بمعيار الفئة العمرية فان مجلس التعاون الخليجي الذي يكمل الآن عامه الثامن عشر يكون قد وصل الى قمة شبابه.. عمرياً ايضا يكون المجلس قد انهى سنوات النشأة والتكوين والبدايات بكل ما تحمله من تصورات منطلقاً الآن الى مرحلة الفوران والحيوية والمزيد من الانجازات على الارض . وبطبيعة الحال فان الرؤى حول المجلس تتباين بمدى ومكان النظرة, وبعد جدل مستمر طوال السنوات الماضية فان هناك ما يشبه الاجماع الآن بأن المجلس اضافة للتضامن العربي وليس خصما منه, وانه رغم خصوصيته الخليجية فهو في النهاية رقم مهم وفاعل في الخريطة العربية الكبرى. ورغم ان كثيرين يربطون نشأة المجلس بالتحديات والتهديدات الاقليمية والدولية الا ان كثيرين ايضا ينظرون الى ان هذا المجلس كان ترجمة طبيعية للواقع الوحدوي الذي يربط بين بلدان المنطقة بغض النظر عن الظروف المحيطة. وتاريخياً نشأ مجلس التعاون منذ 18 عاماً.. وتابع مسيرة طويلة من الانجازات والطموحات رغم العقبات.. نشأ في ظل تطورات متلاحقة في المنطقة العربية والاقليمية.. ما بين مبادرة السلام واتفاق كامب ديفيد وما أدت اليه من خروج مصر من جامعة الدول العربية لاحقا, وافتقادها من جانب لروح التضامن العربي, وافتقاد العرب ايضا, وخاصة من الجزيرة لمصر بحضورها ودورها.. وعلى الشرق من الخليج كانت الثورة الايرانية قد تفجرت 1979, وما لبثت ان قامت الحرب العراقية ــ الايرانية بعدها بسنوات قليلة, وأصبحت قذائف المدافع ورائحة الحرب قريبة ولأول مرة من دول الخليج, في الوقت الذي بدا واضحا تفكك التضامن العربي.. وكان انشاء مجلس التعاون الخليجي محاولة للتماسك في وقت الأزمة, ومحاولة لتعويض ما كان مفتقدا على الساحة العربية ككل.. وتسارعت الأحداث وتلاحقت, أزمات وراء أزمات, في حرب الخليج الأولى الى الثانية, وتشكلت مجالس عربية أخرى وانحلت.. وبقي مجلس التعاون الخليجي محافظا على تماسكه.. وطموح الأمن الخليجي والوحدة الاقتصادية في اقليم الخليج قائما.. وفي الأجواء العربية المعنية بالتضامن والوحدة العربية اثيرت تساؤلات كثيرة. وتوقع كثيرون تحديات معظمها حقيقي. هذه التهديدات كان على المجلس ان يواجهها ويتجاوزها.. وفي السنوات الأخيرة طرأت متغيرات جديدة.. يتعلق كثير منها (بتوابع حرب الخليج الثانية) ويتعلق البعض الآخر بالبنية الاساسية للدولة الخليجية قضية العصرنة, والعلاقات البينية بين دول مجلس التعاون.. وشهدت الساحة العربية اخطارا جديدة, مضافة الى مصادر التهديد, التي كادت ان تصبح تقليدية كالتهديد الاسرائيلي الدائم ومن اطراف كالعراق وايران والتوتر التركي السوري, الى جانب الأزمات المتتابعة ما بين العراق والأمم المتحدة او الولايات المتحدة الامريكية على وجه التحديد.. والتي تتجمع مؤشرات جديدة على تغيير في سياستها بالمنطقة.. بسبب تلك التطورات والتحديات والمتغيرات يصبح من الضروري فتح ملف مجلس التعاون الخليجي, بمناسبة قمته الثامنة عشرة, وتقييم دوره واستشراف مستقبله.. وفي ندوة (الملف) بالقاهرة استضافت اسرة التحرير بمكتبها عددا من الخبراء والمفكرين السياسيين والاستراتيجيين البارزين تحت عنوان: (مجلس التعاون الخليجي.. الماضي والمستقبل) لتقييم اداء المجلس في السنوات الثمانية عشرة الماضية, وحجم النجاحات التي حققها, والاخفاقات التي لم يوفق في تجاوزها واستشراف مستقبل المجلس في ظل المتغيرات الدولية والاقليمية والمحلية. بنيان حقيقي (الملف) : في ظل التطورات الخطيرة التي مرت بها المنطقة وفي ظل ظروف تتجه فيها الأهمية للخليج ويصبح مركزا للصراع العالمي لدرجة القول بأن الخليج اصبح معرضا للاخطار اكثر من اي وقت مضى, والى جانب الظروف العربية الاخرى يحق ان نبحث في واقع ومستقبل المنطقة العربية قبيل انعقاد القمة الثامنة عشرة لمجلس التعاون الخليجي, الذي يضم دولا متقاربة في المستوى الاقتصادي, وبينها مقومات تجانس تدعو الى التوحد والى اتخاذ خطوات نحو الوحدة. وفي السنوات الماضية اتخذت عدة خطوات وتأجلت اخرى سواء على المستوى الاقتصادي او العسكري او السياسي, لذلك يمكننا ان نبدأ بتقييم ما تم, وسؤالنا: هل استطاع مجلس التعاون الخليجي ان يقيم أساساً لبناء وحدوي حقيقي في المنطقة, وأن يحافظ على عروبتها في ظل التهديدات القائمة وهل كان المجلس اضافة للعمل العربي؟ * د. أحمد يوسف: ونحن نتحدث عن تقويم لدور وأداء مجلس التعاون الخليجي ينبغي الاشارة لعدد من الملاحظات العامة, أعتقد أن أولها: أن مجلس التعاون الخليجي يشكل نقطة البداية في ظاهرة سرعان ما توالت في النظام العربي, وبدا أنها ظاهرة عامة, وهي إنشاء تجمعات فرعية في النظام العربي, وهي ظاهرة, ربما قوبلت في البداية بتحفظ من قبل النخب العربية, على أساس أنها يمكن أن تكون بداية لعزلة جزئية أو إقليمية عن مجمل التيار العام في النظام العربي, ولكن سرعان ما تلاشى هذا التحفظ, وقد أصبحت فكرة التجمع الفرعي ظاهرة عامة, عندما أقيم في عام 1989 مجلسان آخران في يومين متتاليين, مجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي, وبدا أن التجمعات هي السمة المميزة للتكامل العربي أو العمل العربي في عقد الثمانينات وبداية التسعينات.. وللانصاف فانه بإمعان النظر في الحالات الأخرى, يبدو على الفور ان مجلس التعاون الخليجي هو اكثر (المجالس العربية) احتمالا او ترشيحا لان يشكل بنيانا حقيقياً, باعتبار ما انطوى عليه من تجانس بين أعضائه, فهو يضم ست دول متجانسة اجتماعيا وسياسيا, وتكاد أن تكون متجانسة اقتصاديا, ومن ثم كانت هناك فرصة واضحة لتكامل حقيقي, ويؤكد ذلك أنه بينما أصاب المجلسين الآخرين ما أصابهما من انفجار (مجلس التعاون العربي) بسبب الغزو العراقي للكويت, وهو لم يكن في حالة طيبة قبل الغزو على أي حال. ثم التجمد التام الذي اصاب الاتحاد المغاربي اعتبارا من ديسمبر 1995, بقي مجلس التعاون الخليجي محافظا على استمراره.. ولا مناص في تقييم دور المجلس الخليجي من ذكر ملاحظتين تمهيديتين: الأولى: أن المرء مضطر لتقويم مجلس التعاون الخليجي في اطار الوثائق التي أنشأته, لأن قراءتها تدعو للإعجاب فهي تشير الى رؤية واضحة جدا لمصادر التهديد الخارجي والأطماع الخارجية في الثروة العربية وان الامن الخليجي لا يجب الا ان يكون خليجيا وأن ثمة حاجة الى تنمية متوازنة في المنطقة, لا تستند فقط الى موارد النفط, وان ثمة حاجة الى التكامل بين الدول الاعضاء في جميع المجالات الامنية والاقتصادية والسياسية, وذكر النظام الاساسي تحديدا تعبير (وصولا الى الوحدة) فيما بين الدول الست, وتشير هذه الوثائق بوضوح الى أن حركة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي انما هي جزء من الحركة العربية العامة. اقول ان قراءة الوثائق تدعو للاعجاب رغم انني ممن يختلفون مع منطق التجمعات الفرعية في اطار النظام العربي, وليس رفضا من الناحية الأيديولوجية, وانما على أساس أن هذه التجمعات تحتاج من الجهد مثل الذي يحتاجه انعاش العمل العربي المشترك وعلى اي الأحوال هذه الامور التي تشكل اطارا عاما افضل الرجوع اليها عند تقييم مسيرة مجلس التعاون, لأنني اتفق بطبيعة الحال مع الاطار العام والأهداف العامة للمجلس.. احداث جسام ولا يخفى على احد انه في الفترة من 1981 وحتى الآن واعتبارا من منتصف الثمانينات وما تلاها من احداث جسام, حصلت تغييرات هائلة عربية وعالمية واقليمية, الامر الذي القى بظلاله على مسيرة المجلس, لكن ومرة أخرى المراقب مضطر لان يقيم المجلس في ضوء الأهداف التي أعلنها مؤسسوا المجلس, والتي لا يملك المرء إلا الاتفاق معها والإعجاب بها. الملاحظة التمهيدية الثانية انه لابد ان نسجل لهذا المجلس انه التجمع الفرعي العربي الوحيد الذي حافظ على استمراره وعلى بنيته التنظيمية وأوجد مؤسسات وأصبح له شكل مؤسس قائم على عكس التجمعين السابقين, وعند الانتقال من هاتين الملاحظتين اللتين تشيران الى جوانب ايجابية واضحة, الى مجال الانجاز الفعلي, سنجد في تقديري ثمة فجوة واضحة بين الطموح الأول لمؤسسي المجلس وبين الانجاز الفعلي, وأتحدث دون حساسية عن عدد من المحاور بسرعة شديدة.. لو بدأنا بالمحور الذي بدا أنه طاغ على تشكيل المجلس وهو محور التهديدات الخارجية لأمن الخليج يكفي فقط الاشارة إلى أنه في الامتحانات التي واجهته بدا أن الصيغة الأمنية في العلاقة بين دول المجلس لم تكن كافية على الاطلاق, بدليل اضطرار الكويت خلال الحرب العراقية ـ الايرانية لكي تحفظ امن امدادات البترول الخارجية منها الى الاستعانة بالدولتين العظميين في ذلك الوقت, ثم اضطرار دول مجلس التعاون ككل, بعد غزو العراق للكويت الى الاستعانة المكثفة بالقوات الخارجية.. أقول ذلك وأنا واع بأن القدرات العسكرية للدول الخليجية لها حدود معينة, ولا يمكن أن يتصور أحد أنها كانت كافية لمواجهة الغزو العراقي للكويت, ولكنني أقصد أنه في إطار هذه القدرات لم تنشأ صيغة للتكامل أو للتعاون الأمني تمثل الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه هذه القدرات. التنمية المتوازنة المحور الثاني وهو المحور الخاص بالتنمية المتوازنة والتنسيق والتكامل بين الدول الأعضاء وان لم أكن متخصصا فيه الا انه لدي انطباع معزز بعدد من الشواهد التي تسمح بالقول أنه لم ينجز فيها الكثير ــ وقد أكون مخطئا ومستعدا للمراجعة ــ وما أنجز على الصعيد الاقتصادي بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي يمكن أن ينجز مثله, بل لعل أنه أنجز مثله بالفعل خلال العلاقة بين بعض الدول العربية, وهو لا يتعدى كونه مجموعة من التسهيلات الاقتصادية والمشروعات المشتركة المحدودة, واذا افترضنا مقارنة بين مجلس التعاون في وضعه الحالي ووضع الجماعة الاقتصادية الاوروبية بعد 17 سنة من انشائها, سنجد أن فارق الانجاز ضخم, ونجد أيضا ان الدول الاعضاء في المجلس لم تتمكن حتى الآن من وضع تعريفة جمركية موحدة لها, وهي أبسط مستويات التنسيق الاقتصادي.. عندئذ لابد ان نتوقف ونسأل عن السبب, مع ان اقتصادات الدول الأعضاء كانت مرشحة لمستوى اعلى من التنسيق والتعاون.. حصافة واتزان المحور الثالث هو الخاص بأحد مصادر التهديد الداخلي وهو المنازعات بين الدول الاعضاء, وقد كان مؤسسوا المجلس من الحصافة والاتزان بحيث وضعوا ضمن النظام الاساسي للمجلس ما يسمى بهيئة تسوية المنازعات, ولا يلتفت كثيرون الى طبيعة تلك الهيئة, ودون استخدام تعبيرات مبالغة كان تشكيل هيئة تسوية المنازعات ينطوي على رؤية سليمة لواقع العلاقات العربية ــ العربية, والعلاقات الخليجية خاصة, لانها صممت بحيث تراعي الحساسيات الموجودة عادة بين الدول عموما فيما يتعلق بالتسوية القضائية للمنازعات, والهيئة ليست محكمة عدل خليجية وليست هيئة قضائية, ولكنها كما سميت فعلا هيئة لتسوية المنازعات, وتتكون من عدد من الخبراء يقوم المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي باختيار عدد من اعضائها في كل حالة, لا يقلون عن ثلاثة ولا ينتمون الى طرفي النزاع, ويعهد اليهم بالنظر في النزاعات ليدرسوها, ويرفعوها الى المجلس, اي أننا ازاء تسوية سياسية وليس تسوية قضائية.. ومع ذلك لم يحدث خلال 17 سنة من تاريخ المجلس ان احيل لهذه الهيئة نزاع واحد!. والسؤال لماذا؟ مع أنه في تقديري ــ والكلام مازال لأحمد يوسف ــ كان النزاع القطري البحريني مهيأ تماما للعرض على مثل هذه الهيئة. لانه لا يوجد ما يخيف على الاطلاق. هيئة تبحث وتتخذ توصية ترفعها للمجلس الأعلى, الذي يتخذ قراراته بالاجماع بحكم نظامه الاساسي.. وبالتالي يمكن ان تأمن قطر وتأمن البحرين على نفسها من أي حكم جائر او اي توصية جائرة, ومع ذلك لم يلجأ الى هيئة تسوية المنازعات في نزاع قطر والبحرين ولا اي نزاع اخر.. ورغم ملاحظات كثيرة في الآونة الاخيرة يحسب للمجلس منذ انشائه اننا لم نسمع خلافا حول تعيين الأمين العام له, لم نسمع من قبل ان قمة تعقد بدون احد حكام الدول الأعضاء, ولم نسمع خلافا حول نظام الحكم في دولة من الدول, سمعنا بعضا عن كل ذلك في الآونة الأخيرة.. المحور الأخير الذي أتحدث عنه بصراحة ان المجلس من خلال وثائقه تحدث بوضوح عن انتمائه الى أمته العربية, وان نشأته لا تتعارض مع جامعة الدول العربية, بل هي تدعمها وتقويها, وقد ظلت هذه المسألة موضعا لجدل طويل في الفكر السياسي العربي: هل يعكس مجلس التعاون الخليجي محاولة خليجية للعزلة, ام هو محاولة مشروعة لترتيب البيت الداخلي لكي يكون على أعلى درجة من القوة؟ والحقيقة انه رغم وجود مؤشرات على ميل للعزلة هنا او هناك, لكن للأمانة لا نستطيع القول ان مجلس التعاون الخليجي قد انعزل عن القضايا العربية.. فقد كان المجلس جزءا لا يتجزأ من التفاعلات العربية وانعكست عليه نفس التيارات, فنجد مثلا من تحمس نسبي داخل اعضاء المجلس الى تطبيع العلاقات مع اسرائيل, ومن تصدى بكل الحزم والحسم لهذا التطبيع ورفض افكار الشرق أوسطية وحافظ على مسلمات الموقف العربي من القضية الفلسطينية, ليست هناك اذن شواهد قاطعة على عزلة خليجية من النظام العربي. واتمنى ان تستمر العلاقة الطبيعية بين المجلس والجسد العربي العام لان الرؤية المرصودة لهذه القضية في وثائق المجلس رؤية سليمة وفاعلة.. دعم الجامعة (الملف) : اعطانا د. احمد يوسف مدخلا جيدا يمكن البناء عليه, ونوجه السؤال للسفير محمد صبيح عن تقييم مسيرة مجلس التعاون من وجهة نظره. محمد صبيح: نحن من الناس الذين رحبوا بمجلس التعاون الخليجي, وكنت اتمنى ان تكون لدينا كل الوثائق لندرسها ونعلق عليها, لان الموضوع في غاية الاهمية, ونشكر القائمين على مؤسسة (البيان) لأنهم يختارون موضوعات حساسة وخطيرة, ويقتحمونها. على اية حال مجلس التعاون الخليجي تجربة وجدت ــ كما قال د. احمد يوسف ــ في أكثر من مكان من الوطن العربي, وكنا نتمنى ان تقرب فيما بين الأطراف العربية وان تساعد في تفهم الموضوعات الخلافية ومشاكل كل تجمع عربي, وان تحل هذه المشاكل.. مع الوضع في الاعتبار ان الظرف السياسي الدولي اثناء تلك المسيرة وهو (الحرب الباردة) كان مؤهلا نسبيا لانجازات مختلفة, في قضايا التعليم ومحو الامية ورفع مستوى الدخل, العلاقات البينية والعلاقات مع الدول العظمى في ذلك الوقت كان المجلس مؤهلا للقيام بدور كبير.. واليوم تغير الظرف السياسي الدولي.. لو وضعنا مجموعة اسئلة: كيف تعامل المجلس مع الأمن والدفاع؟ الأموال التي صرفت على التسليح, هل هذا التسليح أعطى مردوده في الازمات؟ والى اي مستوى وصل؟ وهل يستطيع الآن ان يقوم بالدور المطلوب منه في تعزيز الأمن العربي؟ وفي مجال التنمية ايضا.. الى اين وصلت الجهود لتطوير هذه المنطقة؟ نعم هناك مدن وعواصم وبلاد جميلة ونظيفة ونهضة عمرانية يتشرف المواطن العربي بها.. لكن ليس هذا كل ما هو مطلوب من مجلس التعاون الخليجي.. لو سألنا عن عدد المصانع التي اقيمت لاستيعاب العمالة العربية.. وعن درجة الاكتفاء الذاتي التي خلقتها المصانع والمشروعات الزراعية الجديدة في الأمة العربية.. مازال من المطلوب تخطيط استراتيجي بعيد المدى لاستثمار الثروة العربية لمصلحة الانسان الخليجي في المقام الأول. وعن قضية النزاعات, لا ينبغي في تصورنا ان تظل هناك نزاعات حدودية بين دول المجلس, ولابد من حلها نهائيا داخل المجلس. للأسف ايضا لجأنا في كثير من القضايا الى الخارج, وللدول العظمى لحماية بترولنا اثناء حرب الخليج الاولى, ومن استعادة الكويت في حرب الخليج الثانية. كل ذلك يبعث على ضرورة العمل على دعم الجامعة العربية بعد ان اكتشفنا جميعا اهمية ان نبقى في اطار جامعة الدول لان داخل هذا الاطار وفي ظل وجود دول كبيرة يمكنها احتواء المشاكل اكبر من مجرد حساسيات الجوار وعلى سبيل المثال الدور المصري في حل مشكلة سوريا مع تركيا, ودورها في مشكلة جزيرة حنيش. والمعنى المستنتج انه لابد من وجود كل الدول العربية في اطار واحد لحل النزاعات. اللهجة العربية القضية الثالثة التي اود التنويه لها هي العمالة غير العربية. كنت في زيارة مؤخرا لدولتين خليجيتين, شعرت خلالها بالخوف نتيجة غياب اللهجة العربية, اسير في الشارع فلا اسمع اللهجة العربية, وفي الفندق لا أسمع اللهجة العربية, بينما نحن في صميم بلاد العرب وفي مثل هذه المناسبة.. مناسبة المراجعة والتقييم ينبغي ان تراجع الاحصائيات.. ونسأل انفسنا والسؤال مشروع عن امكانيات الامة وكيف استثمرناها؟ ولماذا ليس لهذه الامة اي تأثير على الوزن الدولي.. وعفوا للحضور ولمن يقرأ هذا الكلام.. انا لا أود ان أتكلم كسفير في جامعة الدول العربية.. بل كمواطن حريص على الوطن.. والأسئلة مشروعة من باب الحرص على الأرض والانسان. تجربة وحدوية هيثم الكيلاني: في مداخلتي الأولى اذكر بعض النقاط اولها ان تأسيس مجلس التعاون الخليجي تجربة وحدوية, وان كان ثمة رؤية اخرى تقول انها تجربة ارادت ان تنفصل عن جامعة الدول العربية بشكل من الاشكال, وتعطي لنفسها صفة متميزة, جغرافية محددة.. خاصة وان النظام الاساسي لمجلس التعاون الخليجي هو نظام مغلق اي محدد بالدول الست التي أنشأته ولا يسمح لغيرها ان يدخل المجلس على عكس مجلس التعاون العربي الذي انتهى وحل, كان مفتوحا وعلى عكس الاتحاد المغاربي ايضا.. الملاحظة الثانية لا علاقة لها بالأولى وهي أن العمل المنبعث من مجلس التعاون الخليجي جزء من العمل العربي المشترك, باعتبار ان المجلس الخليجي جزء من النظام العربي, المتمثل في جامعة الدول العربية.. الملاحظة الثالثة انه يجب النظر الى الظروف التي نشأ فيها مجلس التعاون الخليجي, قام المجلس في العام 1981 والسؤال لماذا لم ينشأ قبل ذلك التاريخ او لماذا لم ينشأ بعده؟ ثمة أسباب وظروف معينة استدعت انشاءه في ذلك الوقت, بعدها تطور وعالج مشكلات اخرى.. الملاحظة الرابعة هي ان هناك اسباب خاصة وراء استمرار مجلس التعاون الخليجي في نشاطه وحيويته, في الوقت الذي تجمد العمل العربي المشترك بصورة عامة, وانحل مجلس التعاون العربي, وتوقف عن العمل الاتحاد المغاربي, ولا يوجد سوى هذه النقطة المضيئة من حيث الاستمرار, وبغض النظر عن قيمة الانجاز الفعلي لمجلس التعاون.. وهو التنظيم الفرعي الوحيد الذي يجمع قمته في موعد محدد كل عام, وليست هذه هي حال القمة العربية ولا القمة المغاربية كتنظيم فرعي مماثل والنقطة الخامسة تتعلق بموقف جامعة الدول العربية من مجلس التعاون.. كان موقفها مؤيداً من حيث المبدأ للتنظيمات الفرعية تفسيرا لاحدى مواد الميثاق التي تقول بتقوية الروابط ما بين دولتين او أكثر.. اما بالنسبة لموقف دول بلدان المجلس من التطبيع والاختلاف ما بين دولة واخرى.. اقول ربما هناك نوع من المواقف والقرارات لا يريد مجلس التعاون ان يتخذها فيتركها لمجلس جامعة الدول العربية, وفي الاطار العربي ذهبت دول للتطبيع ودول توقفت وأخرى عارضت, وهذا يعني ان مجلس التعاون لا يريد ان يأخذ مواقف من جميع القضايا التي تعرض في مجلس جامعة الدول العربية, وبالفعل لم يذكر مجلس التعاون انه يتخذ (الموقف الفلاني) تجاه (البند الفلاني) من جدول اعمال مجلس جامعة الدول العربية, وانما دخل اليها ولايزال كأعضاء.. كدول فرادى, لكل دولة موقفها او مصلحتها مثل بقية الدول العربية, وهذه نقطة هامة تسجل لمجلس التعاون كتجمع فرعي لم يتخذ من نفسه صفة تجعله تركيبة جماعية داخل الجامعة العربية. ظروف النشأة (الملف) : ننتقل الان الى الجانب الامني مع اللواء الدكتور احمد عبدالحليم ورؤيته للملابسات والدوافع العامة وراء نشأة المجلس والعقبات الداخلية او الخارجية التي تحول دون اكتمال صيغة امنية خليجية مستقلة. د. احمد عبدالحليم: اشير اولا الى النقاط التالية: لماذا انشيء المجلس وكيف تطور.. وما هو الاطار السياسي في ذلك الوقت..؟ وهناك ثلاثة اعتبارات ذكرت, سأعقب عليها, وصولا الى ما اذا كانت دلالة على ايجابية المجلس ام لا.. مدى التجانس. هل هو موجود ام لا؟ وبأي قدر, وكيف يؤثر على العمل الاجمالي له؟ الاستمرار هل هو دلالة ايجابية ام سلبية؟ ثم لماذا لم تتضمن الوثيقة الأولى للمجلس كلمة الامن كما ذكر د. هيثم الكيلاني؟ لقد أنشيء المجلس في اعقاب قيام الحرب بين العراق وايران, اي انه في جوهره امني, رغم ان كلمة الامن لم تذكر في النظام الاساسي له.. اذن كيف كان امنيا؟ هذا الأمر له ما يبرره.. حينما بدأ العراق حربه ضد ايران, كانت بدايات احساس دول الخليج بالخطر, وأن العراق الذي كان يعتبر من وجهة نظرها بوابة او حارسا على البوابة الشرقية للعالم العربي بدأ يتحرك تحركات غير محسوبة, صحيح أنها كانت في اتجاه ايران, لكن دول الخليج استشعرت في مرحلة تالية (لبدء الحرب) انها قد تكون هدفا للتحركات العراقية, وهذا بالفعل ما حدث في اغسطس 1991.. اذن لماذا لم تذكر كلمة الامن في النظام الاساسي؟ لان المجلس لم يكن يستطيع وضعها في ظل وجود العراق بوضعه السياسي والاستراتيجي في بداية الحرب وطوال فترتها.. ومن هنا كانت محاولة ايجاد نوع من التنسيق لمواجهة الخطر اذا ما جد الجد! ولو نظرنا للاطار السياسي عندئذ سنجد ازمات جامعة الدول العربية سواء بفعل الموقف المصري داخل الجامعة, والخلاف بين الدول العربية نتيجة للموقف المصري, الذي كان احد المواقف الحاكمة للحركة العربية, بدءا من اتفاقية كامب ديفيد في 1979, والتي تسببت في تفكك الاطار العربي بشكل واضح, وربما كان من ضمن الاهداف لدى القائمين على انشاء المجلس رغبة في احداث نوع من التجمع يمكن ان يحفظ مصالح دول الخليج, طالما ان جامعة الدول بها حالة من التفكك الشديد, بالاضافة الى الهدف الامني تجاه العراق.. ومعذرة للانتقال سريعا من نقطة الى اخرى دون الترتيب الزمني وصولا الى الاهم.. بعد حرب الخليج الثانية حدث متغير جديد هو اعلان دمشق, ورغم انه يبدو منفصلا الا انه كان في محور التفكير الاستراتيجي والتفكير السياسي لدول المجلس في اعقاب عملية تحرير الكويت.. وكانت قضية اعلان دمشق هي الحاضر الغائب في كل اللقاءات عندئذ.. ولكن القضايا الامنية خرجت عن الاطار الطبيعي الذي يجب ان تدور فيه.. على سبيل المثال.. يبدأ مفهوم الامن العربي بسلسلة من التفاعلات اولها المستوى المحلي لكل دولة, ثم التجمع لكل منطقة اقليمية, ثم التجمع في اطار جامعة الدول العربية, اي الامن العربي الذي يشمل كل الدول العربية وقد يدخل بعداً دولياً, ولكن بعد استكمال هذه الحلقات.. والذي تم في اعقاب حرب الخليج الثانية. ان البعد الدولي دخل مباشرة وألغى مجموعة من (الاعتبارات الطبيعية) السابقة عليه.. بالنسبة لمدى التجانس بين دول المجلس, ففي تقديري انه من الناحية السياسية اطار ظاهري, اشار اليه د. هيثم الكيلاني بان مجرد استمراره شيء ايجابي, والحقيقة في رأيي ان استمرار المجلس بوضعه الحالي انه اطار سياسي ظاهري يجمع الدول الست. على المستوى الاقتصادي فاعتقد ان المسألة ليست زيادة التجارة بنسبة مئوية معينة بين دول المجلس او ما بين دول المجلس والدول العربية الاخرى.. هناك قضايا اقتصادية متعددة وعلى درجة كبيرة من الاهمية. .. ما اريد قوله ان الاطار الظاهري لا يكفي, لان الغرض والقصد من المجلس ان يؤدي وظائف سياسية اقتصادية عسكرية امنية, وان يتم في اطار نوع من التفاهم حتى يمكن مقابلة التهديدات.. ولنلاحظ بسرعة انه فيما يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي نجد ان التهديد غير متفق عليه, والتجميع الاستراتيجي للقوة المطلوبة لحماية أمن الخليج غير متفق عليه.. اساليب النقل الاستراتيجي, لا توجد خطة لها.. نود فحص كل هذه النقاط قبل اجتماع القمة الثامنة عشرة. فنكون ساهمنا الى حد ما في استشراف المستقبل.. ايران ام العراق؟ الملف: بالنسبة لتحليل د. احمد عبدالحليم ان المجلس نشأ بالاساس لمواجهة الخطر العراقي كيف نتصور ذلك مع العلم انه كان الخطر الايراني على السطح في ذلك الوقت, ما بعد الثورة الايرانية بقليل 1979, ثم الحديث عن تصدير الثورة, ثم الحرب العراقية الايرانية؟ د. احمد عبدالحليم: اولا النظر الى ايران باعتبارها تهديدا مختلف عليه بين دول الخليج, البعض يراها كذلك, والبعض الاخر لا يرى في ايران تهديدا للخليج, والبعض الثالث يرى امكانية حل القضايا الأمنية مع ايران سلميا. هذا الاختلاف في الرؤية موجود الآن, كما كان موجودا عند نشأة المجلس, وما أؤكد عليه انه كان هناك خوف في الضمير الخليجي نتيجة ظهور نوع آخر من التهديد لم يكن متوقعا, وهو التهديد العراقي.. ولا يعني ذلك انني اغفل ايران, ولكني ارصد المتغير الجديد الذي ظهر, وقد تحدث كثيرون من ابناء الخليج عن هذا المعنى من قبل.. وبالنسبة لايران كانت فيها الثورة الخمينية وانهيار النظام السياسي القديم, وانهيار القوات المسلحة الايرانية واحالة كل ضباط الجيش الايراني للتقاعد, وكان الحديث عن ايقاف وصول قطع الغيار والصيانة اللازمة للمعدات العسكرية الايرانية.. اي ان الخطر الايراني في ذلك الوقت كان يشهد تراجعا, وموقفها التهديدي بالنسبة للدول المجاورة في ادنى صوره من الناحية العسكرية, لكن المتغير الذي حدث وادى الى انشاء المجلس هو اقدام العراق على الحرب مع ايران دون التشاور مع حلفاء الخليج, الذين ساندوها فيما بعد وكان المتوقع ان تتحدث العراق مع دول الخليج قبل الاقدام على الحرب.. من هنا نشأ الاحساس بالخطر تجاه العراق.. ولا اعرف لماذا فوجئوا فيما بعد 1990 بالهجوم العراقي على الكويت, او لماذا لم يتوقعوا شيئا من هذا القبيل, رغم التنامي المبكر للشعور بالخطر ورغم توقعهم ان العراق ستمارس ضغوطا بمجرد انتهاء الحرب مع ايران.. منظور مؤسسي ام تاريخي؟ د. محمد السيد سعيد: لو قيمنا مجلس التعاون الخليجي من منظور مؤسسي يمكن ان ننتهي الى نتيجة معينة, تكاد تكون معروفة, ولكن لو قيمناه من منظور اخر مكمل لما طرحه الزملاء هو المنظور التاريخي يمكن ان نصل الى نتيجة اخرى.. والمنظور التاريخي لا يعنى بالوظائف المعلن عنها او جانب النوايا المفصح عنها, وانما يعنى اكثر بالوظيفة الضمنية والموضوعية والآثار غير المقصودة سلفا.. وفي هذا السياق يمكن ان نقدم عدداً من المعطيات. المعطى الاساسي والذي يشترك فيه المنظور التاريخي مع المنظور المؤسسي هي الجدلية والصيرورة الخاصة بالعلاقة بين القطرية (بناء الدولة) ومستوى التنسيق الاقليمي والوضع العربي العام.. او ما يمكن تسميته جدلية العلاقة بين بناء الدولة والوحدة.. المنظور المؤسسي يعلن الوحدة غاية منذ البداية ويحاكم المنظمات الاقليمية انطلاقا من هذه الغاية اي الوحدة, والمنظور التاريخي يحاول تفهم الصورة موضوعيا.. ويرصد العملية التاريخية التي تتكون على اساسها مواقف الدول وتطورات الاحداث وانماط التفاعل في مستوى اقليمي معين.. وربما تكون هذه نقطة الخلاف الاولى بين المنظورين.. فالمنظور المؤسسي يتوقع اساسا اقتراب سلوك المنظمات الاقليمية الفرعية من نموذج الوحدة, بينما من الملاحظ تاريخيا انه في المرحلة الاولى الجنينية لقيام الدولة تظهر فرصة اكبر للتنسيق والتعاون وربما الوحدة ــ مثلما حدث في نمط الوحدة المصرية السورية 1958. وفي المراحل التالية لبناء الدول تتضاءل هذه الفرصة.. والنتيجة الاساسية عندما نقارن العمليتين الموضوعيتين الخاصتين ببناء التجمعات الاقليمية وبناء الدول, نجد غلبة واضحة لبناء الدول بالمقارنة بالبناء الاقليمي وبناء النظام العربي ككل والمتجسد في جامعة الدول العربية. واذا اخذنا تقويم مجلس التعاون الخليجي من هذه الزاوية ـ زاوية العلاقة الجدلية سنجد مجموعة من الملاحظات مثل اسبقية اجندة بناء الدولة القطرية عمليا, بينما يصبح بناء النظام الاقليمي لازمة موضوعية من وجهة النظر الاستراتيجية, وبدرجة اقل من وجهة النظر الاقتصادية, بهذا المعنى نلمح التناقض المتبلور نسبيا بين الاجندة الموضوعية من ناحية ومركز الثقل في العملية التاريخية من ناحية اخرى, وهو بناء الدولة برموزها واستكمال شرعيتها الخاصة وبناؤها البيروقراطي والوظيفي, وربما ايضا في تركيب بنائها الأمني.. في المقابل نجد الاستجابة الى الحاجة للوحدة او الى مزيد من التنسيق والتعاون الاوثق في المجال الاستراتيجي والمجال الاقتصادي وتكوين كتلة سياسية تمليها الاعتبارات الخاصة بالحياة في نظام دولي مضطرب ووضع اقليمي غاية في الاضطراب والتوتر.. نجد هذه الاستجابة تتم وفقا لخدمة عملية بناء الدولة وليس العكس, وبالجرعات والمستويات المطلوبة حسب ظروف هذه العملية.. من هنا يمكن القول انه بغض النظر عما اذا كان مجلس التعاون نشأ في مواجهة الاخطار المترتبة على الثورة الايرانية بفارق زمني متأخر نسبيا لا يزيد عن العامين او في مواجهة الحرب العراقية الايرانية والرغبة في التميز عن كل من العراق وايران, او في مواجهة انفجار الحرب الايرانية العراقية في حد ذاتها, فان المجلس على المستوى الاقليمي يطرح من زاويته الخاصة, اي وفقا لمصالح الدول الست, ووفقا لمتطلبات النظام العالمي وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية قضية جوهرية, يمكن تسميتها ملء فراغ القوة في هذه المنطقة.. (فكرة الاستراسكو) ومسألة فراغ القوة كانت قضية استراتيجية مثارة عالميا بعد انسحاب القوات البريطانية وبالتأكيد انها كانت مثارة على مستوى الخليج وان بدرجة اقل وبالتأكيد ايضا كان هناك نوع من توافق المصالح بين التصور الدولي للحاجة الى هندسة المنطقة بما يكفل قدرات دفاعية لدول الخليج بالتنسيق مع ما يمكن تسميته (بضمانات الدول الكبرى) وبين مصالح دول الخليج ذاتها في ملء فراغ القوة.. والذي كان يبدو مشروعا مستحيلا في ذلك الوقت, من وجهة نظر التوازن الاستراتيجي.. حتى بين المجموع الحسابي بين الجيوش الخليجية من ناحية والمصادر المحتملة للتهديد مثل ايران والعراق.. وما عمله مجلس التعاون الخليجي في الحقيقة امر مهم.. فعملية البناء الاقليمي والخاصة بمواجهة التهديدات الخارجية والداخلية اقتضت وضع المبادئ الاساسية الحاكمة بالاقليم وعلاقاته, وبالنسبة لمجلس التعاون الخليجي كانت الوظيفة الجوهرية مشابهة الى حد كبير لما نسميه في العلاقات الدولية (وفاق اوروبا) الذي نشأ بعد الثورة الفرنسية والحملات النابليونية في اوروبا.. وهو فكرة (الاستراسكو) او حماية وصيانة الوضع القائم, اي عدم الاطاحة او تصفية اي دولة من الدول القائمة في ذلك الوقت.. بهذا المعنى لم يطرح مجلس التعاون الخليجي في الحقيقة, ولم يكن من الممكن ان يطرح, صيغة امنية مستقلة, انما طرح صيغة سياسية, من خلالها قام على ادارة العملية اليومية الخاصة بصيانة امن الخليج ودول الخليج بصورة عامة, انطلاقا من مبدأ عام هو صيانة الامر الواقع وصيانة (السيادات) كما تكونت تاريخيا بسبب انسحاب الاستعمار البريطاني. في هذا الاطار نفسه نلاحظ انه كلما زادت التهديدات ترابطت دول المجلس وتماسكت بصورة اكبر. الملاحظة الثانية تتعلق بضمانات الامن الامريكية.. فمن الواضح لو درسنا بعمق التطورات طوال التسعينات ابتداء من حرب الخليج الثانية سنلاحظ ان الضمانات الامريكية قامت بدور اساسي في صيانة امن الخليج بالتأكيد, لكن وجود الضمانات الامريكية وهي ليست متعلقة بجميع دول المجلس, وليست مشروطة بالاتحاد معا, بل بالعكس هي نفسها تحتمل التناقض الداخلي ــ من زاوية ان كل دولة خليجية على حدة يمكن ان نشعر بان لديها مظلة امنية خارجية منفردة, وبالتالي تصبح حاجة الدولة الموضوعية لتوليد قوة ذاتية من داخل المجلس اقل كثيرا. جانب آخر من الصورة اجدني مختلفا فيه مع ضرورة محاكمة او تقويم مجلس التعاون الخليجي انطلاقا من انه ما دام تجمعا اقليميا فرعيا فهو خطوة وسيطة نحو الوحدة.. هذا منظور نمطي.. لو وسعناه قليلا سنقول: من القبيلة الى النظام العالمي.. وهناك خطوات في المنتصف.. في الحقيقة انه ثبت عدم صحة ذلك في نظرية التكامل والاندماج الاقليمي عامة وثبت ان الدول تتجمع معا لكي تعبر عن شخصيتها المستقلة نسبيا, ليس فقط في مواجهة النظام العالمي وانما ايضا في مواجهة النظام العربي.. وهذا كان يتم موضوعيا حتى قبل قيام المجلس واستمر بدرجة أعلى بعد قيامه.. ومن زاوية معينة يمكن القول ان هذا هو الوجه الاساسي للمجلس في حقيقة الامر على الصعيد السياسي خاصة.. اي اذا كان المجلس يطرح نفسه بغض النظر عن النوايا وعن الخطاب المعلن باعتباره نظاما سياسيا اقليميا, او مبادئ لنظام سياسي اقليمي قائم على صيانة الامر الواقع, فانه يعبر عن نفسه من خلال صيغة التعامل الموحد ولو بدرجة معينة حيال النظام العربي وحيال العرب الآخرين.. وهذا في حد ذاته لا يحمل معنى انقساميا, وانما يعني ان مجموعة دول الخليج تستطيع التفاوض بصوت موحد مع بقية اطراف النظام العربي, وخاصة القوى المركزية فيه.. ونستطيع القول ان ما بقى قويا في مجلس التعاون الخليجي هو قدرته على توحيد كلمة دول الخليج تجاه القوى الاقليمية الاخرى. النمو الذاتي جانب ثالث من الصورة هو ما كان مطلوباً اقتصاديا سواء وفقا للاتفاقية الاقتصادية الموحدة او مجموعة القرارات الصادرة عن مجلس وزراء المالية او مجلس وزراء الخارجية هو عملية تاريخية للتحول من الاقتصاد السريع القائم على النفط الى اقتصاد متوازن قادر على النمو الذاتي, باعتبار ان الجميع يدركون اضمحلال دور النفط مع الزمن.. الحقيقة ان ابرز تطورات التسعينات هو انهيار سوق النفط وتحوله من سوق بائعين الى سوق مشترين, وهنا تنحسر اصول القوة النفطية وتبعد من المنتج الى المستهلك وبالتالي ترتب كثيرا من التناقضات الخاصة بعملية التحول الى اقتصاد متوازن او متنوع. وعندما نتحدث عن مجمل التطورات الداخلية والاقليمية حاليا سنجد ابرزها افول النفط وافول التهديدات المباشرة في الخليج.. وهي بالطبع قائمة على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى, ومجرد الاختلال الخطير في موازين القوى والموازين السكانية وغيرها من الموازين يؤكد انه ماتزال هناك ثلاث قوى في الاقليم ــ اذا تجاهلنا مؤقتا ما يسمى بالضمانات الامنية الامريكية. انحسار النفط نلاحظ ايضا درجة معينة من الادماج, لان احد جوانب عملية بناء الدولة هو بناء نخبة الدولة من كل فئات المجتمع.. في هذا الاطار تحدث عملية ادماج نسبية للنخبة.. والاساس الريعي لايزال قويا في الدولة الخليجية, ولكنه ينكمش بالتدريج مسببا اضطرابا شديدا في (تحويل) الدولة العصرية. وهنا نلاحظ ان الدولة العصرية تقوم على فكرة الضريبة, مثلما تقوم على فكرة التجنيد الاجباري للمواطنين في سن معينة, والضريبة هي المنفذ الاساسي لحل المشكلات المالية او الازمات المالية للدولة الخليجية المعاصرة, نتيجة انحسار عامل النفط, ولكن هناك عجز متزايد عن اتخاذ مثل هذا القرار بحكم المعارضة. (الملف) : بترول بحر قزوين يمثل منافسا قويا في المستقبل القريب.... د. احمد عبدالحليم: ومازال هناك اكتشافات اخرى متوقعة, في بحر الشمال, وفنزويلا تطور آبارها ودول امريكا الجنوبية بدأ فيها تنقيب واسع, اود القول ان هناك احتمالات قوية للتأثير على أهمية البترول العربي بتقليل نسبته عما كانت عليه في الماضي, من خلال مصادر اخرى للبترول, او تطوير لمصادر طاقة جديدة, سواء نووية او طاقة شمسية او غيره.. هنا سيتأثر الاطار الامني الذي يغذي اطمئنان دول الخليج, او على الاقل لن يكون بنفس الجدية التي هو عليها اليوم.. هذا امر يجب ان يؤخذ في الحسبان. وانا من الناس الذين تفهموا الاوضاع عند عقد الاتفاقات مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن في أعقاب التحرير مباشرة وقد قلت (للكويتيين) في بلدهم وقتئذ (لكم الحق في ان تستشعروا الامن كما تشاؤون ولكن عليكم ان تعلموا ان المستوى الدولي هو الخط رقم (3) الموازي لخطوط اخرى يجب ان تتخذ.. الخط الاول هو تطوير قوتكم انتم. سواء كدولة الكويت او في اطار دول مجلس التعاون الخليجي, والخط الثان هو وضع الامر في اطار القوة العربية في وضعها الحالي, مع تطويرها في ظروف افضل. بعد ذلك يأتي الاطار الدولي الذي لا يعترض عليه احد.. لكنكم الغيتم دائرتين من دوائر الامن وانتقلتم مباشرة الى الدائرة الثالثة حيث الاحساس بالامن فيها على المدى الطويل احساس ظاهري! بناء الدولة د. احمد يوسف: السؤال عن آثار حرب الخليج الثانية على مجلس التعاون الخليجي مهم للغاية, خاصة وانه جاء بعد مداخلات المشاركين في الندوة, وسأضع نقاطا للاجابة عليه, وبعضها يثير قضايا عميقة وبعضها يثير قضايا مباشرة.. واشير الى اربع نقاط: النقطة الاولى تتصل بالتحليل المهم الذي قدمه د. محمد السيد سعيد حول قضية بناء الدولة.. وأضعها فقط كعنوان.. ما هو اثر حرب الخليج على عملية بناء الدولة؟ هناك بالطبع بعض المؤشرات الايجابية. رغم كل السلبيات المتصورة لحرب الخليج.. اذ انها يمكن ان تكون عاملا ايجابيا في قضية بناء الدولة, بمعنى ان الاخفاق الواضح الذي حدث للدولة الوطنية الخليجية في مواجهة الغزو العراقي بغض النظر عن ان هذا الاخفاق متوقع ومبرر بسبب ميزان القوى منذ البداية ــ أدى الى نوع من أنواع الصحوة للقوى السياسية والحوار الحقيقي بينها وبين النظام, ومحاولة الاقتراب اكثر من نمط الدولة الوطنية بمؤسسات تمثيلية وتشريعية ومساءلات ومحاسبات, وكلنا تابعنا ونتابع الكويت وما يحدث داخلها على المستوى السياسي. ولاحظنا ايضا انتشار ظاهرة المجالس التمثيلية, واتساع فكرة الانتخاب, ومن ليس لديه انتخابات يشكل مجالس للشورى, اقصد انه ربما يكون لدينا مؤشرات على أنه ثمة اثر ايجابي لحرب الخليج في هذا المستوى, بغض النظر عن تقديرنا لدرجته بالضبط, وقد يدفع الى التفاؤل في المستقبل.. النقطة الثانية تتصل ايضا ببعض مما طرحه د. محمد السيد سعيد وهو ان حرب الخليج زادت الى حين من الاعتماد على الحماية الخارجية.. من خلال توكيل الولايات المتحدة ــ ولو مؤقتا ــ بالتصدي لما يمكن تسميته بين قوسين (عودة التهديد العراقي) هذه النقطة اتفق فيها تماما مع د. محمد السيد سعيد في انها قللت ــ ولو الى حين ـ من الحاجة الى بناء اقليمي.. لانني اذا كنت غير قادر على توفير الأمن بمفردي ولست قادرا على توفيره من خلال البناء الاقليمي الصغير (مجلس التعاون الخليجي) وهناك مصدر خارجي لتوفير الامن, فان احتياجي لتوثيق العلاقات مع باقي الدول الاعضاء في الاقليم سوف يقل ولو على المدى القصير.. حرب الخليج اذن افضت الى صيغة امنية مشوهة حتى الان, واتفق في ذلك مع د. احمد عبدالحليم, لان ما تقوم به الولايات المتحدة الامريكية ــ تحديدا ــ فيما يتعلق بمعادلة الأمن هو التصدي لاي خطر عراقي محتمل على الدول اعضاء المجلس, لكنها بالتأكيد لا تفضي من خلال دورها الى صيغة امنية حقيقية في منطقة الخليج.. النقطة الثالثة وهي تتعلق بقلة الاحتياج الى بناء اقليمي انه لوحظ ــ فيما يتعلق بقضية امن الخليج وبصفة اخص الموقف من العراق ــ حدوث تباين واضح في مناهج الدول اعضاء المجلس.. اعلان دمشق النقطة الرابعة ان حرب الخليج ايضا ــ وللأسف ــ من منظور المعنيين بالنظام العربي, اكدت استمرار فشل الصيغة العربية لامن الخليج, لأن اعلان دمشق الذي صيغ لكي يكون بديلا عربيا لامن الخليج حدث له ما حدث من التطورات, وقد أوضح نقطة وردت في تحليل د. محمد السيد سعيد وهي أنه عندما نقول بتقييم مجلس التعاون الخليجي ونسأل هل هو خطوة الى تحقيق الوحدة العربية او خصم من العمل العربي المشترك ام لا؟ فهذه قضية مطروحة من وجهة نظر المعنيين بوجود بناء اقليمي عربي كامل, ولا يعني بالضرورة مصادرة على منطق الآخرين. القاعدة والاساس (الملف) : يبدو ان للدكتور هيثم الكيلاني مداخلة فيما يتعلق بالآثار المترتبة على حرب الخليج الثانية تجاه مجلس التعاون.. د. هيثم الكيلاني: في الحقيقة هي أكثر من مداخلة, حيث اربط حرب الخليج الثانية بحرب الخليج الأولى, واعود للسبب الرئيسي في تأسيس مجلس التعاون الخليجي, وان حرب الخليج الاولى كانت القاعدة والأساس الذي ادى لقيام المجلس وليس كما قال د. احمد عبدالحليم بأنه بداية الشعور بالخطر تجاه العراق.. وان الحرب في ذاتها هي السبب دون النظر الى احد طرفيها او كليهما, وهي دفعت دول الخليج الى الشعور بأن مصالحها في خطر. وبالنسبة لإعلان دمشق الصادر في العام 1991 فقد نص على بنود كانت الى حد ما مطمئنة وتنقل الأمن الخليجي من مظلته الأجنبية الى نوع من المظلة العربية, ولكن لم يمض على الاعلان سوى شهور حتى تغيرت معالمه نصاً وعملاً, والسبب ان الادارة الامريكية رفضت ان تتخلى قط عن وجودها العسكري وقيادتها له في الخليج لأسباب متعددة, ولم ترد ان تسلم الأمن الخليجي الى دولتين عربيتين ورد ذكرهما في الاعلان هما مصر وسوريا, مع العلم ان الامكانيات المتوفرة لدى الدولتين قد لا تراها دول الخليج كافية لان تحل محل الوجود العسكري الأجنبي كماً ونوعاً. امن مستقل ام جماعي؟ وثمة تساؤل اطرحه للنقاش.. هل هناك امن خليجي مستقل عن الامن القومي العربي بمفهومه الشامل, مع اعتبار ان الأمن القومي العربي غائب الآن بكامل مفهومه ومؤسساته وأجهزته؟ ومع ان ذلك لا يعني غياب الأصل (عطالة الفرع) , اي لا يعني غياب الأمن القومي العربي ان يتعطل مفهوم الأمن الخليجي.. وأسأل: هل هناك أمن مستقل عن الأمن العربي؟ الوجود العسكري الاجنبي الحالي الى زوال, سواء بطلب من الدول الخليجية او بزوال عوامل التهديد, وكلها تسير في سبيل الزوال, الصراع العربي الاسرائيلي يستمر في تسوياته, العراق محاصر وكلنا نعلم حالته, ايران تتوجه الى حلول تعاونية وسلمية أكثر من ذي قبل. أي أن المخاطر تخمد وتتراجع.. فإلى متى سيبقى الوجود العسكري الأجنبي, وما هي الحلول التي يجب ان نبتدعها في المستقبل القريب؟ صياغات توازنية د. محمد السيد سعيد: لدي مداخلة في هذا الاطار.. وأتفق كثيرا في ان الدور السياسي للولايات المتحدة الامريكية منذ نهاية حرب الخليج يتجه في الحقيقة الى خلق مزيد من التشرذم ولدي خلاف بسيط فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة في الحيلولة دون قيام او نهوض اعلان دمشق.. فالاعلان الرسمي الامريكي لا يوحي باتجاه معارض لاعلان دمشق, والواضح أن أمريكا أيدته فور توقيعه رسميا, اضافة الى أن أمريكا في حالة تكرار أزمات او نشوء أزمات مشابهة للغزو العراقي للكويت هي في حاجة ماسة لدور مصري وسوري.. ولا أصادر بالطبع على فكرة ان الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون من وراء ستار ليست متحمسة لقيام مؤسسة اسمها (اعلان دمشق) .. ولكنها في الوقت نفسه لا تود تدمير هذا الاعلان أيضا.. والحقيقة أن المعارضة الأساسية لإعلان دمشق جاءت من ايران.. والفلسفة الايرانية فيه واضحة منذ البداية.. اي رفض الأدوار الخارجية سواء عربية او غير عربية في معادلات الأمن المتعلقة بمنطقة الخليج. المعارضة الايرانية بهذا المعنى عندما كانت معارضة ايران قوية للغاية في أعقاب حرب تحرير الكويت, كان من الطبيعي ان تكون هناك محاولة لإعطاء وزن أكبر لايران, وبالتالي التجميد الفعلي لإعلان دمشق, وتغيير نصوصه بما يفيد الحيلولة دون نشر قوات عربية غير خليجية على نحو دائم في المنطقة او على نحو مستقر فيها ــ وهذا دلالته ــ عندما نقرؤها علميا بشكل موضوعي بغض النظر عن النوايا. ان المجلس اولا لا يستهدف انشاء نظام اقليمي للأمن بالمعنى المفهوم للكلمة.. أي بأكثر من التعبير السياسي.. بكلمات اخرى أن المبادئ السياسية العامة واضحة ولكن فيما يتصل بإنشاء مؤسسة أو هيئة أمنية أو غير أمنية لصيانة أمن الخليج فهو لا يبغي الوصول الى هذا المستوى.. وهذا معناه بالارتباط ايضا مع عدم تبلور الجيش الموحد ان المجلس يفضل ادارة التهديدات الأمنية او ادارة الوضع الأمني يوما بيوم, عن الصيغة الدائمة والمستقرة, باستثناء الضمانات والاتفاقيات الدفاعية الأمريكية او مع غيرها من القوى الكبرى.. الدلالة الأخرى والتي تؤكد ما قلته في البداية ان صيغة الادارة اليومية هذه قائمة على ادارة التوازن.. القمة والمتغيرات د. احمد عبدالحليم: سأشير الى مجموعة من رؤوس الموضوعات, واذا اردتم التفصيل في اي منها فأنا مستعد ــ هناك ثلاث متغيرات رئيسية تصاحب عقد القمة الثامنة عشرة المقبلة.. المتغير الاول: انها القمة الأولى التي تنعقد في ظل متغيرات جديدة على السياسة الامريكية في الشرق الأوسط, منها ما هو تجاه ايران, ومنها ما هو تجاه العراق, والتغير النسبي فيما يسمى سياسة الاحتواء المزدوج.. المتغير الثاني: نشوء احلاف جديدة في المنطقة وضرورة التحسب لهذا في المستوى الاقليمي الفرعي في المستقبل القريب.. المتغير الثالث: حدوث اختراق جديد يسهل من الاستجابة لعملية السلام, (اتفاق واي بلانتيشن).. في ضوء هذه المتغيرات اطرح سؤالا ولن اجيب عليه وهو سؤال د. هيثم الكيلاني ولكن بصيغة اخرى, فقد سأل هل يمكن ان