قضية عربية: مصر وايران ضوء في آخر النفق

منذ قطع العلاقات بين مصر وايران بعد لجوء الشاه محمد رضا بهلوي إلى القاهرة عام 1979 مرت العلاقات بين القاهرة وطهران بفترة بيات شتوي طويلة, قبل ان تشهد خلال العامين الماضيين محاولات خافتة النبض لاصلاح ذات البين بين الدولتين الكبيرتين اللتين تتمتعان بثقل استراتيجي في المنطقة . غير ان هذه المحاولات اصطدمت في أغلب الأحيان بمناخ عدم الثقة السائد بين العاصمتين, وبصراع التيارات وتباين وجهات النظر حول التطبيع وتوقيته وحتى مداه. لكن شهر نوفمبر الماضي, كان فيما يبدو جسرا لنقل العلاقات من مرحلة البرود المزمنة إلى مرحلة أخرى تتخذ طابعا دافئا, وقد ظلت العلاقات المصرية الايرانية تمر فوق لجمة التطبيع التي شهدت عبر التاريخ تموجات مختلفة منذ قبل ثورة يوليو حين جمع النسب عائلة محمد علي في مصر بعائلة شاه ايران, وانتقلت مع ثورة يوليو إلى مرحلة التوتر, حيث كان الموقف المصري مناهضا للسياسة الأمريكية واسرائيل, بينما كانت ايران/ الشاه قاعدة لهما في المنطقة. ومن مرحلة الخمسينات والستينات إلى مرحلة السبعينات التي شهدت التغيير الجذري في التوجهات المصرية بالصلح مع اسرائيل وتعميق أكبر في العلاقات الأمريكية.. في مقابل انقلاب تام في ايران باتجاه اسرائيل وأمريكا بمجيء الثورة الايرانية .. هذا التناقض في التوجهات الأيديولوجية وصل إلى ذروته في الخلاف بين البلدين باستقبال السادات لشاه ايران لاجئا في وقت لفظه العالم وفي المقدمة أمريكا. ومر عقد الثمانينات دون تقدم في مسار العلاقات, وجاءت التسعينات لتلقي بكرة التحولات الدولية في مرمى المنطقة والذي شهد تتويجا بتحالفات اسرائيلية تركية وتبختر اسرائيل في المنطقة, الأمر الذي جعل الكل يستشعر بخطورة الوضع, وضرورة ان تخرج القاهرة وطهران من النفق المظلم الذي يحمل ارث الماضي أكثر من مقدرات الحاضر. رؤيتان في القاهرة وطهران نحو التطبيع بحضور الشاه والسادات القاهرة ــ مكتب (البيان) : خلال سبعة أيام حسوما قضاها في القاهرة, نجح وفد رؤساء تحرير الصحف الإيرانية في رسم ملامح صورة وردية للعلاقات المصرية الإيرانية التي تتعثر منذ سنوات بين مد وجذر لا ينتهيان. وشكلت اللقاءات المتعددة التي أجراها الوفد في القاهرة أحدث محاولة جدية للتمييز بين الخيطين الأبيض والأسود في مسيرة العلاقات بين البلدين, كما كشفت الزيارة عن حقيقة الخطوط الحمراء التي وضعها كل طرف لنفسه في الخطوات التي يقطعها تجاه الآخر. وأبرز ما أفرزته هذه الزيارة أيضا انها سلطت شعاع ضوء مهم على طبيعة الخلافات والتباين في وجهات النظر بين أجنحة الحكم في البلدين حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه رياح التطبيع الحالية, والشروط التي لا يقبل كل طرف التنازل عنها. ومنذ اليوم الأول لوصول الصحفيين الإيرانيين إلى القاهرة اكتسبت الزيارة صفة (رسمية) رغم ان الجهة الداعية هي مؤسسة الاهرام الصحفية وليست وزارة الخارجية أو أي من الهيئات الحكومية الأخرى, فقد حرص (المركز الصحفي) التابع لوزارة الاعلام على استقبال أعضاء الوفد في صالة كبار الزوار بمطار القاهرة, وخصصت وزارة الداخلية سيارة شرطة لحراسة سيارة الوفد في جميع تحركاته داخل وخارج العاصمة المصرية, كما كانت أولى لقاءات الوفد الإيراني مع وزير الخارجية المصري عمرو موسى في قاعة الاجتماعات الرسمية بوزارة الخارجية في اليوم التالي مباشرة لوصولهم. وعكست هذه الاجراءات الرسمية أجواء ايجابية على الزيارة, فمن جانبهم استشعر الإيرانيون حقيقة الاهتمام المصري بدعم العلاقات مع طهران, كما بدا الجانب المصري على وعي كامل بأهمية الحوار مع الصحافة الإيرانية والتي تعتبر صاحبة نفوذ واسع في مجتمع ايديولوجي إسلامي كايران, إلى جانب ما تعكسه تشكيلة الوفد من دلالات سياسية حيث يتمتع أعضاءه بعلاقات نافذة في التيارات المختلفة داخل إيران, ويعدون من الرموز السياسية لهذه الجماعات إلى جانب عملهم الصحفي. أربعة تيارات تركيبة الوفد عبرت عن أربعة تيارات سياسية مختلفة داخل إيران, التيار الأول يعبر عن رياح الاعتدال التي برزت في ايران مع انتخاب الرئيس محمد خاتمي وظهور تيار ( الخاتمية الجديدة) الذي يحظى بتأييد 20 مليون إيراني صوتوا لصالح الرئيس المعتدل في الاقتراع الرئاسي العام الماضي. ومثل هذا التيار في الوفد الصحفي عباس عبدي رئيس تحرير صحيفة (سلام) اليومية, ومحبوبة عباس قلي زادة رئيس تحرير مجلة فرزانة النسائية التي تشرف عليها معصومة ابتكار نائبة الرئيس الإيراني. وتمثل التيار الموالي لمرشد الثورة علي خامنئي في رئيس تحرير صحيفة كيهان العربية محمد مهدي روحاني, في حين عبر عن تيار التشدد المتعاطف مع الجماعات المحافظة ــ كتيار حزب الله وجماعة أنصار حزب الله وجمعية الحفاظ على قيم الثورة الإسلامية ــ أمير مجيان رئيس تحرير صحيفة (رسالت) اليومية, كما مثل الصحف المستقلة حميد زاهدي من صحيفة اطلاعات وكورش أسعدي ومحمود شالجي من المؤسسة القومية للنشر والدعاية. الخلافات بين هذه التيارات في تقييم العلاقات مع مصر عبرت عن نفسها خلال اللقاء مع وزير الخارجية عمرو موسى كما تجلت بصورة أكثر وضوحا في اللقاء مع نبيل عثمان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات. فممثلو التيارات المحافظة والمتشددة ما زالوا يفجرون أسئلة خلافية على مائدة الحوار, ويحاولون استدراج المسؤولين المصريين إلى الحديث عن كامب ديفيد واتفاقيات السلام, وبعضهم دخل في نقاش حاد مع الدكتور نبيل عثمان حول خطورة ما فعلته مصر بالتوقيع على اتفاقية كامب ديفيد, فيما دفعت هذه المواجهة نبيل عثمان إلى تذكير الوفد الإيراني بالدور الذي مارسه الشاه في دعم الوجود الاسرائيلي في المنطقة كما انطلق إلى موقع آخر من الهجوم المضاد حين انتقد إصرار إيران على الاحتفاظ باسم (خالد الإسلامبولي) ــ قاتل الرئيس السادات ــ على أحد الشوارع الكبرى في إيران. وربما لم يستطع المتشددون في الوفد الصحفي الإيراني استيعاب فكرة المقاطعة الشعبية المصرية لاسرائيل حتى حين حاول أحد محاوريهم من كبار الصحفيين في مؤسسة الأهرام اطلاعهم على حالة الرفض الجماهيري لكل ما هو اسرائيلي في مصر, كان رد المجموعة المتشددة في الوفد ان هذه مسألة وقت والمشكلة ان المسيرة الحالية جعلت من اسرائيل جزءا من المنطقة. نبيل عثمان من جانبه وضع هذه الأفكار في مأزق حين وجه سؤاله إلى أعضاء الوفد قائلا: (ما هو البديل لديكم؟!, هل تريدونها حربا؟!) . عند ذلك أعلن الإيرانيون رفضهم لفكرة الحرب حاليا لكنهم أشاروا إلى ان الفلسطينيين كان بامكانهم النضال على طريقة الأغلبية السوداء في جنوب افريقيا والحصول على نفس المكاسب التي فاز بها نيلسون مانديلا. وأجاب نبيل عثمان بأن الواقع مختلف وضرب مثالا بعدد المستوطنات الاسرائيلية الذي تزايد لأكثر من عشرة أضعاف منذ دعوة الفلسطينيين للمشاركة في المفاوضات عام ,1979 وبين هذا العدد حين قبل عرفات بالتوقيع على اتفاق اعلان المبادئ في أوسلو عام 1993. كان واضحا ان العلاقات المصرية الاسرائيلية تشكل نقطة جوهرية في رؤية الجماعات المتشددة الإيرانية لمصر, وكشف بعض أعضاء الوفد لـ (البيان) ان بعض علماء الدين في إيران يدعون لوحدة إسلامية ضد اسرائيل وليس لقبول اسرائيل في المنطقة. تيار الاعتدال الرؤية تختلف لدى ممثلي تيارات الاعتدال المشاركين في الوفد الصحفي, فيعتقدون ان العلاقات بين القاهرة وطهران قد شابتها عقبات كثيرة منها العلاقات المصرية مع اسرائيل والدعم المصري للعراق خلال حرب الخليج الأولى. ولكن كل هذه المشكلات يمكن القفز عليها وانشاء جسر راسخ من التعاون بين البلدين, وحسب تصور محبوبة عباس قلي زادة ــ رئيس تحرير صحيفة فرزاتة ــ والموالية لتيار الرئيس خاتمي, فإن كل هذه المشكلات من آثار الماضي وكل بلد له وجهة نظر في إدارة شؤونه الداخلية وان إيران إذا كان من حقها التعبير عن وجهة نظرها فإننا نحترم السيادة الداخلية للدول, ونطالب هذه الدول أن تحترم سيادتنا الداخلية أيضا. وعلى هذه الأرضية حسب رأي محبوبة فإن العلاقات بين مصر وإيران تشكل ضرورة هامة لمستقبل العالم الإسلامي لأن البلدين من كبريات الدول الإسلامية, ولا شك في ان تعاونهما يعود بأكبر النفع على الأمة بأسرها. الرؤية ذاتها يتبناها تيار الاعتدال في إيران, وكما يقول محمد مهدي روحاني رئيس تحرير صحيفة كيهان العربية فإن اختلاف وجهات النظر يمكن أن يحدث داخل البلد الواحد, وبين الدول العربية بعضها البعض وكذلك بين الدول الإسلامية, وكل هذا لا ينبغي أن يكون عقبة في دفع العلاقات بيننا. واعتبر روحاني ان السبب في هيمنة أجواء سلبية على العلاقات المصرية الإيرانية يرجع غالبا إلى عدم وجود معلومات صحيحة تتناقل بين البلدين واعتبر ان الحل في ذلك هو انشاء مكاتب للمراسلين الصحفيين من كل بلد في أراضي البلد الآخر وطالب الوفد الصحفي الإيراني مؤسسة الأهرام بأن تبادر بخطوة ايجابية في هذا الطريق حتى لا تكون المصادر الغربية هي المورد الوحيد للمعلومات فيما بين البلدين. الموقف المصري ورغم هذه التحفظات التي يبديها ممثلو التيارات المحافظة فإن أحدهم لا يعارض العلاقات مع مصر, بل على العكس من ذلك فقد طالبوا بأهمية تطوير هذه العلاقات على مختلف المستويات, غير ان بعضهم تحفظ على ما أسماه (رغبة مصر في تأجيل رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لحين تعميق العلاقات الاقتصادية والاجتماعية) . المسؤولون المصريون استغربوا هذه الرؤية وأشاروا إلى انه لا يمكن اختزال الموقف المصري في هذه الكلمات فقط, بل ان المفاجأة التي فجرها وزير الخارجية عمرو موسى هي ان القاهرة كانت تستعد للبدء في العلاقات بصورة طبيعية وان المشكلة التي عرقلت هذا التحرك كانت في طهران. ولم يكشف عمرو موسى خلال لقائه بالوفد الصحفي عن طبيعة هذه المشكلة غير ان مصادر مطلعة أبلغت (البيان) ان بعض رموز السلطة طالبوا بافتتاح مركزين ثقافيين متبادلين وتأجيل النظر في مسألة السفراء, وأضافت ان هذا الموقف أثار استياء الحكومة المصرية بصورة بالغة. ورغم هذه الاشارة التي أطلقها عمرو موسى فإن سلسلة اللقاءات التي عقدها الوفد الإيراني كشفت عن وجود وجهتي نظر مختلفتين في الإدارة المصرية, فهناك من يرى ضرورة استغلال فترة حكم الرئيس خاتمي الذي يعبر عن تيار الاعتدال الإيراني لتأمين صيغة مؤسسية للعلاقات, وينطلق هذا التيار من أرضية تعتمد على أهمية التعاون مع إيران باعتبارها دولة اقليمية كبرى وتشكل ركنا أساسيا في التوازن تجاه التحالف التركي الاسرائيلي وللحفاظ على أمن الخليج العربي الذي يمثل أولوية قصوى على أجندة السياسة المصرية. التيار الثاني داخل الإدارة المصرية لا يخفي قناعته بأهمية إيران خاصة في ضوء الرغبة التي تعبر عنها سوريا وبعض الدول في الخليج العربي عن أهمية العلاقات مع طهران, لكنه في الوقت نفسه لا يريد تجاهل خطورة احياء الأطروحات الثورية في إيران, ومخاوف تصدير هذه الأفكار خاصة ان هذا التيار يعتقد ان التطورات التي شهدتها الحركات الإسلامية في العالم العربي ترجع ــ في جانب منها ــ إلى تأثير أطروحات الثورة الإيرانية. وبين هذه التيارات المتباينة داخل إيران ومصر تتجلى حقيقة هامة وهي ان كلا البلدين قد قطع بالفعل خطوات واسعة تجاه الآخر, وان كان السياسيون والمسؤولون يطرحون العلاقات على مائدة البحث فإن القنوات الاقتصادية والتجارية والاعلامية والشعبية اتسعت بصورة كبيرة بحيث أصبح مدى الترابط أعمق من ان تصل إلىه عقبات السياسة, وصارت الصفقات التجارية وآفاق التعاون الثقافي والاعلامي هي القاطرة التي تجر ورائها عربات السياسيين, حتى ان عمرو موسى وزير الخارجية المصرية كان قد قرأ هذه الخريطة بدقة, ورصد هذه التطورات بالتفصيل قبل أن يؤكد للصحافة الإيرانية ان رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء وبدء العلاقات الطبيعية (أقرب مما يتصور المتشائمون) , وهذه هي الصورة التي حفرت لنفسها مكانا في أذهان الوفد الإيراني قبل أن يغادروا القاهرة. معصومة ابتكار نائبة الرئيس الايراني لـ (البيان) : دعم العلاقات مع مصر على رأس اهتماماتي القاهرة ــ مكتب (البيان) : الزيارة التي قامت بها نائبة الرئيس الايراني معصومة ابتكار إلى القاهرة قرأها المراقبون باعتبارها خطوة جديدة على طريق دفع العلاقات المصرية الايرانية. ورغم ان ابتكار حضرت إلى العاصمة المصرية للمشاركة في مؤتمر دولي حول (الاوزون) إلا انها اجتمعت بصورة ودية مع وزيرة البيئة المصرية الدكتورة نادية مكرم عبيد, كما التقت بالعديد من الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء في مسكن السفير الايراني بضاحية مصر الجديدة, وأطلقت العديد من الاشارات الايجابية على مسار التطبيع بين القاهرة وطهران. (البيان) حاورت نائبة الرئيس الإيراني خلال زيارتها للقاهرة حول العديد من قضايا العلاقات العربية الايرانية, وأبحرت معها على خريطة علاقات ايران الدولية والتحديات التي تواجهها الجمهورية الاسلامية ومشكلات الاعتدال والتشدد في النظام الايراني, وآفاق حل القضايا العالقة مثل مشكلة جزر الامارات المحتلة. قمتم بزيارة مصر للمشاركة في المؤتمر الدولي (للأوزون) , هل عقدتم اجتماعات خاصة مع مسؤولين مصريين على هامش تلك الزيارة؟ ــ لم يكن حضور المؤتمر هو الجانب الوحيد لهذه الزيارة لكن دعم علاقات البلدين كان على رأس دائرة اهتماماتي في القاهرة, وكما تعلم, فإن لدينا قنوات عديدة للعلاقات مع القاهرة في مجالات مختلفة منها التبادل التجاري والتعاون الصحي والبيئي والتعاون في مجال المرأة, والبلدان يحرصان على فتح المزيد من قنوات التعاون, ومصر وايران يتعاونان على مختلف الأصعدة الدولية, وقد تابع العالم التنسيق بيننا في احتواء الأزمة السورية التركية, كما ان هناك تنسيقا دائما وفعالا بين وفود البلدين في المؤتمرات الدولية وظهر ذلك في مؤتمر السكان في القاهرة, ومؤتمر المرأة في بكين ومؤتمر القمة الإسلامية في طهران. وبالنسبة لي فقد اجتمعت مع وزيرة البيئة في مصر الدكتورة نادية مكرم عبيد, وقبلت دعوتها للعشاء, وتحاورنا حول الكثير من مجالات التعاون بين البلدين في مجال البيئة. في تقديركم ما الذي يحول دون اقامة علاقات دبلوماسية رفيعة بين البلدين وتبادل السفراء بصورة طبيعية؟ ــ هناك خطوات عديدة قطعها كل منا نحو الآخر ومصر وايران أصبحتا على قناعة بأهمية التعاون بينهما بصورة طبيعية, ولا شك ان التطور الذي تشهده العلاقات بصورة منتظمة سوف يؤدي إلى تحقيق هذا الهدف, وقد علمت ان وفدا صحفيا ايرانيا زار القاهرة الأسبوع الماضي واستقبله المصريون بحفاوة, والأكيد ان هذه الخطوات تدعم العلاقات فيما بيننا على مختلف الأصعدة, وأريد التأكيد انه لا ينبغي النظر للعلاقات الاقتصادية والثقافية والاعلامية بأنها شيئ بسيط, فهي تعبر عن رغبات حقيقية في التعاون بين البلدين وتعمق الروابط بصورة واسعة بين الشعبين. كثيرا ما يعلن المسؤولون في ايران والعالم العربي ان التقارب الحالي بين الطرفين هو لمواجهة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية, من وجهة نظركم ما هي أهم هذه التحديات؟ ــ أعتقد ان التحدي الأول الذي يواجه الأمة الإسلامية هو قدرتها على تقديم نموذج عملي نابض بالحيوية عن الإسلام, والدول الإسلامية غنية بحضارتها وثقافتها وتعاليم دينها, وبالتالي قد لا ينقصها شيئا حتى تقدم هذا النموذج الفريد عن تعاليم الإسلام التي تحترم انسانية البشر وكرامة الإنسان ولا تغفل الجوانب الروحية وتحث على التقدم المادي. والمسلمون عليهم ان يوضحوا للعالم صورة الإسلام الحقيقية والتأكيد على ان المواطن المسلم شخص عملي ويتمتع بحقوق الإنسان ويساهم بفاعلية في مجتمعه. وتواجه الأمة الإسلامية تحديات أخرى داخلية تتعلق بالتنمية ومواجهة الفقر والأمية والمشكلات الصحية وتحقيق الرفاهية للمجتمعات المسلمة. بعض الاتجاهات في مصر تعتقد ان اشارات التقارب الايراني نحو مصر والعالم العربي يرتبط بوجود الرئيس خاتمي والتيار المعتدل في السلطة, وانه في حالة انتصار تيار التشدد فإن كل هذا سوف ينقلب رأسا على عقب؟ ــ اعتقد ان مسألة تعريف الاعتدال والتشدد صعبة جدا في أي مجتمع, ولا أميل بشكل عام إلى استخدام هذه المصطلحات. وفي ايران كان البرنامج الانتخابي للرئيس خاتمي يعتمد على دعم مؤسسات المجتمع المدني وحقوق المواطنين إلى جانب دعم علاقات ايران مع العالم العربي والعالم. وايران دولة ديمقراطية تتعدد فيها الأفكار والتيارات السياسية على مستوى القضايا الداخلية والخارجية, كما اننا دولة مؤسسات قوية يعمل الرئيس خاتمي على دعمها وتقويتها لتكون هناك سياسة متوازنة فيما يتعلق بالروابط مع العالم الإسلامي. ولكن أقصد ان لديكم جماعات ترفض العلاقات السياسية مع مصر وبعض الدول العربية؟ ــ كما أشرت فإن الدول الديمقراطية تضم جماعات وتيارات وآراء متعددة, ولا شك ان هناك جدلا حقيقيا حول الحفاظ على قيم الثورة الإسلامية في اطار خطى التحديث والانفتاح على العالم, ولكني على يقين بأن الرئيس خاتمي سيتمكن في النهاية من صياغة حالة عملية من التوازن. أسلحة الدمار الشامل التي تملكها اسرائيل ألا تفرض تحديا على كل من ايران ومصر يحثهما على دفع العلاقات بصورة أكبر ويجعل أصوات المعارضين في كلا البلدين تتراجع عن مهاجمة هذه التطورات؟ ــ لا شك ان أسلحة الدمار الشامل في المنطقة ينظر إليها بمكيالين خاصة من الجانب الأمريكي, وأكبر دليل على ذلك هو ما يجري الآن ضد الشعب العراقي, ورأى ان التعاون بين مصر وايران ضروري في مختلف المجالات غير انني لست متخصصة في مجالات التسلح, وقد انظر إلى مسألة أسلحة الدمار الشامل من وجهة نظر بيئية حيث يعد تصنيع هذه الأسلحة خطرا هائلا على البيئة وعلى صحة السكان وينبغي ان يكف العالم الغربي عن النظر بمكيالين لهذه القضية ويتجاهل اسرائيل فيما يفرط في عقاب العراق. أحدى القضايا الخلافية بين العرب وايران هي قضية جزر الامارات, كيف ترى ايران حل هذه القضية؟ ــ هذا الخلاف الجزئي لا يجب ان تكون قضية لتوتير العلاقات بين ايران والدول العربية وأعتقد اننا يجب ان نعزز علاقاتنا بصورة أكبر, ونحن نقيم علاقات طبيعية وجيدة مع دولة الامارات العربية المتحدة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وهذه الأزمة يمكن حلها في اطار العلاقات الثنائية بين البلدين, والتأكيد على الحل يأتي في تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين بصورة أكبر. إلى أي مدى يمكن ان تنجح رياح التقارب الأمريكي الايراني في اقامة علاقات طبيعية بين البلدين في ظل موقف المتشددين في ايران الرافض لهذا التقارب؟ ــ العلاقة بين الشعبين الايراني والأمريكي ايجابية جدا وقد ظهر هذا في تبادل الزيارات والوفود على المستوى الشعبي, أما بالنسبة للعلاقة بين الحكومات فإن الجمهورية الاسلامية الايرانية لا ترى حاجة أو ضرورة حالية لعودة العلاقات بين أمريكا وايران خاصة ان الطرف الأمريكي لم يثبت جديته في هذا الاطار, ونحن في ايران كدولة متحضرة ننفتح على العالم بأسره ولدينا علاقات جيدة مع مختلف الدول, ولا نرى ان ما تبديه واشنطن يعبر عن موقف ايجابي منها نحو بلادنا. ما هو تقديركم لأهمية استئناف العلاقات الايرانية الروسية في مجال تطوير البرنامج النووي الايراني؟ ــ ايران تعتبر ان نشاطاتها في الطاقة الذرية سلمية إما في مجالات تأمين الطاقة أو كبديل عن الطاقة التقليدية وليس لها استخدامات عسكرية, والتعاون مع أي بلد انما يجري في هذا الاطار. بعض الصحف الغربية تعطي صورا قاتمة عن أوضاع المرأة في ايران, وبصفتك أول امرأة في موقع نائبة الرئيس في الجمهورية الإسلامية كيف تقيمون أوضاع المرأة في بلادكم؟ ليس هناك حدود بالنسبة لتنمية النساء وباستطاعة المرأة الإيرانية ان تتقدم في كل المجالات وهذه تعاليم اسلامية خالصة, كما انها تمثل جزءا من أفكار الإمام الخوميني وبعد حوالي عقدين من انتصار الثورة الإسلامية حدثت تطورات هامة وبارزة للنساء في ايران, وأستطيع ان أقول بصراحة ان انتخاب المرأة كنائبة في البرلمان يعبر ان اتجاه حقيقي وليس مسألة استثنائية, كما ان اختيار المرأة في موقع نائبة الرئيس الايراني يعبر عن عقيدة ثابتة لدى النظام السياسي في نظرته إلى أهمية دور المرأة. وطبقا للاحصائيات الرسمية الايرانية فإن أكثر من 80% من الايرانيين متعلمون وحوالي 70% من النساء أصبحن متعلمات ونحن نقترب من مرحلة ازالة الأمية نهائيا في بلادنا, وأشير إلى ان هذه الاحصائيات تعود لعام 1995, وفي الوقت الراهن فإن 98% من البنات يدرسن مجانيا في المرحلة الابتدائية, وهناك نسبة كبيرة للمرأة على مستوى الجامعة والرئيس خاتمي قال انه يجب ان نطلق على هذه النسبة عام المرأة لأن 52% من الذين يلتحقون بالجامعات هذا العام كانوا من البنات, كما أن 25% من هيئات التدريس في الجامعة من النساء. وهناك الكثير من النساء المثقفات والمتعلمات دخلن إلى المجالات السياسية والاجتماعية والعلمية. وفي المجالات السياسية مثلا يوجد لدينا 14 نائبة في مجلس الشورى الاسلامي ينتمين إلى مختلف المحافظات وتوجد امرأتان في مجلس الوزراء أحداهما مساعدة رئيس الجمهورية والأخرى مستشارة للرئيس فيما يخص المرأة. وأغلبية الوزراء والمحافظين يتخذون مساعدين ومستشارين من النساء, الأمر الذي يؤكد على عمق دور المرأة في المؤسسات الإيرانية واعتقد ان هذا التطور يرد بوضوح على الدعاية التي يوجهها الإعلام الصهيوني ضدنا, وهذا لا ينطبق فقط على ايران ولكن نرى تطورا ملحوظا لوضع المرأة في كثير من الدول الاسلامية. ونحن لا نتبع النموذج الغربي للمرأة, ولكن نتبع التعاليم الإسلامية في هذه القضية والإسلام يسمح للمرأة بالتقدم والعمل والمشاركة وهي تحافظ على كرامتها في المجتمع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات