راشد.. الحلم والواقع والمستقبل

كان حلم المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ان يجعل من دبي لؤلؤة الخليج, وصرحا تجاريا واقتصاديا هاما وواحدة من اكبر المراكز التجارية ذات الاهمية على المستوى الاقليمي والدولي . وما كاد يضع اللبنات الاولى لنهضة دبي الحديثة حتى عاد يحلم.. وكان الحلم كبيرا هذه المرة ايضا.. نظر حوله فوجد واقعا لم يرض عنه لانه يتناقض مع حلمه الكبير في الوحدة طريقا للقوة والمنعة والخير المشترك وبديلا عن الفرقة والضعف في عالم لايحترم الضعفاء. كان المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات في الاوج.. وقد اتسع هذا المد ليشمل الوطن العربي كله.. من بوابته الشرقية على ساحل الخليج العربي حتى اقصى الغرب من الوطن الكبير.. غير ان الجرح العميق الذي نتج عن التآمر الانفصالي ضد الوحدة بين مصر وسوريا آنذاك ظل يؤرق المخلصين من ابناء الوطن. ويشاء القدر ان يلتقي حلم راشد العظيم بحلم رجل عظيم آخر شاطره آماله, وظل هو ايضا يدعو للتوجه الوحدوي منذ ان تولى مقاليد الحكم في امارة ابوظبي.. صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وما كادت حكومة العمال البريطانية تعلن في عام 1966 عن عزمها سحب قوات الاحتلال البريطانية من شرق السويس قبل نهاية عام 1971.. حتى سارع الرجلان الى اللقاء معا في استجابة رائعة وطيبة لمشاعر الوحدة التي تعتمل في قلبيهما. وكان اللقاء التاريخي بينهما في منطقة السمحة.. وقد عبر كل منهما لرفيقه عن شعوره بأهمية الاتحاد بين الامارات السبع: ابوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة وام القيوين وعجمان والفجيرة. ويسجل التاريخ صورة نادرة للزعيمين العربيين وهما يجلسان في ظل خيمة ويخطان على الرمال خطوطا تمثل تحقيق حلمهما الجميل في دولة الاتحاد. وظل راشد وزايد يدعوان اخوانهما حكام الامارات الى الوحدة لتصبح دولتهم الجديدة قوة يحسب لها حساب.. قوة سياسية واقتصادية وعسكرية.. واستجاب اصحاب السمو حكام الامارات لدعوة الرجلين المخلصين. انشغل الشيخ راشد بحماس كبير في التحضير للاجتماعات واللقاءات والمشاورات التي تواصلت بين حكام الامارات والتي عقدت في دبي.. في ضيافته الى ان عقد اجتماعا حاسما في الفترة من 11 الى 15 اكتوبر عام 1969. وفي الاجتماع تم الاتفاق رسميا بين اصحاب السمو الحكام على قيام اتحاد دولة الامارات وانتخاب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيسا للاتحاد والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائبا للرئيس. ومع توفر الارادة الوحدوية الصلبة والعمل الصبور الدؤوب لدى الرجلين العظيمين امكن تخطى اي عقبات في طريق ذلك الانجاز الوحدوي تأكيدا لاواصر القربى وصلات الرحم بين ابناء الامارات. وفي 18 يوليو عام 1971... وفي دبي... استقبل راشد اخوانه حكام الامارات السبع حيث عقدوا اجتماعا تاريخيا اقروا فيه مشروع اقامة الدولة الاتحادية استجابة لرغبة شعب المنطقة في اقامة دولة اتحادية يطلق عليها اسم دولة الامارات العربية المتحدة لتكون نواة اتحاد شامل في المنطقة بأسرها. وفي الثاني من ديسمبر عام 1971... وفي قصر الضيافة في الجميرا.. يحتضن المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم اجتماعا تاريخيا لحكام الامارات الست ابوظبي ودبي والشارقة وعجمان وام القيوين والفجيرة.. وفي جو يفيض بمشاعر الاخوة والوحدة ونفوس تفيض بالفرحة بلقاء الاخوة الاعزاء من ابناء شعب الامارات.. ينصت ذلك الموقع التاريخي لصوت الشيخ راشد وهو يرحب باخوانه باسم دبي وابناء دبي ويلقي بيانه التاريخي قائلا: (ايها الاخوان) .. لقد تم التوقيع على الاتفاقيات بانهاء العلاقات التعاقدية الخاصة بين كل امارة من اماراتنا والحكومة البريطانية فتم بذلك استقلال اماراتنا وسيادتها على اراضيها, وما مضت ساعات قليلة على ذلك حتى التقينا في هذا الاجتماع التاريخي لتحقيق ما تلاقت عليه ارادتنا وارادة شعب اماراتنا لاعلان قيام الامارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة تستهدف توفير الحياة الفضلى لشعبها والاستقرار الآمن لها, وتحمي حقوق وحريات مواطنيها, وتسعى لتحقيق التعاون الوثيق فيما بين اماراتها لصالحها المشترك من اجل ازدهارها وتقدمها في كافة المجالات, وتتطلع للانضمام لجامعة الدول العربية وهيئة الامم المتحدة, ومسايرة الركب العربي في مسيرته نحو اهدافه السياسية, ونصرة القضايا والمصالح العربية والاسلامية, وتوثيق اواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب الصديقة على اساس مبادىء ميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية) . وينهى المغفور له الشيخ راشد بيانه بقوله: (وفي هذه اللحظات التي يرقب فيها شعب اماراتنا المفدى والعالم بأسره ما سيصدر عن هذا الاجتماع من مقررات ابتهل الى الله سبحانه وتعالى ان يهدينا سواء السبيل وان يوفقنا لتحقيق ما اجتمعنا من اجله والله ولي التوفيق وهو نعم النصير) . وهكذا... وبكلمة المغفور له الشيخ راشد والتي القاها نيابة عنه سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم... بدأت المسيرة الخيرة للاتحاد المأمول... وتحقق الحلم الذي راوده... وبدأ الرجل في حمل الامانة نائبا لرئيس الدولة ورئيسا لمجلس الوزراء. ويظل الرجل يحلم في المستقبل... بدولة قوية.. موحدة... تبنى حاضرا عظيما ومستقبلا مشرقا.. وكان يعبر في كل مناسبة عن هذا الحلم الجديد.. فيقول مثلا في عام 1972: (لقد قطعنا على انفسنا وعدا بالمضي قدما في سبيل تقدم ورقى وازدهار وتعمير وطننا) . ويقول في عام 1973: (ان هدفنا هو خدمة ابناء شعبنا واعطاؤهم الفرصة الكاملة للمشاركة في بناء بلدهم) . وفي عام 1979 يقول: (هدفنا عمل جاد... وسهر متواصل... واحساس متفاعل مع اماني شعبنا وآماله في حياة افضل ومستقبل زاهر بإذن الله) . وكعادته يمد بصره وحلمه الى امته العربية فيقول في عام 1975: (ان التاريخ يسجل لامتنا العربية انها امة بانية, ماوطئت ارضا الا وحل معها الرخاء ورسا العمران وعاش الناس في سعادة وهناء) . ومازالت الامة العربية تذكر بالخير هذا الرجل العظيم وقد رسخ في ذاكرتها بيان المجلس الاعلى لحكام الامارات يوم وداعه وهو ينعي (قائدا فذا ورائدا بارزا من رواد حضارة الامارات العربية المتحدة وصانعا ماهرا من صناع وحدتها وتماسكها.. وواحدا من البناة الاوائل لدولة الامارات الفتية ومشيدا كبيرا لدعائمها ومخططا ماهرا لنهضتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عمل بجهد مخلص وبذل كل حياته من اجل امته ووطنه بعزيمة لاتهدأ وقلب متقد تدعيما للاتحاد وترسيخا لاهدافه ومبادئه فقد كان رحمه الله رجلا متميزا من رجالات الوطن وعد فأوفى وعمل فأخلص واعطى فأجزل العطاء) . ويمضى بيان المجلس الاعلى للاتحاد فيضيف: (لقد حرص على ترسيخ الاتحاد متكاتفا مع اخيه صاحب السمو رئيس الدولة واخوانهما اصحاب السمو حكام الامارات من اجل بناء هذه الدولة والوصول بها الى مصاف الدول المتقدمة كل ذلك تم بايمان عميق بالله وعزيمة قوية واخلاص في العمل واصرار على تحقيق هدف النهضة والارتقاء بالوطن. وسيذكر له التاريخ ووطنه وشعبه سجله الحافل بالانجازات التي سوف تبقى خالدة تنير المستقبل لهذا الوطن العزيز) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات