الحريري يترك جراح لبنان مفتوحة

يغادر رئيس مجلس الوزراء المستقيل رفيق الحريري واجهة الحياة السياسية في لبنان التي كان طوال ست سنوات نجمها الاوحد, بعد ان رفض تشكيل حكومته الرابعة على التوالي . ويترك الحريري وراءه بلدا يسير في طريق السلم لكن اوضاعه السياسية والاقتصادية ما زالت هشة. ولشدة ما ترك بصماته على سنوات حكمه يجد لبنان صعوبة في اختيار خلف له في رئاسة الحكومة. فخلال وجوده في السلطة اختلطت صورة لبنان في الخارج بصورة هذا الملياردير (54 عاما) الذي غالبا ما يقوم بجولات مكوكية في الخارج. ورغم الانتقادات المتكررة لممارسته المنفردة للسلطة, تمكن الحريري حتى الآن من تخطي كل الازمات السياسية التي واجهها سواء مع رئيس الجمهورية السابق الياس الهراوي او مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. وكان المخرج لكل ازمة يمر عبر دمشق التي تتحكم بقواعد اللعبة السياسية في لبنان حيث ينتشر 35 الفا من جنودها. وكان وجود الحريري في السلطة يعتبر ضروريا في فترة اعادة الاعمار الصعبة رغم الاعتراضات الكثيرة على خياراته واولوياته الاجتماعية والاقتصادية. فكان كما وصفه احد معارضيه (الشر الذي لا بد منه) . وتمكن الحريري, الذي كان على قناعة بأن لا بديل له, على مدى سنوات من التلويح بالفراغ وبالمخاطر الاقتصادية وخصوصا النقدية, باعتكافه حينا لبضعة ايام وبتهديده حينا اخر بالاستقالة. وقد اطلق الحريري عملية اعادة اعمار بعد الحرب وادارها كما يدير احدى مؤسساته. ويندرج الحريري بين مئة اغنى شخصية في العالم اذ تقدر ثروته بنحو ثلاثة مليارات دولار. وكان يعمل محاسبا في مسقط رأسه صيدا كبرى مدن جنوب لبنان قبل ان ينتقل الى المملكة العربية السعودية حيث جمع ثروته. نجح الحريري خلال ست سنوات في اعادة تأهيل البنية التحتية في مختلف القطاعات (طرقات, مياه, كهرباء, هاتف..). وعاد المستثمرون الاجانب الى لبنان في عهد الحريري الذي تميز بعلاقات دولية قوية وبصداقات شخصية مع عدد من رؤساء الدول ابرزها فرنسا. كما اطلق الحريري ورشة اعادة اعمار وسط بيروت التجاري الذي دمرته الحرب. لكن هذا المشروع كان منطلقا لسيل من الاتهامات والانتقادات لممارسة الحريري. فقد اتهم اصحاب الحقوق (صغار المالكين والمستأجرين) في الوسط التجاري الشركة اللبنانية لاعادة اعمار وتأهيل وسط بيروت التجاري (سوليدير) التي تقوم بالمشروع ومن ابرز مساهميها الحريري, باغتصاب حقوقهم. وشيئا فشيئا اتسعت الهوة بين اللبنانيين الذين ازدادوا فقرا ولا يفهمون لماذا لم ينجح الحريري الذي استقبل على انه رجل الانقاذ عام 1992 في اعادة البحبوحة التي عرفها لبنان قبل الحرب. وقد استعاد رئيس الجمهورية الجديد اميل لحود خلاصة هذه الانتقادات في خطاب القسم الدستوري حين تعهد باقامة دولة القانون والمؤسسات وبمكافحة الفساد فبدا موقفه ادانة شديدة لممارسات العهد السابق. واستقطب الرئيس لحود, الذي تبوأ سدة الرئاسة محاطا بهالة من الاستقامة, مشاعر الاستياء الشعبي من نهج وصف بانه (نهج الحريري) يقوم على مزيج من المحسوبية والتملق السياسي مع الشكوك المحيطة بالتلزيمات واستدراجات العروض للمشاريع. وانتقد الرئيس الجديد بشدة السياسة الاقتصادية التي اتبعت في السنوات الاخيرة وخصوصا ازدياد حجم الدين العام (17,5 مليار دولار) ودعا الى سياسة ضرائبية اكثر عدلا (لا تحمل الفقير مثل الغني) . لكن الحريري, الذي استثمر شخصيا كثيرا في لبنان خلال السنوات الاخيرة, مقاتل يحتمل ألا يكون قد قال كلمته الاخيرة. ومن سخرية القدر ان الحريري, الذي تمحورت الانتقادات له على تفسيره الشخصي للقوانين والمبادىء الاساسية التي تحكم لبنان, رفض البقاء في منصبه رغم اختيار 70% من النواب له بذريعة خلاف دستوري مع رئيس الدولة. وبذلك يكون الحريري قد غادر واجهة الحياة السياسية قويا كما دخلها. ــ أ.ف.ب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات