قراءة وحدوية في زمن التجزئة: اتحاد الامارات.. دروس الماضي حصاد الحاضر وآفاق المستقبل:

تعلي امتنا من شأن الاتحاد, وتحيطه بهالة من التمجيد والتقدير وتضعه على قمة اولويات امالها وطموحاتها, وتختصه بأبجدية وقاموس تعريفات وتعبيرات, تجمع ما بين الواقع والمحال, المرئى واللامرئي , وتختزل فيه الزمان لتحيله الى لحظة تتجاوز الماضي والحاضر وتستبعد المستقبل, ويصبح الاتحاد هو ميقاتها, وكأن تاريخنا كله سعى لاستعادة وحدة جسد تفرقت اشلاؤه, ففقد عافيته وتنازعته امراض الفرقة والتشرذم. وهكذا, تتجذر قيمة الوحدة وشأن الاتحاد, ليصبح الملاذ والعزاء لشعبنا في لحظات المحن, والحلم الذي نرحل اليه هربا من كابوس واقع التجزئة, وعندما يتحقق الاتحاد, يستعيد تاريخنا بهاءه, ويتوجب علينا الاحتفال به, والامساك بعنق التاريخ, ونتباهى بقدرتنا على التواصل مع قانون وجود امتنا المرهون بالوحدة دائما, ونسعى لجعل التجربة الوحدوية الناجحة نموذجا, وقطبا مغناطيسيا يلملم شتات الوطن.. ويعيد له وحدته المفارقة, وينقلها من اجواء الحلم الى ارض الواقع. ولان تاريخنا الحديث معاكس في مساره لمسيرتنا باتجاه الوحدة, وبسبب الاخفاق المتكرر لتجاربنا الوحدوية, سواء جاء الفشل نتاجا لمؤامرة خارجية, او كمحصلة لغياب الشروط والضمانات الكفيلة بتحصين (الوليد الوحدوي) ضد فيروس (الانفصال) القاتل... لكل هذه الاسباب تتعاظم قيمة (الاتحاد) ويبرز الوجه المضيىء لقيام اتحاد الامارات العربية المتحدة, المتفرد في سياق تجاربنا الوحدوية... كما تظهر مقدماته واجواء الواقع العربي لحظة اعلانه.. ومسيرته الثابتة وترسخ دعائمه عبر ثلاثة عقود, وصموده في وجه المتغيرات, وثراء حصاده, ومضمونه وزخمه المستقبلى, كتجربة واعدة تعيد لامتنا تفاؤلها التاريخي وثقتها في مشروعها الوحدوى, وقدرتها على تجاوز لحظة الانفصال. لكن لابديل عن العودة للبدايات.. وقراءة واقع تجربة الاتحاد, وما سبق قيامه من جهود دؤوبة, وتخطيط واستشراف لواقع كان وقتها جنينا في رحم الغيب, تستعصي رؤيته الا على القيادة التي تتحلى بحدس تاريخي ثاقب, وبتوحد عزائم صاحبى السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان ورفيق دربه الوحدوي المغفور له ــ بإذن الله ـ الشيخ راشد بن سعيد ال مكتوم. المبادرة الوحدوية كان المشهد العربي في النصف الثاني من الستينات مشحونا بكل عوامل التهديد لوجودنا القومي, فالرياح الغربية عاصفة تكاد تقتلع كل فسيلة امل في مستقبل عربي, قضت امتنا حقبة الخمسينات في غرسها, وبات الحلم الوحدوي بعيد المنال, بعد كارثة فشل اول تجربة وحدوية حقيقية في تاريخنا الحديث, وترك الانفصال وفشل الوحدة المصرية السورية, جرحا غائرا في جسد الامة لم تتعاف منه. ومع اقتراب رحيل القوات البريطانية عن الخليج العربي او ما سمى وقتها بشرق قناة السويس وفقا للقاموس الامبراطوري البريطاني, راهن الغرب على بقاء ما اعتبرته امارات متصالحة رهينة وتابعة لنفوذها ولم تضع في حسابها, ارادة ورغبة القيادات القومية للشعب العربي في الخليج, وخسرت الرهان, وكسبت امتنا في احرج لحظات تاريخها رصيدا جديدا لمسيرتها الوحدوية. وجاء الرد الوحدوي على الرهان الغربي الرامي لترسيخ الانفصال وتمديد علاقات التبعية, من ابوظبي عندما تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في 6 اغسطس 1966 واطلق نداءاته للوحدة القائمة على التكامل ولملمة اطراف الجسد, وحدة طوعية تستجيب لقانون وجودنا العربي, وتعترف بالتمايزات بين الاطراف ولا تلغي وجودها في اطار الكل, وحدة تعاقدية تسمح بالتعددية حول المركز, وتستجيب للتفرد والحوار ومن مخزون الحكمة التاريخي اطلق زايد مقولاته البسيطة المعبرة (الاتحاد طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك, والفرقة لاينتج عنها الا الضعف... والكيانات الهزيلة لامكان لها في عالم اليوم... فتلك هي عبر التاريخ على امتداد عصوره) . رأس جسر الاتحاد وخطت دعوة زايد للوحدة خطوة ناجحة بلقائه مع اخيه المغفور له الشيخ راشد في منطقة (السميح) في 18 فبراير 1968, وبحثا قيام اتحاد بين امارتي ابوظبي ودبي كنواة لاتحاد اكبر واشمل. واكتسب لقاء (السميح) التصميم على قيام دولة اتحادية قيمة عظيمة, كاحدث رد عربي على نكسة يونيو 1967, والهجمة الغربية الشاملة على المشروع القومي, واثبتت ان الجسد العربي مازال يمتلك طاقة وحدوية قادرة على تجاوز الهزيمة واستعادة عافيتها القومية. وفي اللقاءات التحضيرية لتأسيس الاتحاد كانت اسس ومنطلقات واهداف الاتحاد حاضرة في ذهن القيادة التاريخية, فالاتحاد يقوم على الاختيار والطوعية عبر حوار تسيجه مصالح الشعب على المستويين الوطني والقومي, وهو اتحاد تعاقدي لا وحدة اندماجية, تماشيا مع نهج التطور والتدرج, واستبصارا لدرس فشل مشاريع الوحدة الاندماجية, التي قفزت على واقع التجزئة ورسوخ الدولة الاقليمية, فاصطدم حلم الوحدة بصخرة التباينات والتناقضات, فكان الفشل مروعا. وبكلماته البسيطة الموجزة والمشحونة بدرس التاريخ والقراءة الواعية للواقع يلخص الشيخ زايد مبكرا ضرورة الاتحاد وقيامه فالكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم.. فتلك عبرة التاريخ على امتداد عصوره, قيام الاتحاد ضرورة قومية, فهو يؤمن الاستقرار والامن, وسيكون عونا وسنداً لاشقائنا العرب واصدقائنا في العالم. وهكذا, اثمر لقاء راشد وزايد في (السميح) على مهام الاتحاد والتي انحصرت في القضايا السيادية: الشؤون الخارجية, الدفاع, الآمن الداخلي, الخدمات التعليمية والصحية. وكان شكل الاتحاد المقترح شاملاً لكل امارات ساحل عمان: ابو ظبي, دبي, الشارقة, رأس الخيمة, عجمان, ام القيوين, الفجيرة, قطر,البحرين. وقضى الشيخ زايد الفترة من 1966 وحتى قيام الاتحاد واعلانه رسمياً في 2 ديسمبر ,1971 في الدعوة والحوار والتنوير. وتواصلت الجهود, ولم تنل العوائق والصعاب من عزيمة زايد وطموحه الوحدوي, ولبى حكام امارات ساحل عمان التسع ابوظبي, دبي, الشارقة, عجمان, ام القيوين, رأس الخيمة, وحاكما قطر والبحرين, دعوة زايد وراشد, واجتمعوا في دبي في 27 فبراير 1968. واثمرت مناقشات اجتماع حكام الامارات التسع لمشروع قيام اتحاد تشكيل لجان لبحث واتخاذ القرارات التنفيذية, وتشكيل مجلس اعلى, ومجلس تنفيذي وامانة عامة. في 21 اكتوبر 1969 عقد حكام الامارات التسع اجتماعا انتخب فيه الشيخ زايد رئيساً للاتحاد لمدة عامين, كما انتخب المغفور له الشيخ راشد نائباً للرئيس لمدة عامين ايضاً. الا ان مشروع الاتحاد لم يدم طويلاً حيث اتجهت كل من قطر والبحرين الى اعلان استقلالهما كل على حدة. وبنفس روح الاصرار والتحدي وقوة الايمان بالوحدة كسبيل وحدة للنهوض, واصل الشيخ زايد جهوده لاقامة صرح الاتحاد, ودعا الى اجتماع لمجلس حكام الامارات عقد في دبي في 13 يوليو ,1971 لبحث الخطوات التنفيذية لقيام الاتحاد وخاطب زايد اشقاءه الحكام قائلاً, ومحفزاً على تبني الاتحاد: لا بديل للاتحاد ولا وقت للضياع والاتحاد سوف يقوم ويزدهر, فهو امنيتي واسمى اهدافي لشعب الامارات فالاتحاد هو القاعدة والتجزئة هي الاستثناء . اعلان الاتحاد من دبي تواصلت جهود الشيخ زايد واصراره على اقامة الاتحاد, غير مبال بما اعترض طريقه من صعاب وعقبات, وكعادة فارس الصحراء عندما تستفزه التحديات وتستنفر طاقته المقاومة والرغبة في قهرها, انطلق في مسيرته الوحدوية غير عابىء بانحسار المد القومي تحت ضغوط الهجمة الاستعمارية الامريكية الصهيونية, وانشغال القاهرة ودمشق عاصمتي الوحدة بحرب الاستنزاف مع العدو الصهيوني تحضيراً لمعركة العبور الكبرى. وتحدى زايد المشهد السائد على الساحة العربية في نهاية الستينات وبداية السبعينات, بأحداثه المأساوية, التي خصمت بالسلب من رصيد العرب الوحدوي, فمصر كانت تتلمس طريقها وسط حالة من التخبط العام عقب رحيل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر, وواشنطن تكشر عن انيابها في محاولة للانقضاض على ما تبقى من انجازات حقبة المد القومي, وتسعى جاهدة لطي ملفها نهائياً, وافتعال اي فرصة متاحة لتوسيع شقة الخلافات العربية, للحيلولة دون قيام اي كيان وحدوي. في ظل هذه الاجواء غير المواتية, شمر زايد عن ساعديه تؤازره جهود رفيق دربه المغفور له الشيخ راشد ويردد صدى دعوته الشارع العربي في الخليج حيث تواصلت لقاءات الفاعليات الثقافية من خيرة ابناء الخليج الحاحاً على الاسراع باعلان الاتحاد. وفي الثاني من ديسمبر عام 1971 كان الموعد مع العرس الوحدوي الذي استضافته دبي, والتقى حكام الامارات الستة: أبوظبي, دبي, الشارقة, عجمان, ام القيوين والفجيرة لاعلان قيام دولة الامارات العربية المتحدة. وفي بداية الاجتماع الذي عقد بقصر الضيافة في جميرا خاطب اشقاءه الحكام بقوله: (هذه فرصة هيأها الله سبحانه وتعالى لنا, فرصة وجودنا اليوم في مكان واحد ان قلوبنا جميعاً عامرة والحمد لله بالايمان بمبدأ الوحدة, فلنجعل اذن من اجتماعنا هذا فرصة تاريخية لتحقيق أملنا المنشود. وبنفس المنطق الوحدوي خاطب المغفور له الشيخ راشد الاجتماع مؤكداً ان هذا اللقاء يحقق ما تلاقت عليه ارادتنا وارادة شعب الامارات لاعلان الامارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة وعقب الاتفاق على قيام الاتحاد خرج احمد خليفة السويدي وزير شؤون الرئاسة في أبوظبي ليعلن البيان التاريخي لقيام الاتحاد وميلاد دولة الامارات العربية المتحدة: (بسم الله الرحمن الرحيم, وبعونه تعالى واستجابة لرغبة شعبنا العربي فقد قررنا نحن حكام امارات ابوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة اقامة دولة اتحادية باسم الامارات العربية المتحدة, واذ نزف هذه البشرى السارة الى الشعب العربي الكريم نرجو الله تعالى ان يكون هذا الاتحاد نواة لاتحاد شامل يضم باقي افراد الاسرة من الامارات الشقيقة التي لم تمكنها ظروفها الحاضرة من التوقيع على هذا الدستور) . وبعد عام من قيام الاتحاد انضمت رأس الخيمة في 10 فبراير 1972 لتكون سابع امارة في الاتحاد. وعقب اعلان قيام الاتحاد قاد زايد تحركاً سياسياً عربياً ادمج الامارات في محيطها العربي وتحت مظلة بيت العرب الجامعة العربية, لتبدأ دورها الفاعل لتقوية لحمة التضامن العربي. اعداد- سيد زهران

طباعة Email
تعليقات

تعليقات