ضرورة حتمية وتاريخية: بقلم ــ د. وابل بن علي الوابل

لاشك أن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية كان ضرورة تمليها مصالح شعوب ودول المجلس المرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً على امتداد التاريخ وللمسات المشتركة التي تجمع بين أبناء الخليج الذين صهرهم التاريخ المشترك والأهداف المشتركة ورابطة الدين واللغة الواحدة والحاضر بكل تحدياته والمستقبل بكل طموحاته وتطلعاته في بوتقة واحدة صنع الشخصية الخليجية ذات الخصوصية المتميزة. ولهذا فإن إنشاء مجلس التعاون الخليجي كان بمثابة الرابطة التي تنتظم العقد الخليجي والبيت الذي يجسد الوحدة الخليجية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً واستجابة ايجابية للواقع الخليجي والانطلاق نحو الغد والمستقبل البعيد وضرورة حتمية وتاريخية تمليها المصالح والأهداف والتحديات والطموحات المشتركة. ولا يخفي أن الحاجة إلى تلك الرابطة الحميمة ــ مجلس التعاون ــ تصبح ذات أهمية قصوى ومتعاظمة خاصة في ظل اتجاه العالم نحو الانفتاح على بعضه وإسقاط الكثير من الحواجز والنظم التي كانت تكرس المفهوم القطري والذاتية الواضحة لكل دولة بمعنى التوجه نحو العولمة الاقتصادية والتجارية وسيادة مبادئ الحرية والتنافس في التجارة والاستثمار والخدمات وإزالة سياج الخصوصية الذي كانت تضعه الدول لصيانة أسواقها واقتصادياتها. وتلك تحديات ومخاطر صعبة تكون المواجهة معها أشد ضراوة وقساوة لو واجهتها دول مجلس التعاون الست فرادى ولكن المواجهة المشتركة والجماعية تكون أكثر قدرة وجدوى وقوة ناهيك عن الحاجة الماسة للتنسيق السياسي الدائم والمتواصل وتوحيد المواقف في مواجهة عالم مضطرب ومصالح متضاربة ومنافسة قد لا تكون عادلة بين دول صناعية قوية ودول نامية مستضعفة. طموح المواطنين هذا حول الفلسفة والضرورة الحتمية لإنشاء مجلس التعاون ولكن إذا ما حاولنا النظر إلى ما حققه المجلس طوال تجربته التي لا تتجاوز 17 عاماً فلاشك أننا سنجد العديد من الإنجازات في مختلف الميادين لصالح تكريس الروابط المشتركة والمصالح الواحدة غير أن البعض يرى أن المجلس رغم إنجازاته العديدة لم تكن عند مستوى طموح المواطن الخليجي وتطلعاته طوال عقدين هما عمر المجلس. وإذا كنت أميل شخصياً إلى هذا الرأي إلا أنني أوقن بأن عقدين من الزمن وإن كانت قد تكون كبيرة في حياة الشخص إلا أنها ليست كذلك بالنسبة للشعوب ولكن ما يحملنا على الشعور بالثقة أن المجلس وضع المركبة على الطريق لتنطلق نحو المستقبل بعد أن أسس الطريق ومهده ممثلاً في الكثير من النظم والقوانين والسياسات الموحدة والعمل المشترك في مختلف ميادين العمل السياسي والاقتصادي والتعليمي والصحي والعسكري والأمني... الخ. ولاشك أن الفترة الزمنية اللازمة للبدء والانطلاق تحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد للإعداد والتهيئة, لكن الذي أتمناه هو أن نكون فعلاً قد تهيئنا لانطلاقة قوية نحو التكامل والتعاون. كما أحب أن أشير إلى أن تجربة الوحدة الأوروبية لم تتحقق في فترة زمنية قصيرة بل استمرت لفترة من الزمن ولهذا فلا يجب أن ننزعج كخليجيين لأننا لم نتوصل إلى ما نريد ونطمح من تجربتنا الخليجية الموحدة. ومن المهم أن نتأنى في اتخاذ قراراتنا الوحدوية وأن نتجنب سياسة القفز على المراحل واستعجال الأمور. ولا نستطيع أن ننكر ما تحقق من خطوات هامة على طريق الوحدة الخليجية في كافة الميادين التي يعرفها ويدركها الكثيرون من أبناء دول المجلس ويجدون ثمارها في حياتهم اليومية. ولكني أفضل الحديث عن طموحات المستقبل وهي في تقديري أن نرى بلداننا مترابطة ومتماسكة تشكل كياناً موحداً في مواجهة مختلف التحديات وأتطلع لذلك اليوم الذي يستطيع فيه المواطن الخليجي أن ينتقل بين دول المجلس ويعمل ويتاجر ويقيم بحرية كما يفعل في بلده. تكتل اقتصادي كما أتطلع إلى اكتمال خطوات الاتحاد الجمركي وقيام السوق الخليجية المشتركة التي ستحقق الكثير لأبناء دول المجلس وكيانهم كقوة اقتصادية موحدة في التعاون الداخلي مع بعضهم البعض والتعامل كقوة وتكتل واحد مع التكتلات العالمية والعالم الخارجي وتتحول دول المجلس لطاقة صناعية وتصديرية تزيد من قوة اقتصادها ورخاء مواطنيها. وعلينا أن نعمل بكل قوة من أجل زيادة الاعتماد على موارد أخرى بدلاً من الاعتماد الأساسي على ثروة النفط الناضبة والتي تواجه الكثير من العقبات وتحديات الدول الكبرى... لابد من رسم استراتيجية واضحة وجدية قابلة للتطبيق من أجل مستقبل لا تهدده العواصف. وأتطلع كذلك إلى ربط دول المجلس بشبكة متطورة من الطرق البرية تجعل انتقال المواطن سهلاً فيما بينها وتسهم في دفع التبادل التجاري والترابط شعوباً وأرضاً. وبصفتي أكاديمي خليجي في قسم المحاسبة ورئيس الجمعية السعودية للمحاسبة فإنني أتطلع إلى تطوير مهنة المحاسبة والعمل المحاسبي في دولنا بصورة عصرية تتواكب مع حجم التطور الذي تعيشه المهنة في الدول المتقدمة الآن كما أتطلع إلى تعاون أكبر بين أقسام وهيئات المحاسبة في الجامعات والدول الخليجية وكذلك أتطلع إلى اكتمال إنشاء الهيئة الخليجية للمحاسبة واضطلاعها بدور فاعل في تدعيم وتنظيم العمل المهني الخليجي المشترك وتوحيد النظم والقوانين التي تحكم الأداء المحاسبي في دولنا مع اعتماد معايير محاسبية موحدة وقواعد مشتركة لاختبارات الزمالة والرقابة الميدانية. أستاذ المحاسبة/ قسم المحاسبة/ جامعة الملك سعود ورئيس الجمعية السعودية للمحاسبة

طباعة Email