التقى (الملف السياسي) في هولندا بخبير حقوق الانسان البروفيسور الهولندي (فان دير فيين) الذي عمل 40 سنة في مجالات حقوق الشعوب , وسألناه عن مدى ما حققته المنظمة الدولية لحقوق الانسان بعد مرور نصف قرن من الزمان على الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟ فأجاب بمرارة شديدة غير متوقعة قد لا يسبب كلامي السعادة لكثير من الناس, خاصة ممن يشتركون في اللعبة الدولية التي تسمى بحقوق الانسان, فأنا لا أرى أي أسباب للاحتفال بمرور 50 سنة على الاعلان العالمي لحقوق الانسان, فاللأسف الشديد بالرغم أنه حينما صدر الاعلان في عام 1948 كانت المنظمات الاوروبية والامريكية التي وقعته 15 منظمة, ووفقا لأحدث الاحصائيات أن عدد المنظمات الآن العاملة في مجال حقوق الانسان وصل الى 1500, لكن معظم النتائج التي تحققت حتى هذه اللحظة, جاءت بفضل تحسن الاوضاع الاقتصادية لعدد من الدول وليس بجهود المنظمات وحدها, كما ان تحسن وضعية حقوق الانسان التي تحققت كانت ايضا بسبب حماية المؤسسات الرأسمالية الكبرى لوجودها, وخوفها من تمرد الفقراء والمقهورين, نعم ان 70% من مؤسسات حقوق الانسان في العالم هي منظمات مستقلة غير حكومية (NGO), أكثر من 50% منها تقريبا هي واجهات حكومية تقوم بأدوار مسرحية لصالح الحكومات, حتى في اوروبا التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان وتنادي بها في المحافل الدولية, فحقوق الانسان يتم اهدارها في: جنوب افريقيا التي يعيش فيا الافارقة السود اصحاب البلاد الحقيقين في مستويات متدنية ويتم استعبادهم بكل ما تحمله معاني العبودية من معان, وأصحاب السلطة والمال في جنوب افريقيا هم من الاوروبيين الذين استعمروا هذه المناطق, وفي اسرائيل الدولة التي هي صناعة غربية اوروبية امريكية يرى الجميع ماذا يحدث للفلسطينيين ايضا اصحاب الارض الطبيعيين, وفي تشيلي التي حكمها لسنوات طويلة (بيونشيه) لازالت السجون تكتظ بسجناء الرأي, وفي اورجواي, السودان, الصومال, ايران, العراق, الارجنتين, بوليفيا, السلفادور, رومانيا, بوليفيا, بيرما, افغانستان, الهند, في كل هذه البلاد يتم اهدار حقوق الانسان كباراً وأطفالاً, فهل بعد ذلك تقام الاحتفالات للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي مر على صدوره 50 سنة حدثت خلالها أبشع أنواع المجازر البشرية؟ لقد آن الأوان لإنشاء محكمة دولية لحقوق الانسان, ويتم أولاً محاكمة شركاء اللعبة ممن يتقاضون اموالاً كبيرة من الدول في مقابل الصمت أحياناً, وأخرى في ليّ الحقائق والتزوير, أو إصدار بعض التقارير التي يتم فيها ذكر القشور, وتناول القضايا بأساليب سطحية, والأهم من ذلك كله أن هؤلاء أخطر من الدول نفسها التي تهدر حقوق الانسان, لأن هذه المنظمات تصنع ساترا من الكذب تختبيء وراءه الحكومات الديكتاتورية في ممارسة أبشع أنواع إهدار حقوق الانسان, لهذا فأنا غير متفاءل إذا بقي الوضع الدولي على هذا الحال, وإليك بعض الأمثلة الصارخة التي يعرفها الجميع: العمل أو الموت كلاهما يقضى عليهم..! 250 مليون طفل يعملون يومياً, منهم 60 مليون في الهند الفقرة الثانية من المادة 25 للاعلان العالمي لحقوق الانسان تنص على أن: للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين, وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي ام بطريقة غير شرعية. وحماية الاطفال من مختلف انواع الاخطار امر طبيعي جدا أو هكذا يجب أن يكون, لكن العكس تماما يحدث, فمعاناة أطفال الشوارع في البرازيل بسبب الفقر والاستغلال في أعمال تتنافى مع أدنى مستويات حقوق الانسان ظاهرة تبعث على الخجل, وأطفال افريقيا يموتون بسبب المجاعات, والامراض التي كان من الممكن تلافيها بقرص واحد من الاسبرين تتحول لوحش قاتل يقضى عليهم, كما ان التقارير الدورية لمختلف المنظمات الانسانية تثبت ان نسبة كبيرة من أطفال العالم يتم استغلالهم من قبل الكبار في الأعمال القاسية وسط ظروف غاية في الصعوبة, يحدث ذلك ويشاهد العالم كله على شاشات التلفزيون صور لاطفال تعمل في صناعة الطوب بداية من عمليات عجن الطمي المملوء بالميكروبات, الى حمل اوزان ثقيلة من الاحجار في المناجم تحت الارض, اضافة للعمل في البطاريات الملوثة بالمواد الكيماوية التي تسبب امراضا خطيرة, وتشير الاحصائيات أن عدد 250 مليون طفل يعملون يومياً, منهم في الهند فقط 60 مليون يعملون في مجالات متدنية وقاسية جدا في أعمال القمامة, وخدمة الأغنياء كالعبيد, والمصانع الانتاجية. حتى في الدول الغربية الديمقراطية..! عمليات تعذيب نفسية وحبس انفرادي لسنوات طويلة المادة الخامسة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان تقول: لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا العقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة. في معظم الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة تتم عمليات تعذيب, حتى أن منظمات حقوق الانسان الأهلية والعفو الدولية تتهم من وقت لآخر بعض الدول الغربية التي وصلت لمراحل متقدمة من الديمقراطية بإهدارها لحقوق الانسان, حيث تتم في اوروبا عمليات تعذيب نفسية, وتختلف هذه العمليات من حيث اساليب التنفيذ عنها في بلاد أخرى ــ تلك التي تعيش تحت حكم أنظمة ديكتاتورية ــ فالجلاد في أوروبا لا يكون شخصاً واحداً يمسك بالسوط في يده ليراه الجميع ويكون من السهل الاشارة اليه وادانته, فعمليات التعذيب تقوم بها مؤسسات تعمل لحساب وبأوامر من منظمات تتبع الحكومات, وعندما يتم كشف قضية ما من هذا النوع تكون المفاجآت ان المحقق يواجه مؤسسات هلامية وأشخاص من الأنواع الزئبقية, ففي البلاد الديكتاتورية يكون في معظم الاحوال من السهل اثبات جرائم حقوق الانسان, اما في اوروبا فنجد أن سجيناً مثلا تم حبسه انفراديا لسنوات, ولا يستطيع احد اثبات الجهة صاحبة الامر, اضافة للمصحات النفسية التي توجد بها أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يتم حقنهم بالمحاليل تدريجيا, يدخلونها اصحاء ولا يخرجون منها إلا على المقابر, ناهيك عن ممتلكاتهم التي تصل ليد الأغنياء. الفقرة الثانية من المادة 23 تؤكد أنه: لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو في العمل, لكن لا يحدث هذا في دول كثيرة لا تعرف تطبيقاً عادلاً لهذه المادة, حيث أن المحسوبية والوساطة والتمييز سمات من السهل ملاحظتها في سوق العمل, فالوظائف الجيدة ينعم بها اولاد المسؤولين في القطاعات الحكومية أو أقارب أصحاب القرارات, وحتى من يسوقه حظه من أولاد المستويات المتواضعة من فئات الشعب للحصول على وظيفة من هذا النوع فقلما أن يتلقى ماهية تتساوى مع أمثاله من أولاد المحسوبيات, ولا يحدث ذلك فقط في الدول النامية, بل في المتقدمة أيضا, ففي بلد مثل هولندا التي يوجد قانون صدر في عام 1976 للمساواة في الاجر لنفس نوع العمل, لكن يتم بمخالفة القانون بالتحايل عن طريق منح المكافآت والميزات المالية التي لا يتم رصدها ضمن المرتب الثابت, وتقوم بعض المؤسسات بحساب هذه المصاريف على أنها تكاليف عمل, فيكون من الصعب على اللجان الرقابية, ضبط المخالفات. * لاحظت ان نظرتك لهذه القضية تبعث على الاحباط, فهل يوجد لديكم ما يبعث على الأمل؟ ** القضية ليست هي ما يوجد لدي أمل من عدمه, المسألة هي الواقع المرير الذي يعيشه العالم الذي يدعي التقدم والتحضر, فمثلا في لاهاي بهولندا تتلقى محكمة العدل الدولية يوميا عدد 500 تقرير من البعثات الدبلوماسية الهولندية في كل دول العالم, كل هذه التقارير تتضمن تفاصيل عن مخالفات اهدار حقوق الانسان, لكن اكثر من 95% من هذه التقارير تبقى حبيسة الأدراج, ولا تخرج منها إلا بعضها حينما تريد دولة كبرى ابتزاز دولة ما لأسباب سياسية بحتة ترتبط بمصلحة اقتصادية او استراتيجية, فمن أين يأتي الأمل؟ الأمل الوحيد هو في تنمية الديمقراطية الحقيقية في الدول التي يتم فيها عمليات فرض القيود على الحريات للمواطنين, كما أنه من الضروري ألا تستخدم الدول الأقل ديمقراطية النموذج الغربي, بل لابد ان تنطلق مما يلائم ويتوافق مع ثقافتها, لأنه ليس بالضروري ان يصلح كل ما في الغرب لأهل الشرق. لاهاي: البيان