يؤكد مفكرون وسياسيون في اليمن في ندوة (الملف السياسي) ان ما شهدته دولة الامارات العربية المتحدة طوال 27 عاماً من اعلان دولة الاتحاد يعد انجازاً غير مسبوق لم تشهده كثير من الأمم في تاريخها, ولا يستطيع اي خطاب اعلامي تجسيده. وقالوا ان دولة الامارات اقل دولة عربية تتحدث عن منجزاتها ولكنها اكثر الدول العربية اسراعا بالتنمية والتطوير, واول دولة عربية اسهاما في الدعم القومي والاسلامي. وشارك في الندوة الدكتور عبدالله علي الذبحانى الاستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء والكاتب الصحفي خالد الحمادي والدكتور فؤاد الصلاحي استاذ علم الاجتماع جامعة صنعاء والباحث الدكتور محمد اسماعيل سليمان. ويحيى عبدالرقيب الجبيحي مدير الدائرة العلمية برئاسة الوزراء والكاتب الصحفي حسن مشراح. (الملف السياسي) : نرحب بكم في هذه الجلسة بمناسبة مرور 27 عاما على قيام دولة الاتحاد ونشكر لكم مساهماتكم. الوحدة لمواجهة التحدي د. عبدالله علي الذبحاني: جيدا لــ 27 عاما علينا النظر وتقييم بدايتها بالظروف التي سادت المرحلة حينها على الصعيد الأقليمي والعربي, ففور اعلان مملكة بريطانيا عزمها على انهاء الانتداب كانت الوحدة هي هاجس القيادات والشخصيات من شيوخ ووجهاء الامارات, فالوحدة والاتحاد هما الجوهر الذي به يتحقق جوهر الاستقلال, بالنظر الى جملة من التحديات الجسيمة كانت تقف امام شعب دولة الامارات بمختلف شرائحه, وليس من بد من التأكيد على حقيقة الاستحقاقات المنتظرة في المستقبل.. التي ارتسمت تحت علامة استفهام ماذا بعد الاستقلال؟! كان المخاض عسيراً؟ وسجلت سبع امارات تجربة فريدة, ونقطة مضيئة في محيط عربي واسلامي يغشاه التفكك.. بالنظر الى جملة التحديات يمكننا ان نقرأ الانطلاقة الاولى التي خاضت المعترك في مواجهة التحدي بالنظر الى اتجاهين: الاول: الصيغة المؤسسية للبناء المؤسسي التشريعي والثاني: الخطاب الوحدوي للقيادات حينها القائم على الوحدة والاخوة والمحبة الذي جسدته قيادات الامارات, على ان ذلك لا يجب ان يغيب النظر والتدقيق الى الخطوات الملموسة على الصعيد الداخلي وعلاقات القيادات بابناء الشعب بمختلف شرائحهم. ان البدايات الاولى للتجربة كانت جميعها خطوات رائدة عكستها حكمة توافق التشريعات في الاتحاد, بحيث لا احد يستطيع اغفال البعد القومي الاسلامي في المسار منذ البدايات الاولى الامر الذي ترجمته خطوات فعلية في مختلف جوانب العلاقات والمواقف القومية, صحيح ان التجربة واجهت مصاعب كثيرة كاي تجربة, لكنها استطاعت التغلب عليها.. واذا نظرنا الى التحديات والمصاعب التي واجهتها عملية الاتحاد وانطلاقة الدولة فتجدها تتضاءل اذا علمنا انه في بعض الاقطار والدول كانت تتغير الحكومات فيها اكثر من اربع مرات سنويا.. لقد تجسدت في التجربة منذ الوهلة الأولى للاستقلال حقيقة مفادها ان المستقبل للوحدة وهذا ما تجسد على ارض الواقع.. والان يمكن النظر بعيون محايدة نحن كعرب الى ما حققته التجربة, في علاقة الدولة بالمجتمع, والقيادات بالشعب.. الارادة وليس النفط خالد الحمادي (صحفي) : ولكن هناك من يذهب الى القول ان النفط والثروات التي وهبها الله لدولة الامارات كانت السبب الرئيسي؟ وتأتي الاجابة اكثر ايضاحاً: صحيح ان الثروة والنفط كان لهما الدور في التحولات الكبيرة التي شهدتها الامارات في قطاعات البناء والتطوير والتصميم والتقدم على مختلف المستويات, لكن الصحيح ايضا ان الثروة والنفط مصدر اساسي للفرقة وليس للوحدة. وتشهد بذلك الكثير من التجارب! ويمكننا التأكيد ان الوحدة, والارادة التي جسدهما صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان واخوانه الحكام تعد ارادة حقيقية في الوحدة لصناعة الحياة والمستقبل.. على ان القول ان النفط المصدر الرئيسي للوحدة كما يذهب البعض فهو قول قاصر لكنه يعكس الغياب الاعلامي عن ابراز دور هذه الرموز. التعايش والنهضة د. فؤاد الصلاحي: في تجربة الامارات العربية المتحدة نموذج للكثير من الاقطار والشعوب في العالم الثالث, فخلال فترة زمنية قصيرة انتقلت دولة الامارات الى مصاف الدول النموذجية في تعايش المجتمع, ودور الفرد والمنظمات غير الحكومية اذا نظرنا ان الجمعيات والمنظمات الخيرية بدأت من وقت مبكر, وبرزت اسهاماتها في التنمية والتطوير, ثم ان من المشاريع الاولى في سنوات البداية للتجربة عقب الاستقلال كانت متجهة لبناء الانسان, واعلن اول المشاريع في بناء الوحدات السكنية الشعبية, وارتفعت معدلات التعليم, والصحة, وفي القطاع الزراعي, ومثلت حالة التعايش قضية نموذجية, اضافة الى مفاهيم المشاركة الشعبية من خلال (المجلس البرلماني الوطني) , ولعل المراكز البحثية والجمعيات والمنظمات ودور الجامعات والوسائل التعليمية والعلوم بمراكزها وهيئاتها المختلفة جعلت من مدن الامارات ابوظبي الشارقة, عجمان, العين, دبي, خلايا عمل لا تقتصر امتدادات دورها على الامارات والخليج فحسب بل على المستوى الانساني, والعربي والاسلامي, فالجوهر في ذلك ليس الامكانيات المادية والتطور التكنولوجي للوسائل لكن في جوهر القضايا, والتفاعلات مع حركة حياة الانسان, والمجتمعات والدور القومي والانساني, وفي كل ذلك اذا كان يحلو للبعض الحديث عن المنجزات والنهضة العمرانية التي تحققت فان تجربة بناء الانسان وجعله اساس التنمية ومصدرها ودوره في المجتمع ومكانته هي الاهم في جملة التحولات التي تحققت خلال فترة زمنية قصيرة جدا من عمر الشعوب وتجاربها, وعلى ذلك يمكن قياس القفزة النوعية الكبيرة التي تحققت في بناء الانسان في الامارات فاذا كان اهل الاقتصاد واسواق المال يركزون على دخل الفرد بقياس اسعار النفط صعودا وهبوطا, فان ما يحقق للانسان الاماراتي من نهضة تعليمية وثقافية, وما تحقق من اندماج اجتماعي ومشاركة شعبية هي المحور النموذجي فيما تحقق, وتلك هي الثروة المكتسبة لبناء الحضارات وتقدم المجتمعات. ومثلا فدور المرأة الاماراتية بدأ التركيز عليه من وقت مبكر من خلال الاتحاد النسائي لدولة الامارات الذي ترأسه سمو الشيخة فاطمة, ومن وقت مبكر بدأ اهتمام الجمعيات النسوية في البناء الفكري من خلال خدمات ودورات التثقيف والارشاد, والمحاضرات والمواسم الثقافية, فمثلا اذا نظرنا الى البدايات مقارنة باقطار ودول اخرى ففي العام 1980م كان عدد الاعضاء في الجمعيات النسائية التي تنضوي تحت لواء الاتحاد النسائي (3479), ان مثل هذا الرقم في السنوات الاولى هو احد المؤشرات على التركيز منذ البدء على الانسان, والعمل لمنظمات المجتمع المدني ودورها, اذا علمنا ان عدد المحاضرات في كل عام من بداية التجربة وصلت الى (128) محاضرة خلال الموسم الثقافي الواحد, في السبع سنوات الاولى. العقل والعصر الدكتور محمد اسماعيل سليمان (باحث) زرت دولة الامارات مؤخرا وشهدت حقائق مدهشة لدولة في الخليج العربي, فان كانت المدن بحدائقها وعمرانها وشوارعها تعكس النهضة الرائدة التي تضعها في مصاف الدول الاوروبية فان زيارتي للعديد من المؤسسات والمعاهد والجامعات قد رسمت في ذهني حقيقة التقدم المؤسسي في التطوير كمؤسسات عصرية, ولا اقول انها مؤهلة بدون اي جدل لدخول القرن الحادي والعشرين, لكنها قد دخلته فعلا. يحيى عبدالرقيب الجبيحي: لقد كان للحكمة والعقل الدور الاساسي في جملة التحولات التي شهدتها دولة الامارات العربية المتحدة, والنهضة العمرانية والتجارية والثقافية والاجتماعية التي تحققت خلال فترة زمنية قصيرة, وحقيقة فقد اتسمت كل التحولات بمقدرة على تسخير الحكمة والعقل والاهتمام بالانسان, وترعرعت بعزيمة عمليات الانتقال الى العصر وحياة التقدم جنبا الى جنب مع تماسك وتعزيزالبناء الوحدوي الذي مثل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان الرمز الوحدوي في قيادته, وفي المسار ترافق التطوير والنهضة مع التمسك بالثوابت العقيدية والقومية والانسانية, وحدثت نقلات في شتى ميادين الحياة, فاذا كانت ابوظبي هي القلب النابض لاتحاد الامارات العربية, فان (دبي) لؤلؤة الخليج, اصبحت تضاهي معظم المناطق التجارية والحرة في العالم, ومثلها عواصم بقية الامارات التي تحتضن اهم مراكز التواصل الاكاديمي والثقافي, مثل الشارقة, والعين التي تحتضن احدث واهم جامعة عربية. لقد تمخض الصراع الذي قاده الانسان في الامارات مع البحر والصحراء, وادار بعقليته وارادته الانتقال من القديم الى الجديد والى حياة العصر, تمخض ذلك عن حقائق مشهودة على كافة الصعد والمستويات.. ان ما تحقق من منجزات حول الصحراء الى غابات من الاشجار وصيد الاسماك الى استخدام احدث ما وصل اليه العقل البشري في عالم التكنولوجيا. حسن مشراح (صحفي): لاتوجد دولة عربية اتسمت مواقفها بالنضج والتوازن اكثر من دولة الامارات العربية المتحدة, واذا تأملنا واقع الحال الثقافي والاعلامي سنجد الخطاب القومي الاسلامي الذي يتناول القضايا الجوهرية يكاد يكون منفردا عن غيره, هو خطاب القيادات والمؤسسات في الامارات. الاتحاد حقائق في النموذج نعود بالحديث لندلف بالسؤال: ان تجاوزنا حديث المناسبات والتغني العربي بالمنجزات.. ماذا يمكن القول عن تجربة ومسار 27 عاما؟! قومياً اسلامياً؟ انسانياً..؟! تأتي الحقائق بدلا عن الاجابة: ففي واقع اليوم مع متغيرات الحراك الذي تشهده الساحة ومتغيراتها اقليمياً وعربياً ودولياً, عقب انتهاء حقبة الحرب الباردة, والنظام احادي القطبية, تبدو قراءة مسار 27 عاماً لحظة الانتقال الى العام ,28 تبدو قراءة المسار متسمة بحقائق اكثر وضوحاً.. لنقرأ ما تيسر منها محل الاجماع. في المسار ومنذ السنوات الاولى, ارتبطت حالة الاندماج الاتحادي للامارات وما رافقه من نهضة مع التمسك الشديد بتطلعات التآلف والتضامن القومي والاسلامي, وسرعان ما اشتد ساعد الدولة الاتحادية الوليدة لتأخذ دورها ومكانتها في الساحة العربية القومية, ولنجدها تتصدر الاولوية في الدعوة الى التضامن العربي, وتتصدر مساعي الائتلاف, ودعم القضايا المصيرية قومياً واسلامياً, وبرزت دولة الامارات عطاء بلا مقابل, ولم تكن يوماً طرفا ولا مصدراً لنزاع وخلاف عربي ــ عربي ولم يسمع احد ان مساعدات ودعم الامارات لتنمية في دول عربية واسلامية بمشاريعها ونهضتها كانت سبباً في المن والتعالي, او بمقابل. وهذه احد مميزات وسمات دولة الامارات عربياً واسلامياً وافريقيا. ويأتي السؤال الآن: هل يمكن ان تكون تجربة دولة الامارات العربية المتحدة النموذج في اتحاد الولايات العربية, فاقطارها بما هي عليه الآن, ان ذهب بعض الفقهاء الى القول والتأكيد ان 27 عاماً قد كتبت في التجربة تطبيقا حقيقيا للآية الكريمة (انا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) فخبراء السياسة وعلم الاجتماع يؤكدون حقائق الائتلاف والتعايش, ودور الفرد في التاريخ في مسار الاتحاد والنهضة, لكن ما يعزز ذلك ويدعو اليه هو مقولات ومفردات العولمة, والقرية الصغيرة, ولغة الاقتصاد, بحيث يجعل من دولة الامارات اهم التجارب التي تقف امام كل من يدعو لوحدة الصف واحترام كرامة الانسان.. يستوي في ذلك القيادات ومراكز القرار, واهل الفكر والثقافة. وان كان للتجربة والمسار في 27 عاماً من العثرات والصعوبات التي تخطتها الارادة, والعزم وان كان في المسار ما افرزته النهضة ومسار التطوير اجتماعياً واقتصادياً, فان ذلك ما يعزز النموذج, ويحسب له لا عليه. لليمن والامارات خصوصية لا تذكر العلاقات اليمنية ودولة الامارات, الا وتتصدرها الاشارة الى اعادة بناء سد مأرب العظيم التاريخي, لتأتي بعدها سلسلة من الارقام والحقائق الدالة على عمق الروابط, يقول احمد غالب وكيل وزارة المالية: العلاقات اليمنية الاماراتية متميزة بخصوصياتها اذ تعكس عمق الروابط بين القيادتين السياسيتين والشعبين الشقيقين.. وللامارات العربية المتحدة ولصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان شخصياً بصمات واضحة في مسيرة التنمية اليمنية. يضاف الى ذلك الاشارة الى اعادة بناء سدء مأرب التاريخي بمبادرة كريمة من سموه ليكون جسراً للتواصل بين الماضي والحاضر. اما بالنسبة للعلاقات الاقتصادية فهي تعكس حركة التواصل المستمرة بين الشعبين الشقيقين.. ولو انها لم تصل الى مستوى الطموح.. فالتبادل التجاري بين البلدين خاصة الصادرات الاماراتية الى الجمهورية اليمنية تأتي في المرتبة الثانية بين الصادرات العربية الى اليمن.. ولو ان التبادل التجاري بين الدول العربية ما زال دون الطموح خاصة في ظل التكتلات الاقتصادية العالمية.. اذ يبلغ التبادل التجاري بين الدول العربية اقل من عشرة في المائة من العالم العربي مع العالم الخارجي.. وهذا وضع يجب تصحيحه لما يخدم صالح الشعوب العربية.. وفي ضوء ذلك نأمل ان يتعزز التعاون القائم بين اليمن والامارات وبين الشعبين الشقيقين في مختلف المجالات.. وعلى وجه الخصوص في مجالات التعاون الجمركي.. ومجال المناطق الحرة وكذا التنسيق في المواقف في المنظمات الدولية.. ويمكن القول ان هناك آفاقا مثمرة وواعدة للعلاقات الاقتصادية. ادار النقاش في صنعاء- محمد أحمد سعيد