مرة اخرى ستشهد مدينة ابوظبي عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة انعقاد دورة سنوية جديدة لقمة زعماء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية , وهي القمة التاسعة عشرة وكانت القمة الاولى التي شهدت اعلان قيام المجلس قد عقدت في أبوظبي عام 1981م كما شهدت ابوظبي كذلك انعقاد دورات اخرى لاجتماعات قمم المجلس ومجلسه الوزاري والاجتماعات المتخصصة الاخرى في مجالات التعاون المشترك المختلفة التي عقدها الوزراء وغيرهم من كبار المسؤولين المعنيين من دول المجلس. ومن الجدير بالذكر, ان اعلان قيام مجلس التعاون منذ 19 عاما في قمة أبوظبي الاولى, امر يؤكد على صحة التوجه الوحدوي نحو التضامن والمصير المشترك بين الشعب العربي ــ المسلم بدول المجلس الست, كما حققت الامارات العربية المتحدة عام 1971م وحدة امارات ساحل عثمان السبع في دولة قوية واحدة متجانسة الاوضاع والهموم والتاريخ والمستقبل الواعد المشترك بين كياناتها ومواطنيها وعمق اصلهم وتراثهم العريق الذي يجب ان نحافظ عليه ونقدره جميعا بحكم اواصر العلاقات الوثيقة التي تجمع بيننا كأهل دار وماض وحاضر ومستقبل واحد في كل الاحوال وفي السراء والضراء. ان انعقاد قمة زعماء دول مجلس التعاون الـ 19 في أبوظبي في مثل هذه الظروف والاوضاع السياسية والاقتصادية الاقليمية والعربية والاسلامية والدولية الراهنة بكل ما تحمله من صعوبات وتعقيدات ومخاطر تمس واقع حياتنا اليومية ومصالحنا الوطنية والقومية والدينية, لأمر يتطلب منا جميعا التحلي بالموضوعية وبالنظر لواقع الامور المحيطة بنا من كل حدب وصوب على اساس اعلاء شأننا الوطني والقومي فوق كل اعتبار, وان نعمل بكل جد وحماس للحفاظ على مكتسباتنا ومواردنا الوطنية وابعادها عن اي استغلال او ضياع, وان تكون نظرتنا لمعالجة الامور القائمة من حولنا متسمة بالنظرة الثاقبة لمعالجة القصور في علاقاتنا العربية ــ العربية اينما وجدت, وبالارتقاء بأحوالنا من الخلاف للاتفاق الذي يحمي لكل ذي حق حقه, ويوحد دون تفريق بيننا بالتزام كل منا شعبا وحكومات, افرادا وجماعات ومجتمعات, بقواعد الاحترام المتبادل وتبادل المصالح المشتركة وحقوق السيادة والثروة الوطنية واعلاء شأن علاقات الاخوة والمصير الواحد من اي تدخلات مصلحية اجنبية تفرق ولا تسد, وان نتمسك بمبدأ لا ضرر ولا ضرار بين الأخ واخيه كشعب ودول المجلس الذي نتأمل منه بعد وصوله مرحلة النضج وتحمل المسؤولية بمرور 19 عاما من وجوده ان يكون ذلك المجلس للتعاون الصادق بين بلدانه وشعبها كأخوة بحق وحقيق. علينا التخلي عن كل ما يفرق قياسا بما يمكن ان تحققه لنا مشاعر الاخوة الصادقة, والتعاون المتبادل, وفتح الحدود بحرية للتنقل والتجارة والسياحة والاستثمار المجزي من خيرات تعم فائدتها الجميع كما ينبغي ان يكون. ان القمة الـ 19 في أبوظبي نود منها ان تشكل نقلة نوعية محسوبة الفوائد نحو الافضل لشعبنا وبلداننا الشقيقة الستة, ان تخطو بأكثر مما خطته القمم الـ 18 السابقة طوال 19 عاما من تاريخ وجود المجلس ليحقق الاهداف النبيلة التي اوجد من اجلها في الاصل, فمجلس التعاون شهد مسيرة مناسبة من تاريخه حقق بعض الانجازات غير الكافية, وعله ان يستكمل تحقيق ما هو مطلوب منه من انجازات فعلية محسوسة يرغب كل مواطني دوله منه ان يحققها على ارض الواقع خصوصا ونحن نعيش هذه الاوضاع السياسية والاقتصادية الحرجة غير المسبوقة في تاريخنا الحديث والتي تنذر بجرنا لأتون براكين وفيضانات المتغيرات وصراع المصالح الخارجية المحيطة بنا في وضع حال العالم المتغير من حولنا. ان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة ورائد وحدة دولتها المعاصرة ورئيس قمة أبوظبي الحالية, كما ترأس سموه ــ حفظه الله ــ من قبل قمم المجلس المتعاقبة التي عقدت في بلاده, يمتلك القدرة الكبيرة بحكم خبراته الطويلة في الشأن الخليجي والعربي, ومن التعامل مع اجتماعات المجلس ودوله المختلفة ونتائجها, لان يدعو اخوانه اصحاب الجلالة والسمو زعماء دول المجلس للخروج بنتائج مرضية قابلة للتطبيق من قمتهم الحالية لما فيه مصلحة بلدانهم وشعوبهم وامتهم العربية والاسلامية والأمن والسلام العالميين. ان دعوات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان المتكررة طوال السنوات الاخيرة المطالبة بانعقاد قمة عربية شاملة لمناقشة الاوضاع العربية المتردية الراهنة سيكون من المناسب دعمها صراحة من قمة أبوظبي الحالية, كما ان دعوة سموه واخوانه زعماء دول المجلس لضرورة تفعيل دول المجلس وامانته العامة ومؤسساته لخدمة شعبه ودوله بكفاءة ومساواة دون اي ابطاء او تعطيل غير مبررين, وحل المشاكل الشكلية العالقة بين دول المجلس دون تأخير لهي كلها آمال عراض نود ان تأخذ طريقها المستنير للتحقق اليوم قبل الغد ليعرف الجميع هنا وهناك ان لمجلس التعاون فوائده, وانه ليس مجرد شكل دون مضمون جوهري وان لاجتماعاته مردوداتها الايجابية لمصلحة المواطن الخليجي ومعيشته وكيانه, في عالم يعيش عصر الباب المفتوح وثورة المعلومات والقرية الكونية الواحدة وقوة التكتلات السياسية والاقتصادية العملاقة التي تنفي وتلغي منافسيها واعدائها من اجل تحقيق اهدافها ومصالحها دون غيرها. اننا كمواطنين اوفياء, من الكويت الى عمان, نود من قمة أبوظبي ان تكرس مفهوم التعاون والتكامل والحفاظ على المصالح الاساسية لبلداننا وشعبنا الواحد في كل دولنا الست الاعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية, بحق وحقيق ونأمل باصدار المزيد من التصريحات والبيانات التي لم يثبت تطبيق ما اعلن مما اتفق عليه بشأنها الا النذر القليل الذي لا يفني ولا يسمن من جوع, اننا نريد من مثل هذه القمة الحفاظ على مصالح بلداننا وشعبنا السياسية والاقتصادية والحياتية عموماً, نريدها ان تطبق اتفاقياتها العسكرية والامنية بشكل موحد, وان توظف استثماراتها ورؤوس اموال دولها ومؤسساتها العامة والخاصة ورجال اعمالها في بلدان دول المجلس الخصبة, والواعدة والآمنة من كل النواحي الاستثمارية والاقتصادية لا بتهجيرها للخارج دون فائدة او جدوى, ان قمة ابوظبي وما سيليها من قمم زعماء دول المجلس عليها ان تلبي حاجات المواطن الخليجي وان تعمق فيه مشاعر المواطنية العربية والروحية الاسلامية الحقة دون اذى او حقد او كراهية غير لازمة ومرفوضة. ان مجلس التعاون تكون للحفاظ على امن وسلامة دول المجلس وشعبها, وتجاوزنا خلال المرحلة المنصرمة من وجوده حربين مؤسفتين هما الحرب العراقية ــ الايرانية وحرب احتلال العراق للكويت, المعروفتين بحربي الخليج الاولى والثانية, ان مخلفات هذين الحربين ما زالت تلقي بظلالها القاتمة على حياة واوضاع شعبنا ودولنا ومحيطنا الاقليمي والعربي, وعلاقاتنا الخارجية, ــ كما ان علاقات دول المجلس او بعضها مع دول الجوار (العراق ــ ايران ــ اليمن) لا يزال يسودها حال من التوتر والشك والريبة لاسباب وعوامل متباينة, ناجمة عن مخلفات حربي الخليج السابق ذكرهما او عن احتلال ايران للجزر العربية ـ الاماراتية الثلاث ابو موسى والطنب الكبرى والصغرى. ولقد اصبح من المناسب للغاية ان تقول قمم مجلس التعاون اننا لن نسمح لاحد ان يضربنا او يؤثر على مستقبل اجيالنا ووحدة اراضينا وسيادتنا الكاملة على كل مواردنا الوطنية, وبعمق صحة مشاعرنا العربية وبتقديرنا واعتزازنا الكامل بانتمائنا القومي والاسلامي, وسعينا المتواصل للحفاظ على الامن والسلم الاقليمي والقومي والعالمي حسب امكانياتنا المتاحة ودورنا القابل للتأثير في مجمل هذه الامور والاحوال والاوضاع والظروف التي نعيش ونتعايش معها السائدة من حولنا, ان مجلس التعاون ينجح في مساعيه اذا تجاوب مواطنو دول المجلس مع مثل تلك المساعي, وحسوا انها تخدم مصالحهم وتطلعاتهم بشكل محسوس وعملي لا العكس, انه لمن الصالح العام لدول المجلس وشعبها الواحد ان تكون قرارات قمم المجلس واجتماعات مجالسه الوزارية قابلة للتعليق وتلبي الاجتماعات الاساسية للمواطنين دون تضارب او منافسة غير شريفة في اقامة المشروعات التجارية والصناعية الكبرى, كما ان ابناء دول المجلس ككل يريدون المزيد من المشاركة الشعبية في عملية صنع القرارات في مجتمعهم اعتماداً على مبدأ الكفاءة وان يكون الكل سواسية امام القانون وللكل نفس الحقوق والواجبات سواء بسواء تماما, ان نجاح مجلس التعاون وبقاءه مرهون بالفائدة المرجوة من انجازاته, وبالاحترام والتقدير المتبادل بين دوله ومجتمعاتها وبحل الخلافات بينها, وبتطوير وسائل التعاون الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري والامني فيما بينها لما فيه المصلحة المشتركة لكل مواطنيها. اننا نتمنى لقمة ابوظبي الـ 19 التوفيق والنجاح في ظل التوجيهات السديدة لاصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس وحرصهم الصادق على مصالح مواطنيهم ومستقبل بلدانهم وامتهم العربية والاسلامية والامن والسلم العالمي, اننا نأمل من قمة أبوظبي التي يتزامن انعقادها واحتفالات سلطنة عمان بالعيد الوطني الثامن والعشرين في اواخر شهر نوفمبر 98م الماضي, واحتفالات دولة الامارات العربية المتحدة بالعيد الوطني السابع والعشرين في اوائل شهر ديسمبر 1998م, ان تكون قمة تكرس مفهوم العمل للوحدة والاتحاد, ولأن تكون قمة خليجية ــ عربية تجمع وتوحد بلداننا وشعبنا, ولا تفرق بينها ان تكون قمة لحماية المصالح الوطنية والعربية والاسلامية, قمة للخير والعطاء وللتعاون المثمر الذي يسعد ويفرح به الجميع من المحيط الى الخليج, والله الموفق والهادي لسواء السبيل. كاتب عماني*