منذ الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 والكلام يتواصل باطراد عن محاربة الفساد والافساد, حيث تجمع احزاب الحكومة والمعارضة على السواء - على هذا الهدف, بل وتتنافس على ذلك . ولا يخلو اي خطاب أو تصريح أو بيان للأحزاب والحكومة من كيل الاتهامات ضد الفساد ومن يمارسونه غير ان الحملة ضد الفساد, تجمدت عند المربع الاول, باستثناء النقد اللاذع الذي يتسم به الخطاب عند الأحزاب والحكومة والرأس القيادي في الدولة, فلم تشهد اليمن أي محاكمة قضائية أو سياسية للفساد رغم وجود عشرات الحقائق والادانات التي تنشرها الصحف, وتضج بها قاعة البرلمان. (البيان) حاولت كشف مواطن خلل حملة الفساد والعثرات التي تقف أمامها, وآفاقها, واستطلعت في هذا الخصوص خبراء ورجال قانون, ونواب وقيادات في الحكومة, وقال احد الخبراء ان جذور الفساد في المؤسسة اليمنية قوية الا ان هذا الفساد شهد انكماشا بعد الوحدة حيث لم تشهد الأجهزة الحكومية اي عمليات رشوة أو صفقات فساد ابان الزخم الوحدوي بسبب حالة التخوف من سيادة القانون والعقوبات التي ستطال أي مخالف, غير انه مع بداية الأزمة السياسية ــ والكلام ما يزال للخبير الذي طلب عدم ذكر اسمه ــ وانهماك القيادات بمناكفة بعضها بدأت الصحف الكتابة عن استمرار عمليات الفساد والإفساد, وانتقلت القضية الى طاولة الحزبين الحاكمين (المؤتمر والاشتراكي حينها) وقبل أن تتحول الى اتهامات متبادلة, بين قيادتي الحزبين, اعلنت اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي عزمها على توزيع استمارات (براءة ذامة) لأعضاء اللجنة المركزية والمكتب الساسي, والوزراء وكبار المسؤولين في الاشتراكي, وعلى أساس أن يقدم الاشتراكي بذلك القدوة والنموذج, وسارعت قيادة المؤتمر الشعبي الى اعلان نفس المبدأ وانها ستعمل باستمارات (براءة الذمة) لكبار المسؤولين من أعضاء وقيادات المؤتمر الشعبي العام, على أن الواقع قدم حقائق أكثر مرارة من ممارسة الفساد, فوفقا لهذه الاعلانات التي لم تجد طريقها الى التنفيذ, انتقل الجميع من ممارسة الفساد إلى الإفساد, زاد من ذلك تصاعد الأزمة السياسية, ثم اندلاع حرب صيف 94. وعقب الحرب أعلنت الحكومة ورئاسة الدولة عزمها على البدء بالبناء ومكافحة الفساد وزادت ان اسباب تردي الأوضاع وتفشي الفساد قد انتهت بازاحة عناصر الانفصال التي كانت السبب الرئيسي في الفساد, وفي ذلك قام عدد من الخبراء والمختصين باعداد دراسة للتحقق من ذلك فأظهرت النتائج ان القيادات التي ازيحت من الحكومة والذين غادروا البلاد جراء الحرب لا تمتلك اي منزل خاص في صنعاء, ولا توجد لديها أية أرصدة شخصية في البنوك المحلية أو في الخارج, وان الكثير من قضايا الفساد وملفاتها كانت موجهة لكبار المسؤولين في أول حكومة عقب الحرب. مشاكل قضائية وفي سياق عرضه لتعثر محاربة الفساد, قال قانوني بارز ان قانون محاكمة كبار مسؤولي الدولة الذي أقره البرلمان يمثل عقبة خطيرة أمام محاربة الفساد وينص القانون على عدم جواز رفع دعوى قضائية ضد نائب وزير فما فوق! وزير, نائب رئيس وزراء, رئيس وزراء, نائب رئيس جمهورية, أو رئيس الجمهورية, وان أية قضية مهما كانت لا يجب أن تذهب الى القضاء, بل الى هيئة رئاسة مجلس النواب, ثم تشكل لجنة للتحقيق في القضية, بموافقة 5% من الأعضاء النواب, والتحقيق في القضية, ومن ثم تناقشها هيئة مجلس النواب, ويتضمن القانون, سلسلة من المواد المقيدة, لأي نوايا لمكافحة الفساد عبر القضاء. وسألت (البيان) رئيس الكتلة البرلمانية لتجمع الإصلاح د. عبد الرحمن بافضل عن المانع من تعديل هذا القانون بهدف الضغط على الحكومة باللجوء الى القضاء, فأجاب ان الديمقراطية في اليمن ما تزال في طورها الأول, وانها أفضل من أي بلد آخر, فسألته ان القانون يقيد نظام الحسبة في الاسلام, وان مبدأ الحسبة والاحتساب هو أهم المبادئ في قيام نظام الدولة الاسلامية وفي الاسلام, فوافق على المبدأ كحقيقة, واضاف ان الشعارات والمبادئ شيء, والممارسات على أرض الواقع شيء آخر في اليمن, معتبرا انه لايوجد أي فصل بين السلطات في اليمن, في اشارة واضحة الى الاختلالات الجسيمة التي تنخر جهاز السلطة القضائية في اليمن, وفي هذا السياق قال معارض بارز بمرارة ان اي محاولة لفتح ملف للفساد عبر الصحف تؤول الى محاكمة الصحفي, وكل محاولة لفتح ملف تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة, ومناقشة البرلمان لها تؤول الى تجميد الملفات, ومنها مخالفات مالية بلغت قيمتها احد عشر مليار ريال يمني, والمتهمون فيها اربعة وزراء وعندما ناقشها البرلمان, خضع للقانون وتم النقاش على أساس مخالفة الوزارات وليس الوزراء, رغم ان الجريمة حسب الدستور اليمني شخصية والمخالفات مرتبطة بأشخاص, فتجمدت القضية. وفي الخلاصة يؤكد مراقبون عدم امكانية مكافحة الفساد في اليمن, وعدم امكانية السير في الحد منه, مشيرين الى اتساع رقعته حاليا بالنظر الى تشريعات تشجع ذلك, ويتم اقرارها لحماية فئات معينة. تبدو التنمية والفساد حالة مزدوجة في اليمن, فعندما ناقش مجلس الوزراء اليمني قبل أقل من شهر مخالفات التهريب, وقدمت على طاولة الحكومة كشوفات وأسماء بعينها تمارس التهريب, لم تخل القائمة بحقائقها من أسماء وزراء ونواب, فتم احالتها الى الأماكن التي لا يصل اليها أحد باستثناء العنكبوت. صنعاء - عبد الله سعد