قضية عربية: مائة يوم على الحوار الوطني الغائب بالاردن

اكثر من مائة يوم مرت على اطلاق دعوة الحوار الوطني بالاردن, لكن لا شيء على الاطلاق. فالحكومة مازالت تقدم ساقا وتؤخر الثانية رافضة البدء في اية اجراءات تمهيدية قبل ان تتخلى المعارضة والاحزاب المستهدفة بهذا الحوار عن الطرح الذي تقدمت به وضمنته شروطا اعتبرتها الحكومة استباقا لنتائج الحوار. من جانبها تصر الاحزاب على ضرورة تأطير الحوار حتى لا يكون حوار طرشان. وبين الرفض الحكومي ارضية واحدة في النظر الى ذات القضية محل النزاع. هناك نزاع اذن ومساومات وشروط وعمليات رفض ومقاطعة واختلافات على جدول الاعمال او الاجندة.. كل ذلك يتهدد الحوار المقترح بأن ينتهي حتى قبل ان يبدأ وان تصيبه حالة من الشلل الذي نرجو ان يكون مؤقتا, ليس فقط لان نغمة تشاؤم سياسي باتت تجتاح الشارع الاردني بل ايضا لان نجاح حوار الاردن سيمثل سابقة جيدة قد يقاس عليها. التشاؤم سيد الموقف: الخلاف على (الأجندة) يعرقل الحوار الوطني الاردني تتفاوت آراء جميع الوان الطيف السياسي بالاردن بشأن الحوار الوطني المقترح وما هو المطلوب منه, واذ يغني كل على ليلاه التي يريد مشاهدة صورتها عبر هذا الحوار تلف الجميع نغمة تشاؤم من ان ينطلق الحوار كما هو مرسوم له. فالتيارات السياسية الاردنية على مختلف اتجاهاتها تشكك في جدوى الحوار وجديته من جانب الحكومة, وتحذر من انه لا طائل من ورائه بالصيغة التي تطرحها الحكومة ومن أقصى اليمين السياسي الى أقصى اليسار.. وما بينها من شيوعيين واسلاميين وقوميين ومستقلين يتخوف الجميع من ان تتلاشى الفكرة بفعل التجاهل او النسيان, مع اختلاف الحكومة من جانب والاحزاب والمعارضة من جانب آخر على الأجندة وما هي الخطوط الخضراء او الاخرى الحمراء والثالثة الصفراء التي ينبغي التقيد بها. في هذا الاطار اكد امناء أربعة احزاب معارضة تمسكهم بالحوار الوطني الشامل بين مؤسسات المجتمع المدني من جهة والحكومة من جهة اخرى للوصول بنتائج الحوار الى قناعات مشتركة بين الجميع تجاه جميع القضايا الفعلية المطروحة على بساط البحث والحوار ووصف امناء الاحزاب المذكرة التي تم رفعها لرئيس الوزراء في وقت سابق بانها تشكل أرضية للحوار ولم تكن شروطا مملاة على الحكومة كما انها لا تتضمن النتائج التي يجب الوصول اليها. وجاءت اقوال القيادات الحزبية ردا على توصيات رئيس الوزراء للمذكرة بانها تضمنت شروطا ونتائج وكان الطراونة قد تساءل عن كيفية التحاور على تلك الشروط التي تضمنتها المذكرة. وأكد احمد النجداوي (حزب البعث) على ان وضع اي محظورات او خطوط حمراء على اية قضية مثار البحث, يعني الزام الطرف الآخر بوجهات نظر معدة مسبقا, وهذا ما تعيه أحزاب المعارضة جيدا. ولذلك فان المذكرة التي تم توجيهها لرئيس الوزراء لم تتضمن اية شروط او نتائج. وقال النجداوي ان مجمل القضايا الاساسية التي يجب ان يدور الحوار حولها وفيها, هي قضية الديمقراطية بكل وجوهها وأشكالها, وعلى رأسها قضية التمثيل النيابي, وضرورة التأكيد على حرية الانتخاب للمواطنين. وهذا يستدعي بالضرورة اصدار قانون انتخابي عصري يضمن لكن مواطن دورا متساويا, وفرصا متساوية ايضا. واضاف النجداوي ان قضية الحريات العامة حق مصان من الدستور, ولكن القيود التي يتم فرضها على هذه الحقوق بين الحين والآخر تؤثر بالسلب على هذا الحق الدستوري (مثل قانون المطبوعات). وكذلك الامر مع القضايا الجوهرية الاخرى التي يعاني منها المواطنون مثل الفقر والبطالة اضافة الى المعاناة من ظاهرة الفساد. واكد النجداوي على ضرورة ان يتناول الحوار وبصورة أساسية القضايا القومية المتعلقة بالقضية الفلسطينية, وبالصراع العربي الصهيوني, من منطلقات قومية. وان يتناول ايضا طبيعة العلاقات العربية العربية بحيث يضمن سلامة التوجهات الوطنية والقومية الوحدوية, وتعزيز التضامن العربي في وجه الاخطار المحدقة, ويتضمن ذلك قضية الحصار العربي على القطر العراقي الشقيقق. وقال النجداوي على أن هذه هي الاسس والمنطلقات التي يجب ان يتم الحوار الوطني على أساسها للوصول على نتائج ترضي شعبنا. غطاء سياسي واعرب النجداوي عن رفضه لاي حوار تتم الدعوة اليه بهدف استغلاله ليكون مجرد غطاء لظروف سياسية او داخلية معينة, ولاعطاء الشرعية لما جرى, ويجري من تجاوزات, او لاية تطورات محتملة في الاردن. وقال النجداوي ان اي حوار يجب ان يهدف الى تحقيق مصلحة الشعب, وليس مصلحة السلطات لاننا ندرك ونعلم جميعنا بان شعبنا يقف في جهة, والسلطات تقف في جهة اخرى, ولذلك فان الحوار يجب ان يبتغي في الاساس تحقيق المصلحة الوطنية والقومية. وختم النجداوي بالقول ان اية تصريحات اخرى يطلقها المسؤولون بهدف فرض القيود والحدود على الحوار يعني ضمنا الغاء هذا الحوار, والغاء جدواه. لذلك فنحن لا نجد في التصريحات الاخيرة اية بوادر مشجعة على مثل ذلك الحوار المنشود, مالم تتخل السلطة عن العقلية التي تحاول ان تتعامل بها مع الرأي الآخر. واوضح فؤاد دبور الامين العام المساعد لحزب البعث التقدمي ان رؤية حزبه للحوار تنطلق من وجوب ان يكون الحوار هادفا وبناءا وان يقوم على اساس خلق مرحلة جديدة بمشاركة الشعب ممثلا بقواه السياسية في صياغة القرارات والقوانين التي تخص الحياة العامة. وقال دبور لا يجوز أن يتم فرض قوانين تهم الشعب في حياته اليومية والمعاشية وحتى في مستقبله من قبل الحكومة وحدها مثل قانون الانتخابات, حيث ترتب على افرازات هذا القانون موافقة مجلس النواب على قانون المطبوعات والنشر الذي يمس مباشرا قضية الحريات العامة للشعب التي كفلها الدستور. وقد حظي هذا القانون بحوار واسع ومعمق من مختلف الجهات, ومع ذلك قد ضربت الحكومة بكل اللقاءات والحوارات عرض الحائط, واصرت على تقديم القانون الى مجلس النواب, الذي اقره بدوره مع بعض التعديلات البسيطة التي لا تكاد تذكر. واكد دبور على ضرورة ان يكون الحوار جادا ومعمقا مع مختلف الاحزاب وباقي مؤسسات المجتمع المدني, لا ان يكون مجرد مضيعة للوقت. كلا خاطىء واضاف دبور اما قول رئيس الوزراء د. فايز الطراونة بان مذكرة الاحزاب وضعت شروطا فهذا كلام خاطىء, فاحزاب المعارضة قامت بوضع أسس تهتدي بها مسيرة الحوار. واشار دبور الى ان هناك ازمات متعددة يعاني منها المواطن والوطن كالفقر والبطالة وغلاء الاسعار, اضافة الى المشكلات السياسية الاخرى, فضلا عن وجود هجمة صهيونية حقيقية على البلاد. ولذلك فان المخرج من كل هذه الازمات لا يتم الا بتضافر الجهود للوصول الى افضل الوسائل والحلول لهذه الازمات. وختم دبور حديثه بالقول, نحن لا نطالب بسيادة وجهة نظر الاحزاب, كما اننا لا نطالب بسيادة وجهة نظر الحكومة. انما نطالب بسيادة منطق العقل والحوار بين الجميع. الى ذلك اشار د. سعيد ذياب امين عام حزب الوحدة الشعبية قائلا اننا في حزبنا نؤمن بان الحوار يجب ان يكون بالدرجة الاولى سياسيا, اي ان ينطلق من طبيعة الأزمة التي تعيشها البلاد, وهي بالتأكيد أزمة سياسية بالدرجة الاولى, نابعة من افرازات اتفاقية وادي عربة ونتائجها التي أدت فيما ادت اليه الى الانتقاص من الحقوق الاردنية من جهة, والتمادي في عملية التطبيع من جهة اخرى. وقال ذياب ان جزءا من عملية الحوار يجب ان يتوجه لمناقشة الحياة الديمقراطية في الاردن وتقييم مسيرتها ومستقبلها. فكل الاجراءات الحكومية تحمل في مضامينها عوامل تفجير لهذه الديمقراطية, واخص بالذكر هنا قانون الانتخاب, وقانون المطبوعات. وتساءل د. ذياب عن معقولية الحوار على قضايا ثانوية في الوقت الذي تزداد فيه مشكلتا الفقر والبطالة, مؤكدا ان من يريد الغاء البحث في هذه المسائل , لا يريد حوارا جادا, وانما يسعى لعقد حوار شكلي فقط. ارضية حوار من جانبه اكد محمد فيصل المجالي الامين العام لحزب الانصار ان المذكرة التي تم توجيهها للحكومة كانت تشكل في اساسها ارضية مقترحة لمنطلقات الحوار, ولم تتضمن شروطا او نتائج مقررة مسبقا. وقال المجالي لـ (المجد) ان من الواضح ان بوصلة الحكومة لم تتغير, وان الوجوه والقبطان هي التي تغيرت. ولذلك فان سياسة هذه الحكومة هي امتداد طبيعي لسياسات الحكومات السابقة, ولا يوجد هناك اي تغيير جوهري في السياسات الحكومية. واشار المجالي الى ان الحكومة تقوم بتهميش دور الاحزاب واعطاء مجال اوسع للنقابات من الساحة المعطاة لحركة الاحزاب, ولهذا فنحن نطالب بتغيير السياسات الحكومية وليس التغيير في الوجوه فقط. تحديد مفهوم الحوار ويرى طاهر المصري عضو مجلس الاعيان ورئيس الوزراء الاسبق ان الحوار مبدأ ديمقراطي وحضاري, ويجب ان يكون هو العنوان الرئيسي في هذه الفترة من حياتنا السياسية, وقد لا تتوصل الفئات السياسية والحكومة الى تحديد تعريف لمفهوم الحوار واطراف الحوار. ولذلك ارى ان الزخم الذي بدأت به الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني بدأت تتباطأ. ولا استطيع وضع اصبعي على مسببات هذا التباطؤ الا القول ان للحوار اهدافا واطارا عاما. ولكن في البلدان التي تتبع النظام الحزبي فان الحوار يكون عاديا وطبيعيا داخل المؤسسات الدستورية, وفي هذه الحالة اقصد البرلمان بالدرجة الاولى, ولان اطراف الطيف السياسي بما فيها الاحزاب غير ممثلة بالشكل الكافي او المقبول في البرلمان فيتم الخروج عن هذا الاطار للبحث عن اطراف حزبية وسياسية متعددة. بالتأكيد اننا لا نريد الحوار لاجل الحوار, ويبدو ان اتجاه الحوار هو منطلق الى تلك الزاوية, بينما هدف الحوار يجب ان يكون المشاركة في صنع القرار وفي حل المشاكل او على الاقل تقديم الرأي والنصيحة التي تؤخذ من قبل الحكومة بجدية, وتتعامل معها بحرص, للوصول الى الهدف وحده في حل المشاكل والمشاركة في صناعة القرار. لغاية الآن لا بوادر على ان مثل هذا الامر قد حصل, ولا اظن انه سيتبلور في المستقبل القريب, وسنرى ان فعل الحوار سوف يتلاشى تدريجيا وسيبقى شعارا مطلوبا ومرفوعا من قبل الاطراف السياسية بما فيها الحكومة. هبة سماوية اما د, يعقوب زيادين امين عام الحزب الشيوعي الجديد يتحدث الكثيرون في هذه الأيام عن الحوار مع الحكومة ويعطي الأهمية الكبرى, وكان الحوار هبة من السماء نزلت ولاول مرة. ويكثر الحديث عن مؤتمر وطني وعن هيئة اصلاح عامة والى آخره. عجيب هذا الامر بنظري على الاقل. اقول هذا وامري الى الله العلي القدير. من تجربتي الشخصية ومنذ ما يقرب من ربع قرن على الاقل كانت ابواب السلطة الاردنية مفتوحة للحوار. عام 1972 استقبل زيد الرفاعي رئيس الحكومة آنذاك, المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاردني بكامله, وتحاورنا واثرنا الكثير من قضايا الحريات والمعتقلين وغيرها كثير. وفي ظل الاحكام العرفية وسرية الحزب الشيوعي وقانون مقاومة الشيوعية المعروف. وقبلها قابلنا اللجنة الوطنية المنبثقة عن النقابات المهنية برئاسة المرحوم وصفي التل رئيس الحكومة واكثر من مرة. وكان هناك استعداد للقاء ممثلي الحزب الشيوعي الاردني مع المرحوم الشاب النبيل عبد الحميد شرف. وقابلنا الدكتور عبد السلام المجالي عدة مرات. وفي نقابة الاطباء تقابلنا اكثر من مرة مع مضر بدران وبحثنا الكثير من الامور ورؤساء آخرين, اذن اعتقد ان الحوار كان موجودا والابواب ليست مغلقة بالكامل. ولكن ماذا جاءت الحوارات؟! هذا هو المهم. كما قابلنا وزير الداخلية الاسبق سلامة حماد عدة مرات. الآن نتحدث عن حوار مع السلطة والسلطة تعلن انها تفتح باب الحوار مع الجميع.. حسنا, ولكن حوار على ماذا؟ هل يكفي الحديث عن قانون المطبوعات وقانون الانتخاب, على أهمية هذين الموضوعين القصوى؟؟ لنعلم ان انجاز الديمقراطية في الغرب احتاج الى 500 سنة من النضال الشاق والدامي. في الواقع نحن بحاجة الى حوار حول حلول عملية للمشاكل والصعوبات التي يواجهها الوطن والمواطن: هناك التمويل الخارجي من جهات مشبوهة ومسيئة, الذي تسمح به الحكومة وسيدمر نسيج المجتمع الاردني ويفسد الكثير من منظمات المجتمع المدني. والخطر داهم ولا يلقى من الاحزاب العتيدة العناية الكافية. وهناك من باع الشرف وقبض حفنة الدولارات, ويحظى بالدعم والحماية. هناك الصعوبات والمشاكل التي يلاقيها المزارع في الاغوار.. في الكرك, في السلط وغيرها. فلاحنا يشكو من غلاء الاسمدة المنتجة محليا. يشكو من عدم شراء الشعير وغلاء سعر القمح المخصص للبذار. يشكو من غلاء الاعلاف وتلف الماشية وبيعها بارخص الاثمان. ماذا اعدت الاحزاب من حلول لهذه المشاكل؟! هناك البطالة, كيف العلاج العلمي والعملي؟ هناك التجار والتجارة والافلاسات, لماذا؟ ما سببها؟ وما هي الحول لمعالجتها؟ هناك الصناعة والصناعيون وهروب رؤوس الاموال الى الخارج, وغيرها وغيرها كثير. انا افهم ان يسبق الحوار والمؤتمر الوطني لجان الاصلاح, مؤتمرات يعقدها خبراء مختصون يقترحون حلولا لهذه المشاكل. ثم يجري بعدها وحولها حوارات شاقة. فتنتهي بوضع برامج عملية تلتزم بها الحكومات المتعاقبة, وتجد دعما من قبل الاحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني. هل يكفي ان يلتقي بضعة افراد ليضعوا برنامج عمل لما يسمى مؤتمر وطني عام؟ هل هذا شيء عملي وموضوعي.. اشك في ذلك. السيادة للحوار بدوره يقول ان الحكومة مدعوة لدراسة رؤية احزاب المعارضة للحوار الذي طرحته في المؤتمر الصحفي قبل اسبوعين. وقد بينت هذه الرؤية الشكل الطبيعي والمناسب من خلال اطرافه وآلياته وموضوعاته. ان اي محاولة للخروج من الازمات لا يمكن ان يتم من غير هذا الاسلوب, ويجب ان تخضع هذه الموضوعات كلها للحوار, بما فيها النهج السياسي والانتخابي والصحفي والاعلامي, فالحوار له اصول, والحوار خارج الاصول ليس حوارا. والحوار الذي تتحدث عنه الحكومة ليس له اطراف وليس له برنامج, فلم تفعل اي شيء جاد بهذا الصدد. بل كان اضاعة للوقت وتحت عناوين ليس لها مدلولات واضحة. لا اظن ان الحكومة قد شرعت في شيء من الحوار الجاد, اما الاحزاب فقد وضعت رؤية للحوار فحددت الآليات ووضعت الافتراضات وهذا من حقها, فلا يعقل ان تقدم وجهة نظر مبتورة وقاصرة. لابد أن تكون الرؤية كاملة, ومن الطبيعي ان تقدم وجهة نظرها الكاملة, والنتائج التي توصلت اليها من خلال حواراتها الداخلية. والآن على الحكومة ان تتقدم بوجهة نظرها ويجري اللقاء على طاولة الحوار وتطرح القضايا المتشابكة والمتقاطعة وعندئذ يكون الحوار جادا. والاصل في الحوار ان يكون له جمهوره ومشاهدوه, الشعب يجب ان يتابع الحوار وان يكون في مكان مفتوح يطلع الشعب عليه, لان الشعب هو الذي سيحكم على هذا الحوار وعلى اطرافه, سواء كان ناجحا ام غير ناجح, مقبولا ام غير مقبول الطابع الجدي على الناحية الاخرى يرى محمد العوران من حزب الارض العربية انه بالنسبة للحوار الذي طرحته الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني لحد الآن لم يأخذ الطابع الجدي والعملي. هناك وجهات نظر مختلفة تطرح, ولكن لقاءات مع قوى سياسية ونقابات لم تحصل الى حد الآن. وواضح انه يوجد فرق بين نظرة القوى السياسية للحوار ونظرة الحكومة. فالحوار كماهو مطروح من قبل الحكومة هو ليس من اجل الوصول الى شيء يتفق عليه, وبرأيي ان الحوار يمكن ان ينتهي قبل ان يحصل على ارض الواقع. فالاحزاب طرحت النقاط التي ستحاور فيها الحكومة لمعالجة المشاكل الاساسية وهي البطالة والفقر, ومن الواضح انه لا يوجد توجهات واضحة لدى الحكومة لحل مشكلة البطالة. الموازنة ستطرح وستنتهي بالاسلوب الكلاسيكي المعين, انها ستحاول التقليل من قيمة العجز, وتخفيض قيمة المصروف.. الخ. وانا اقول انه لا يمكن حل مشاكلنا الاقتصادية الا برفع الحصار عن العراق, فمسيرة الحوار كما تبينت في الثلاثة اشهر التي مضت من عمر الحكومة تبين ان الحوار كان من اجل الحوار وليس من اجل الوصول الى حلول لمشاكلنا والتي تنعكس ايجابيا على الوطن والمواطن. يجب ان تكون هناك اولويات للحوار, فمن الواضح ان الخلاف بين أحزاب المعارضة والحكومة حول السلام والمعاهدة والتطبيع يصعب التوصل الى اتفاق بشأنه, ولكن هذا لا يمنع ان نبدأ الحوار بالقضايا الداخلية. وفي صفوف المعارضة يقول الدكتور نشأت حمارنة اعتقد أنه دائما عند تشكيل حكومة جديدة نسمع شعارات براقة, كالثورة البيضاء ومحاربة الفساد... الخ. ومن المعروف ان الاردن يعاني من ازمات مركبة سياسية واقتصادية واجتماعية, فعلى الصعيد السياسي اقام الاردن علاقات مع العدو الصهيوني على حساب علاقته مع الدول العربية. وقد تبدى ذلك واضحا في التزامه بالحصار على العراق وساءت علاقته مع سوريا وخاصة بعد ما بثته قناة الجزيرة من خلال برنامج الاتجاه المعاكس ومحاولة تحميل سوريا مسؤولية ذلك, مما ادى الى توتير العلاقة معها. اما في مجال الحريات العامة فقد اصرت الحكومة على تطبيق قانون المطبوعات والنشر الذي رفضته مؤسسات المجتمع المدني كافة. واصرت على قانون الصوت الواحد ومنعت المسيرات والمهرجانات وكان آخرها المهرجان الاخير الذي كان يهدف الى الوقوف بجانب العراق في وجه العدوان الامريكي البريطاني, وكانت هذه القضايا تشكل نقاطا خلافية بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني. وعندما طرحت الحكومة في بداية تشكيلها قضية الحوار الوطني مع مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها الاحزاب والنقابات رحبنا بذلك كمعارضة في مجلس النواب, ورفعنا شعار الحوار من اجل المشاركة وليس الحوار من اجل الحوار, للخروج من الازمات المركبة التي يعاني منها الوطن. واقترحنا وضع اجندة حول مواضيع محددة وعلى رأسها مشكلة الحريات العامة والعلاقات مع العدو الصهيوني وعلاقة الاردن مع محيطه العربي, ولكن مع استمرار الحكومة في سياساتها المذكورة آنفا كان لابد من التقاطع معها وانتهاء الحوار الى لا شيء, لانه بات اقرب الى (حوار الطرشان) ولسان الحكومة يقول (قولوا ما تشاؤون ونحن نعمل ما نشاء) , ولذلك بادرت الحكومة الى وقف الحوار. وانني اقول ايضا بانه لا فائدة من الحوار اذا ما اصرت الحكومة على الاستمرار في نهجها وسياساتها المعادية لتطلعات أبناء الشعب. والخلاصة ان طبيعة الحوار الذي بدأته الحكومة كان حتما سيؤدي الى هذه النتيجة. مصلحة الأمة أما عبد العزيز السيد (حزب المستقبل) فيؤكد نحن في الامانة العامة لمؤتمر الاحزاب العربية نرحب دائما بكل خطوة عربية في اي قطر عربي تقرب بين السلطة والقوى الشعبية, ونساهم في ازالة الفجوة او الجفوة بين الحكومة والمجتمع, لما فيه مصلحة الوطن والأمة. وفي حزب المستقبل كنا قد بادرنا بالدعوة الى الحوار بين مؤسسة العرش والسلطة التنفيذية وبين الاحزاب الاردنية, وذلك في اكثر من مناسبة, وعلى لسان الامين العام المؤسس المرحوم سليمان عرار. وقد رحبنا بلقاء الملك حسين مع النقابات, وشاركنا في لقاء ولي العهد الامير حسن مع الامناء العاملين للاحزاب, وقدمنا له مذكرة اضافية تبين وجهة نظر حزب المستقبل في سائر قضايا الوطن محليا وعربيا واقليميا, وجددنا حرصنا على أهمية قيام الحوار الهادف بين السلطة التنفيذية وقوى المجتمع ومؤسساته المدنية وفي مقدمتها الاحزاب الاردنية لما فيه الاخذ بيد الوطن بآليات تنتشله من المشكلات التي يعاني منها ولاسيما في ظل التراجع عن المسار الديمقراطي, سواء بقانون الصوت الواحد وقانون المطبوعات, او بالممارسات العرفية. وكنا نتوقع من الحكومة ان تتقدم الى الحوار مع مختلف القوى الوطنية بجدية تتمثل في وضع اطر حوارية, سواء في الشكل او المضمون والتواصل. لكن وضح الآن ان كل ما جرى يدخل من باب الاستماع, وكأن المقصود فيه هو تأدية غرض اعلامي محض, مما عكس خيبة امل لدى القوى الوطنية والشارع معا. وفي ظننا اننا جميعا سلطة تنفيذية وقوى المجتمع المدني بحاجة الى حوار جاد وعلى اسس مرتكزة الى الدستور والميثاق الوطني, تساهم في تقوية الموقف الوطني الاردني في مواجهة الاخطار المحدقة بالوطن والامة, ومثل هذا الحوار نحن مهيأون له ومرحبون به, ونلح عليه اسلوبا اوحد لتنفيس مخلفات الحكومات السابقة من الاحتقانات المتوالية على كافة الصعد. حالة دائمة ويعتبر محمد العامر (الحركة القومية الديمقراطية) انه من الخطأ التعامل مع الحوار الوطني على انه حالة مؤقتة اقتضتها ازمة وطنية, ويراد الخروج من هذه الازمة بهذا الحوار, انما الحوار الوطني ينبغي ان يبقى حالة استمرارية يجب ألا تتوقف لاي سبب كان. اما الحوار الوطني وكما نراه الآن, فهو يتميز بالحرص الشديد لكي يقتصر على شخصيات معينة تتحاور وراء الابواب المغلقة, لكي تخرج على المجتمع بكلاشيهات لا تكون.. في الغالب مفهومة. وفي هذه الحالة, فان شرائح واسعة من المجتمع يغيب دورها, وكان يمكن لهذه الشرائح ان تغني الحوار باكثر.. وبما لا يقاس مع ما سيتمخض عن حوار لشخصيات تقليدية سبق وان قادت المجتمع الى الهاوية, وتصر على مواصلة قيادتها لهذا المجتمع بذات الاسلوب وصولا لذات المصير. الحوار الوطني يأتي فقط من خلال فتح الباب على مصراعيه, لكي تمارس الحريات الديمقراطية وعلى كافة الصعد, وفي مقدمة هذه الحريات رفع كافة القيود التي من شأنها ان تكبل اية كلمة مطبوعة كانت او مسموعة. اما الخشية من ان يخرج الوحش المدمر من وراء القضبان فيما لو رفعت هذه القيود.. فهي غير مبررة, اذ ان المجتمع اصبح بعد كل هذه الويلات قادرا على ان يميز بين الغث والسمين. ثم ان ما نخشى ان يقال عبر الاجهزة المسموعة والوسائل المقروءة التي تصدر عن الساحة الاردنية, يمكن ان يسمع او يقرأ داخل الاردن وخارجها عبر اجهزة الستلايت والكمبيوتر التي اصبحت تدخل جميع البيوت هذه الأيام. أما الجانب الآخر من هذه الحريات والذي ينبغي ان يتوفر هو ايضا لكي يغتني المجتمع بآراء حرة تصدر عن اناس احرار, فهو الامن الاجتماعي للافراد, اذ لا يمكن بناء مجتمع حر من خلال افراد مهددين بقطع الارزاق عنهم او تسكير المنافذ في وجوههم, فيما لو كانوا غير مؤدبين, والتأدب هنا له معان كثيرة, ليس من بينها تمكين الفرد من المحافظة على كرامته وتأهيله بما يكفي لكي يتمكن من المساهمة في الابقاء على كرامة المجتمع. مبدأ سليم ويظهر صوت النقابات في شخص حسني ابو غيدا (نقيب المهندسين) الذي يوضح: اعتقد أن مبدأ الحوار مبدأ سليم, ولكن يجب ان يتم بتسارع اكثر, فالحوار بحاجة الى اطار ينظم البدء فيه ولابد من استمراره لان توقفه سيؤدي الى انعكاسات سلبية, ويجب ان يؤدي الى نتائج ليصار الى تطبيقها, لانه لا يكفي ان نقول اننا نتحاور, بل لابد من ان يتلمس الشعب نتائجه. والحوار مع الحكومة جيد في الامور التي تتطلع الى تغيير فيها, وتحدثنا اثناء زيارة رئيس الوزراء للنقابات عن وجهة نظرنا في الحوار بانه يجب ان يكون منفتحا وبدون خطوط حمراء. القصد من الحوار هو انجاحه, وليس اجهاضه, اذا استطعنا ان نجلس فهذه خطوة جيدة, الخطوة الاولى صعبة لاننا تعودنا ان تفرض علينا الانظمة والقوانين من فوق ودون حوار. ومن المهم ان تصل نتائج الحوار الى كل الجهات التي تصنع القرار بما فيها مجلس النواب حتى تساعده بمعرفة رأي الشارع. صفة مصيرية بدوره يقول المحامي مجلي نضراوين ان بداية الحوار مفهوم حضاري تلجأ اليه عادة عدة اطراف تختلف اراؤها وتتباين مواقفها حول قضية معينة, او جملة قضايا لها مساس مباشر في حياة الناس, وذات صفة مصيرية تتعلق بها كل توجهات المستقبل. ولكي يكون الحوار جديا وذا جدوى وذا مردود ايجابي ينبغي ان تتوفر حدود دنيا من الشروط أهمها: أولا: الاقرار المسبق بان اي طرف لا يمتلك ناصية الحقيقة. ثانيا: الاستعداد لان يعترف كل طرف بخطئه اذا ما تكشف ان هناك خطأ, والاستعداد لتصويبه والتراجع عنه. ثالثا: ان يمتلك كل طرف كامل حرية التغيير عن رأيه بمختلف الوسائل والاساليب, والا تكون هناك قيود او محددات تحول دون ذلك. رابعا: ان يكون موضوع الحوار شاملا لكل القضايا المصيرية والاستراتيجية, وألا تكون هناك محركات لا يجوز المساس بها او مقاربتها, كالزعم بان هناك ثوابت لا يمكن مناقشتها او اعادة النظر فيها. خامسا: ألا يجري الحوار داخل ابواب مغلقة, وذلك لكي يطلع الرأي العام على كل ما يجري داخلها, ويتعرف على مواقف الجميع. سادسا: ان يصار الى الاحتكام للرأي العام عن طريق استفتاء شعبي عام حول القضايا التي نوقشت. والحوار الذي دعت اليه الحكومة, اذا ما نظرنا من زاوية الشروط التي يجب توفرها, نجد انه يفتقر الى الحدود الدنيا التي تحقق النجاح. واذا ما أضفنا الى ذلك ما تقصده الحكومة من وراء هذه الدعوة, وهي حسب اعتقادي كمايلي: ان التخبط والارتجالية في رسم سياسة البلد, اعطت نتائج سلبية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وقادت البلد الى مأزق صعب, وأزمة مستعصية على الحل. والدعوة للحوار مع تشبث الحكومة بمواقفها وسياساتها واستراتيجتها هي تحميل الاحزاب والفعاليات جانبا من المسؤولية, عما ستؤول اليه الاوضاع لاحقا. محاولة احتواء الاحزاب بعد ان جرت محاولات تمزيقها وشل فعاليتها وافقادها مصداقيتها. فبدلا من ان يتاح لها المجال للنشاط مع الجماهير, يراد لها ان توظف نفسها لدى السلطة من اجل تلميع صورتها. ان عدم المساس بالثوابت والاقتراب منها, كمعاهدة وادي عربة واستحقاقاتها والخصخصة وآثارها والقوانين ذات الطابع العرفي, وجعل الحوار مقتصرا فقط على معالجة آثارها وسلبياتها, اي معالجة النتائج دون التطرق الى الاسباب, يجعل القصد من وراء الحوار هو احتواء الاحزاب والقوى والفعاليات وادخالها في حلقة التسوية والتطبيع بشكل غير مباشر. وأخيرا لست واثقا بجدية الدعوة, كما لست على قناعة بانها سوف تعطي نتائج ايجابية. عمان ــ خليل خرمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات