذي شهدناه اخيرا في الشقيقة مصر, حيث تبنت احدى منظمات حقوق الانسان تقريرا ثبت عدم صحته بالمرة حول بعض الممارسات البوليسية في قرية بصعيد مصر قيل ان ضحاياها المزعومين كانوا بعض الاقباط ــ وما احدثه هذا التقرير من ردود فعل لعلها كانت مدبرة اضرت بسمعة مصر الدولية وكادت تؤثر في الوحدة التاريخية بين مسلمي مصر واقباطها ــ نقول لعل في هذا المثل صورة لحجم الاذى الذي يمكن ان تحدثه هذه المنظمات حينما تسرف في البعد عن الموضوعية, وتسمح لنفسها بالتأثر بالمؤثرات الخارجية.. وفي نفس الوقت حجم الفائدة التي يمكن ان تحققها حينما تنأى بنشاطها عن كل ما هو غير موضوعي وتكريسه للدفاع عن الحريات, وحقوق الانسان.