مذكرات عصمت عبدالمجبد، زمن الانكسار والانتصار،الحلقة الثامنةا:الدروس المستفادة

الغرب وعلى رأسه امريكا لم يكن راضيا عن سياسة مصر التحررية ولا زعامة عبد الناصر وشعبيته الكاسحة،دول عربية كثيرة عارضت دعوة القومية العربية التي سعت مصر الى تنفيذها، المواقف السياسية لبعض الاطراف العربية كانت قاصرة على ادراك المصالح العربية العليا - 3 - الدروس المستفادة وكما قلت في بداية حديثي عن تلك الايام الحالكة من عام ,1967 فإنني لست بصدد التأريخ لاحداث تلك الفترة أو تحليل أسبابها. ورغم أنني لم أكن قريباً من مراكز صنع القرار السياسي في مصر آنذاك, فإنني أجد لزاماً عليّ ألا أترك مناسبة الحديث عن هذه الاحداث, دون أن أعرض لعدد من المواقف والحقائق التي أرى انها تمخضت عنها, الاولى: أن الغرب, وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية, لم يكن راضياً عن سياسة مصر التحررية, ولا عن زعامة عبدالناصر وشعبيته الكاسحة في العالم العربي. وبالتالي فقد اتخذ قراراً نهائياً باسقاطه, وبضرب الدور المصري في مقتل. والحقيقة التي تبرز هنا, أن هذا الموقف الغربي هو تكرار وتأكيد لمواقف الغرب التاريخية برفض واحباط أي دور قيادي لمصر في العالم العربي والشرق الاوسط يتجاوز الحدود التي يقبل هو بها, ويفترض أن على مصر - من ناحيتها - أن تضع هذا الامر دائماً في اعتبارها وهي تخطط للقيام بهذا الدور. الثانية: أن دعوة القومية العربية, كما تبنتها مصر, ومفهوم الوحدة العربية بالصورة التي سعت مصر الى تنفيذها, قد اصطدمتا بمعارضة من جانب دول عربية كثيرة, الامر الذي حال دون نجاح هذه الدعوة وسيادة هذا المفهوم. والحقيقة التي تبرز هنا هي أن الوحدة العربية, على الرغم من كونها أملاً لشعوب الدول العربية جميعاً, إلا أنه حلم غائم, وأمل عسير المنال, ينبغي أن يكون الاقتراب منه والتعامل معه محاطاً بقدر كبير من الحرص والحكمة, وفي منأى عن الخلافات والعداوات والمهاترات واجواء الازمات, وان يكون تحقيقه قائماً على أساس من الرضى والتوافق والتجرد, ومراعاة المصالح القطرية والقومية على السواء. الثالثة: أن المواقف السياسية لبعض الاطراف العربية, تعجز أحياناً عن اجتناب المخاطر التي تحوط بهذه المواقف, وتقصر عن ادراك المصالح العليا للامة العربية في الآماد القصيرة والبعيدة, الامر الذي يؤدي في العديد من الاحيان الى التناقض في مواقف أبناء الاسرة العربية, والى ضياع الكثير من الفرص, في وقت هي اكثر ما تكون حاجة الى رؤية موحدة ورأي موحد. والحقيقة التي تبرز هنا هي أن الدول العربية ينبغي ان يجمع بينها دائماً قدر وافر - وليس مجرد الحد الادنى - من الوفاق وروح المصالحة, وأن تلتمس سبيلاً وسطاً ينأى بها عن التطرف والمزايدة, وأن تضع المصالح العربية العليا فوق الاعتبارات القطرية المحدودة, وأن تتخلى عن المواقف الآنية القصيرة النظر, وأن تسعى الى استشفاف رؤية قومية ثاقبة, تهتدي بها في طريقها عبر دروب المستقبل. الرابعة: أن بعض الحكومات تحجم احياناً عن مصارحة شعوبها ببعض حقائق المواقف المحيطة بها, على الرغم من أن هذه الحقائق ستجد طريقها الى شعوبها عبر قنوات اخرى بعد وقت, قصر أو طال. والحقيقة التي تبرز هنا, أن أي حكومة ينبغي أن تكون على صلة وثيقة بالشعب الذي أسلم لها مسؤولية الحكم, وأن لا تقيم حائلاً بينه وبين معرفة حقائق الامور, مهما يكن مذاقها مريراً, وأن تسارع هي باطلاعه عليها بأمانة كاملة, قبل أن يعرفها هو من مصادر اخرى قد تهول أو تهون, فالحكومة التي تعمد الى حجب بعض الحقائق عن شعبها - مهما تكن دوافعها - تفقد ثقته بها, وتفقد بالتالي اولى مبررات وجودها. - 2 - الفرص الضائعة بعد انعقاد قمة جلاسبورو بين الرئيس الامريكي ليندون جونسون ورئيس الوزراء السوفييتي اليكسي كوسيجين, توصل الجانبان الامريكي والسوفييتي الى اتفاق على تأييد تقديم مشروع لمجلس الامن يقوم على نقطتين رئيسيتين: الاولى: انهاء حالة الحرب بين العرب واسرائيل. الثانية: انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة. وبالفعل, قدمت مجموعة الدول اللاتينية في اغسطس 1967 مشروع قرار أصبح يعرف بـ (المشروع اللاتيني) , وإن يكن يحظى بتأييد كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, وكان هذا المشروع قائماً على أسس ثلاثة: الاول: انهاء حالة الحرب بين الدول العربية واسرائيل. الثاني: انسحاب اسرائيل من جميع الاراضي التي احتلتها في النزاع الاخير. الثالث: ضمان حرية الملاحة البحرية في الممرات المائية . ولقد كان هذا المشروع في واقع الامر ممتازاً من وجهة النظر العربية, فلم يكن يعكس ثقل الهزيمة التي حاقت بالدول العربية, كما أن ما نص عليه من إنهاء حالة الحرب لم يكن سوى التزام سلبي على عاتق الاطراف العرب, وهو أمر يختلف اختلافاً بيناً عن اشتراط قيام حالة سلام, يحمّل الدول العربية التزامات ايجابية, فإنهاء حالة الحرب لا يعني تلقائياً قيام حالة من السلام, ولا يفترض مع انهاء حالة الحرب فتح الحدود بين الدول الاطراف, ولا إقامة تمثيل دبلوماسي بينها, الى آخر الامور التي تميز حالة السلام بين الدول. وفي مقابل ذلك, فقد نص القرار على الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة بعبارة صريحة لا تحتمل التفسيرات والتأويلات التي حاول بها البعض في ما بعد تفسير قرار مجلس الامن رقم 242. وأهم من هذا كله أن المشروع كان يتميز بامكانية تنفيذه الفعلي, نظراً الى تمتعه بتأييد القوتين العظميين. في ذلك الوقت, كان الدكتور محمود فوزي مساعد رئيس الجمهورية, والسيد محمود رياض وزير الخارجية, في نيويورك يتابعان تطور المناقشات. واجتمعت المجموعة العربية في الامم المتحدة لمناقشة مشروع القرار اللاتيني. ورغم أن الرأي الغالب كان يميل الى الموافقة عليه, الا أن المزايدات التي قام بها بعض وزراء الخارجية, وبصفة خاصة وزير خارجية سوريا الدكتور ابراهيم ماخوس ووزير خارجية الجزائر عبدالعزيز بوتفليقة, أدت الى رفض مشروع القرار من جانب الدول العربية, ومن ثم ضاعت فرصة ثمينة اخرى تضاف الى ما ضاع من قبل. وعندما حاولنا المطالبة بشروط مماثلة للشروط التي تضمنها القرار اللاتيني في المناقشات والمداولات التي سبقت التوصل الى القرار 242 في نوفمبر ,1967 وجدنا أن ما كان معروضاً علينا بالامس أصبح بعيد المنال, وأن ما رفضناه أصبحنا نطالب به ولا نجاب اليه. وهكذا ضاعت من الدول العربية فرصة تحقيق انسحاب سلمي لاسرائيل من الاراضي العربية المحتلة في ذلك الوقت المبكر في مقابل انهاء حالة الحرب. وفي التاسع والعشرين من اغسطس ,1967 وبعد أيام من رفض المشروع اللاتيني, انعقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم. وفي هذا المؤتمر, وبرغم الهزيمة, استعاد الرئيس عبدالناصر زمام المبادأة, وقام بعرض للموقف العربي والدولي تميز بالعمق والموضوعية, كما أعلن بشجاعة تحمله مسؤولية الهزيمة. وطالب في هذا المؤتمر بأن يقوم العرب بتحرك سلمي سريع لاستعادة القـدس العربية بالوسائل المتاحة في الوقت الحاضر - آنذاك - بل ذهب الى أبعـد مـن ذلك بأن طلب في هذا الاجتماع أن يذهب الملك حسين الى الولايات المتحدة للتفاهم مع الامريكيـين والاتفاق معـهم عـلى استرجـاع الضفـة الغربيـة, لأننا - وفـقـاً لما رآه الرئيس عبدالناصر - إذا تأخرنا, فلن يمكننا استرجاع الضفة الغربية او القدس. ولقد كان للموقف الكريم للملك فيصل اثره في أن يرتفع المؤتمرون عن إثارة خلافات الماضي القريب وتبادل الاتهامات, وأن ينصب البحث على وسائل معالجة الموقف وبناء التضامن العربي. واذا كان مؤتمر الخرطوم قد حقق نتائج ايجابية مهمة, في مقدمها بعث روح المقاومة والتصدي ورفض الهزيمة في نفوس العرب, وتوجيه دعم مالي من دول البترول لدول المواجهة, إلا أنه من ناحية اخرى لم يستطع استيعاب الواقع الجديد الذي فرضته الهزيمة. فالمؤتمر, عندما كلف الملك فيصل والملك حسين بذل المساعي مع الولايات المتحدة, أصدر في الوقت ذاته (لاءاته) الثلاث الشهيرة: لا صلح, ولا مفاوضة ولا اعتراف. وهو موقف يمثل قيدا ً ثقيلاً على أي محاولة للحل السلمي, وبخاصة أن ميزان القوى كان يميل ضد العرب بشكل فادح. من هنا, ففي تقديري أن مؤتمر الخرطوم, رغم ايجابياته, ونجاحه في إعادة التماسك للموقف العربي, الا أن ما تحقق فيه لم يكن كافياً لكي يفرض العرب ارادتهم حرباً, كما قضت لاءاته الثلاث على أي امكان لتسوية المشكلة سلماً. ومما يثير الاسف حقاً ان مرور الزمن, ووضوح الابعاد الحقيقية للهزيمة, أديا الى العروض المقدمة الى الجانب العربي بصورة مستمرة. وفي السابع من نوفمبر ,1967 انتهت مهمتي في باريس, وعدت الى القاهرة لأبدأ مرحلة جديدة في حياتي. وبعدها بأيام قليلة, في الثاني والعشرين من نوفمبر, صدر قرار مجلس الامن رقم ,242 لتبدأ مرحلة جديدة في حياة مشكلة الشرق الاوسط. ليندون جونسون

طباعة Email
تعليقات

تعليقات