وهنت عزيمة الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان وضاع تفاؤله حتى قبل أن تطأ قدماه أرض ليبيا عندما أعلنت أجهزة الاعلام الحكومية الليبية صراحة انه حيث أن القذافي ليس رئيسا للدولة ولا رئيسا للوزراء ولا حتى وزيرا فانه بذلك ليس مخولا بالتفاوض مع عنان بشأن تسليم المواطنين الليبيين المشتبه في تورطهما في عملية تفجير طائرة بان أمريكان فوق لوكربي الاسكتلندية في عام 1988. وفد غادر عنان ليبيا بدون أن يتمكن من تحقيق انفراج في الازمة - اللهم إلا حصوله فيما يبدو على بعض التطمينات. وقال دبلوماسي غربي في مجال التعليق على محاولة القذافي التهوين من شأن سلطاته المطلقة في ليبيا (إن الزعيم الليبي يرغب في إبعاد نفسه عن خط النار) . وهناك نظريتان حول محاولة القذافي تجنب لقاء عنان حتى آخر لحظة ومحاولاته إلقاء تبعة أي قرار على المنظمات الشعبية التي يقول إنها صاحبة الامر والنهي في ليبيا. وتقول إحدى هاتين النظريتين أنه لا يريد أن ينسب إليه قرار تسليم اثنين من مواطنيه إلى (الاستعمار الغربي) كما يسميه دائما في حين تقول النظرية الاخرى أن القذافي يريد (إجماعا شعبيا) على رفض تسليم الاثنين لكي يبرر هذا الرفض بعد أن وافق مجلس الامن على الشروط التي طالما طالب بها بمحاكمة في (بلد محايد) . وقد لا يكون القذافي قد توقع أن توافق أمريكا وبريطانيا على طلبه أبدا, والواضح على أية حال هو أن مواجهة الاحتمال الفعلي بتسليم المشتبه في قيامهما بالعملية التي أودت بحياة 270 شخصا إلى محكمة اسكتلندية في لاهاي بهولندا قد سبب صراعا للقذافي لم يكن قد فكر فيه قبلا. فسوف يخلق تسليم هذين المشتبهين سابقة في (الجماهيرية العظمى) التي تعهدت بعدم تسليم أي من مواطنيها إلى دولة أخرى. وفي نفس الوقت فان نظام القذافي لا يمكنه - وفقا لتحليل المعهد الالماني للشؤون الشرقية بهامبورج - تجاهل الحقائق الاجتماعية السائدة في المجتمع الليبي مثل نفوذ القبائل والاسر المعروفة. كما يشكل التوازن الدقيق والمرهف بين القبائل في ليبيا عنصرا آخر لا بد من أخذه في الاعتبار. ومن الواضح طبقا لهذه المفاهيم أن قرار تسليم اثنين من أبناء القبائل سيكون له صداه وعواقبه وفقا للمفاهيم السياسية الداخلية. ويشير خبراء ليبيون إلى أن القذافي يسعى إلى تسوية تحفظ ماء الوجه يتفادى من خلالها الانطباع الذي يمكن أن يتولد لدى الكثيرين من انه (انحنى) أمام ضغوط عدوته اللدودة الولايات المتحدة. وهناك سيناريو محتمل وهو أن يتخذ (مؤتمر الشعب العام) الذي يعد بمثابة البرلمان في ليبيا قرارا في اجتماعه اليوم الثلاثاء بتسليم المواطنين الليبيين. وبهذه الطريقة يكون القرار غير المرغوب فيه قد اتخذ باجماع واسع. أما في حالة الرفض فيمكن للقذافي ادعاء تأييد شعبي واسع في المواجهة مع مجلس الامن التي قد تستتبع فرض عقوبات دولية تنفذ إلى النخاع هذه المرة, بما في ذلك حظر على صادرات البترول. ولا يشك أكثر الدبلوماسيين العرب في القاهرة وزملاءهم الغربيين في طرابلس للحظة في أن القذافي راغب في حل مشكلة لوكربي وبالتالي التخلص من عقوبات الامم المتحدة. وذكر دبلوماسي غربي في طرابلس طلب عدم الكشف عن اسمه أن (الهدف الاساسي للدولة (ليبيا) هو التخلص من العقوبات - وما عدا ذلك يعتبر من الامور الثانوية) . ولهذا الهدف أسباب اقتصادية في الاساس حيث أدى انخفاض أسعار النفط إلى خفض دخل البلاد بحوالي الثلث حتى وصل إلى 6.4 مليارات دولار. وإضافة إلى ذلك فانه يتعين على ليبيا تجديد الشباب في مفاصل صناعتها البترولية وتجديد حيويتها إذا ما أرادت لها أن تبقى قوية في حلبة السوق العالمية الضارية. ومن المعروف إن العقوبات التي فرضت في عام 1992 تحظر على ليبيا استيراد مكونات معينة لمصافي النفط ووسائل نقله, وهو أمر لا يترك لليبيا أي خيار سوى الحصول على ما تحتاج إليه بأسعار السوق السوداء. ولما كانت الاصول الخارجية لليبيا قد جمدت أيضا بمقتضى هذه العقوبات فان ليبيا أصبحت في وضع مالي غير مضمون, وهو ما فرض عليها أن تدفع مقدما ثمن أي شيء تستورده. وكانت ليبيا قد أعلنت في ديسمبر 1996 أن الضرر المالي الناجم عن العقوبات المفروضة عليها قد وصل إلى 19 مليار دولار كما ذكرت أيضا أن 16,000 مواطن ليبي قد توفوا نتيجة الحظر الجوي الذي حال بينهم وبين تلقي العلاج في الخارج في الوقت المناسب. وربما كان من دوافع القذافي لحل أزمة لوكربي غياب التضامن العربي, وهو ما انتقدته حكومة طرابلس بشدة. فقد كانت ليبيا تأمل في أعقاب إعلانها في أغسطس الماضي عن نيتها تسليم المشتبه فيهما أن يضم العالم العربي صفوفه على الفور سعيا وراء كسر وتحطيم العقوبات المفروضة عليها إلا انه بدلا من ذلك فقد رفضت الجامعة العربية مثل هذه الخطوة. إلا أن القذافي قد برز في المقابل باعتباره (بطل أفريقيا) , خاصة بعد قرار منظمة الوحدة الافريقية الاخير بتحدي الحظر على السفر جوا إلى ليبيا. وقد اكتسب القذافي لنفسه بالفعل ألقابا أفريقية عدة مثل (منسق السلام في البحيرات العظمى) وهو يولي وجهه شطر الجنوب في سياسة ليبيا الخارجية.