يبدو ان النظام السوداني لما ادرك ان بدعة التوالي لم تخدع الناس او حتى تثير اهتمامهم لجأ الى افتعال مظاهر على أمل ان تنفخ الروح في هذا الجسد المتداعي الذي اصبح جثة هامدة , فبدأ بقصة عزم الترابي على التنحي من رئاسة المجلس الوطني لتسلم زعامة الحزب الجديد المؤتمر الوطني, ومن ثم افتعال ضجة حول دور الجيش في الحياة السياسية وامكانية ان يبقى البشير في رئاسة الجمهورية بعد ان يخلع رتبته العسكرية او ان يتمسك بقيادته للقوات المسلحة وينأى عن رئاسة الدولة والحزب, وبين هذا وذاك هناك من يقول بامكانية توفير حالة استثنائية للبشير ليجمع بين الاثنين! بينما يتمسك اخرون بأن الدستور لم يشر الى اي دور سياسي للقوات المسلحة, والمسألة كلها في تقديري مفتعلة, ولم تجذب انتباه الناس ولم ينشغلوا بها معشار ما شغلوا ببدعة التوالي, و مع ذلك فلا بأس ان نخوض فيما خاض فيه اهل النظام مستعرضين الضجة المفتعلة بكل ملابساتها وتناقضاتها واخطائها وسوء اخراجها مما جعل المواطنين والمتابعين للشأن السوداني يسخرون منها. بداية اعلن البشير في حوار صحفي انه سيختار البقاء في القوات المسلحة اذا تعين عليه ان يختار بين رئاسة المؤتمر الوطني وقيادة الجيش, واستدرك مطالبا بضرورة اعطاء دور سياسي للقوات المسلحة موضحا ان وضعها السياسي لم يكن مهمشا بل يدل على انه الغالب في السياسة حيث حكمت البلاد لاكثر من ثلاثين عاما واعطى البشير بعض الحيثيات التي تبرز ذلك الدور حين قال انه لا يريد ان تشعر القوات المسلحة انها لا تستطيع التأثير في العمل السياسي الا عن طريق الانقلابات لذا لزم ان توجد صيغة تستطيع معها ان تعبر بها عن مواقفها وان تؤثر في الاحداث بوسيلة اخرى غير الانقلاب, وبذلك يتم تفادي التقلبات التي غلبت على السياسة السودانية بين حكومات عسكرية ومدنية! دعونا قبل ان نخوض في جدال حول هذه المزاعم التي ساقها البشير نتساءل: هل القوات المسلحة هي الحاكمة الآن؟ والاجابة كما يعرفها الجميع ان الجبهة هي الحاكمة وان القوات المسلحة لا سلطان لها ولا دور بل انها كانت أول المكتوين بنار حكم الجناح العسكري لجبهة الترابي, اذ اعدم عشرات الضباط منها وشرد المئات من ضباطها والآلاف من ضباط الصف والجنود, وفوق هذا وذاك ابتدعت الجبهة قوات الدفاع الشعبي لتكون القوة الموازية لها وانتهى امر الضبط والربط فيها بحيث تتولى سرا جماعات من المنتسبين للجبهة قيادتها بصرف النظر عن رتبهم واقدميتهم, وان القيادات العليا الرسمية لا سلطة لها او نفوذ وانما هم مجرد ادوات يحركهم الضباط الصغار الذين ينتمون للجبهة ومن بينهم الرائد شمس الدين (اصغر اعضاء مجلس قيادة انقلاب 1989) . اذن فان القوات المسلحة التي يزعم البشير الحرص عليها وعلى دورها ويختار اذا كان عليه ان يختار البقاء في صفوفها, هي ليست موجودة اصلا بسبب ما فعله هو فيها بتعليمات من زعامة الجبهة التي ينتمي اليها, وبالطبع لن تنسى له القوات المسلحة الخدعة التي خدعها بها عندما زعم في المبتدأ انه يحكم باسمها ومعها بينما هو كان مطية للجبهة وسخر اسمها وموقفها القومي في خدمة الترابي وصفوته, كذلك فان القوات المسلحة لن تنسى الخطب النارية التي دبجها شيخ الترابي ضدها لما تمكن من الحكم فاعلن غير مرة انها قوات كانت مصممة خصيصا لمعاداة نهجه وانها كانت قوات ارتزاق وليست قوات جهاد ولذلك عمل وسخر كل امكانات الدولة لتمزيقها ولذلك فان كل حديث عن دور لها يصدر من البشير وزمرة الجبهة لا يعني شيئا وانما في افضل الحالات يمكن تصنيفه في مدار الضجة المفتعلة للفت النظر لمشروع التوالي الذي ولد ميتا! اما قوله: ان القوات المسلحة حكمت البلاد لاكثر من ثلاثين عاما فهو قول مردود فضلا عن انه يناقض بعضه بعضا, فالعشر سنوات الاخيرة من الحكم هي من نصيب الجبهة القومية الاسلامية وليست محسوبة على الجيش, بل حتى البشير نفسه منذ ان قام بحل المجلس العسكري الصوري الذي كان واجهة لحكم الجبهة اعلن ان النظام انتقل من (الشرعية الثورية) الى (الشرعية الدستورية) , وان الحكم صار مدنيا وتأسس برلمان وجرت انتخابات برلمانية ورئاسية فكيف نسى هذه الخدعة وصنف ان الحكم لايزال عسكريا وهو يدخل عامه العاشر! لعله صدق في ان الحكم لايزال عسكريا, ولكنه ليس منتسبا للقوات المسلحة التي يتحدث عنها انما هو حكم الجناح العسكري لجبهة الترابي والذي يسيره (السيوبر تنظيم) على حد تعبير الدكتور عبدالوهاب الافندي (الدبلوماسي السوداني الذي انشق عن الجبهة) . وعلى افتراض ان الحكم مازال عسكريا حسب رواية البشير نفسه فكيف يستقيم عقلا ان يطالب البشير بدور للقوات المسلحة في السلطة وهي حاكمة فعلا؟ ومن الذي يطلب منه سيادة الفريق ان يمنحه صك الاستمرارية ويخصص مقاعد في البرلمان والسلطة للقوات المسلحة؟! واذا كان هو بحكم موقعه في رئاسة الجمهورية يعتبر قائدا أعلى للقوات المسلحة فكيف يكون ابتعد عن الجيش اذا خير بين رئاسة الدولة وقيادة القوات المسلحة! حقا انها مجرد ملهاة يحاولون بها تحريك المياه الساكنة لخلق ضجة حول التوالي وكيف انها ستحدث متغيرات كثيرة وكبيرة بينما هي في حقيقة الامر تصب في تزيين وجه الحكم دون التفريط في أي موقع من مواقع السلطة ولا تمت بأية صلة للتسليم بمبدأ تداول السلطة. وباستعراض ما ورد على لسان البشير حول اعطاء دور للقوات المسلحة في الحياة السياسية نكتفي بقوله (يجب ان يكون للقوات المسلحة دورها المؤثر في الاحداث مع توفر آليات بديلة للانقلابات العسكرية تمكن القوات المسلحة من ممارسة ذلك الدور, بالطبع يجوز لنا ان نتساءل لماذا أهمل الدستور هذا الدور؟ ولماذا لم يخصص لها قانون التوالي حيزا في الموالاة؟ هل نسى شيخ الترابي هذه المسألة الهامة ام تعمد تناسيها؟ ام قصد تركها لافتعال ضجة حولها؟ لقد ذكرت تقارير صحافية ان انقساما قد حدث في الحكومة السودانية حول تمثيل الجيش في البرلمان, ونقلت بعض الصحف عن مصادر مطلعة قولها (ان مجلس الوزراء قد شهد جدلا طويلا وحادا حول تمثيل القوات المسلحة في البرلمان المقبل وانقسم المجلس حول ثلاثة اراء, رأي يشدد على ضرورة تمثيل القوات المسلحة, وثان يرى ان تمثيلهم ممكن عبر الفئات الخاصة, وثالث يؤكد ان الدستور سكت عن تمثيل الجيش وان على الجميع الالتزام بالدستور, ورجحت كفة الذين تمسكوا بنصوص الدستور) . اذن فان الدكتور الترابي قصد منذ البداية عدم اعطاء اي دور للجيش وذلك باغفاله بعدم الاشارة اليه في الدستور, ثم بترجيح لغة الذين تمسكوا بنصوص الدستور في مجلس الوزراء لأن الرأي الغالب لابد ان يكون منحازا لرأي الشيخ! ولهذا على الارجح ان تكون تصريحات الفريق عمر الغرض منها ان يظهر على السطح وكأنه يدافع عن دور شرعي للقوات المسلحة بحسبانه من المنتمين لها وبوصفه القائد العام والقائد الاعلى لها, وبالتالي تشعر القوات المسلحة بأنه يواليها ولكن الكفة التي رجحت لم تكن في صالحها! فضلا عن الضجة المفتعلة التي يمكن ان تحدثها هذه التراشقات والتي يمكن ان تصور النظام وكأنه يجادل بحرية وجدية في مسائل تتعلق بالحقوق والحريات. وفي تقديري ان للمسألة جانبان, احدهما يتعلق بوضع الفريق عمر شخصيا والثاني يتعلق بوضع القوات المسلحة, وفيما يتعلق بالفريق عمر فان بعض صحف الخرطوم قد ذكرت ان تعديلات ستنظر في وضعه بوصفه رئيسا للجمهورية والقائد العام بحيث تكون هناك تعديلات استثنائية وبالتالي تكون صورة تفصيل كل شيء حسب المقاسات المطلوبة قد وضعت وهذا هو عين المراد, والثاني هو اهمال القوات المسلحة حتى لا تكون لها اية كينونة يمكن ان تؤثر على اوضاع سلطة الجبهة وذلك تمشيا مع نهج الشيخ حسن الذي يرى ضرورة ان يكون انقلابهم اخر الانقلابات في السودان, لان القوات المسلحة مصممة اصلا لتكون ترياقا مضادا لتوجهاتهم ولا ينبغي بعد ان تم تكسيرها تحت اشراف الجبهة اعادة بنائها من جديد تحت اي ظرف لانها لن تكون مضمونة الولاء للجبهة, وبالتالي فان حديث الفريق عمر عن احداث آلية بمشاركتها تمنع انقلابها على السلطة قصد منه مجرد التمويه, وان منع الانقلابات حسب مفهوم الجبهة لا يتم الا بتحطيم المؤسسة العسكرية القومية, وهذا ما حدث سواء عن طريق ميليشيات الجبهة او قوات الدفاع الشعبي او الدبابين الى آخره. صحافي سوداني مقيم في بريطانيا*