تقارير(البيان): عنان يخوض مغامرة في الصحراء

عاد الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الى منطقة الشمال الافريقي مستأنفا جولته المغاربية التي كان قد قطعها على خلفية الأزمة الاخيرة بين العراق ومجلس الامن. ومن المنتظر ان تشمل الجولة زيارة لليبيا للبحث في تطورات أزمة لوكيربي, في ختام مباحثاته مع المسؤولين في كل من الجزائر وجبهة البوليساريو وتونس . ويسعى عنان الى الحصول على موافقة المغرب والبوليساريو على مجموعة مقترحات تستهدف الخروج من المأزق الذي يواجهه تنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية المتنازع عليها بين هذين الطرفين. ورغم أن جولة عنان توقفت في منتصف الطريق, حيث شملت موريتانيا والمغرب والاقاليم الصحراوية الخاضعة للسيادة المغربية منذ ,1975 الا انها مكنته من استخلاص موقف مبدئي اساسه الا بديل عن خطة التسوية التي ترعاها الامم المتحدة, وان الخلل لا يكمن في الاجراءات التي تضمنتها, وانما في التأويلات المتباينة لمضمون الخطة. ويستند الامين العام للأمم المتحدة في المساعي التي يبذلها لتجسير الهوة بين طرفي النزاع الى معطيات عدة, في مقدمتها الاتفاقيات التي ابرمتها المغرب وجبهة البوليساريو العام الماضي في مدينة بوسطن الامريكية برعاية جيمس بيكر وزير الخارجية الامريكي الاسبق, وهي الاتفاقيات التي باتت تشكل اساس الحل المقترح, أي الذهاب الى الاستفتاء في ظروف يطبعها الحياد والنزاهة والشفافية, وتمكين سكان المنطقة موضع النزاع من التعبير عن ارادتهم اما لجهة الاندماج بالمغرب او الانفصال عنه, ذلك ان هذه الاتفاقيات خصت كل الجوانب المتعلقة بالاستفتاء, بما في ذلك تحديد هوية المؤهلين للتصويت وضمان عودة اللاجئين واطلاق سراح الاسرى والمعتقلين من الطرفين. وضمن المعطيات ايضا موقف مجلس الامن الداعي الى انهاء نزاع الصحراء باعتباره استنفد وقتا طويلا واستنزف اموالا كان يمكن ان توجه لاغراض اخرى توجد على لائحة المنظمة الدولية, ففي اكثر من مناسبة اكد المجلس نفاد الصبر ازاء الارجاءات المتكررة لمواعيد الاستفتاء الذي كان مقررا ان يجرى في عام ,1991 وحتى الموعد الذي اقترحه عنان, أي ديسمبر ,1998 تم تأجيله الى العام المقبل لعدم معرفة العدد الحقيقي لسكان الصحراء بسبب تعثر عملية تحديد الهوية والخلاف المستمر بين المغرب والبوليساريو حيال الاحصاء الذي أجرته اسبانيا عام 1974 ابان احتلالها للصحراء والذي حدد العدد آنذاك بـ 74 الف نسمة. وكان عنان قد مهد لجولته المغاربية بالاعلان عن اقتراحات وفاقية لحمل هذه القضية, وقال انه سيمارس دورا تحكيميا لفض الخلاف معولا على ذلك بالحصول على موافقة الاطراف المعنية لدعم مقترحاته, أي المغرب والبوليساريو من جهة كونهما الطرفين الرئيسيين ثم الجزائر وموريتانيا باعتبارهما مراقبين ضمن خطة التسوية. ووفقا لمصادر متطابقة, فان الامين العام للأمم المتحدة وهو يختار تولي ملف الصحراء بنفسه, كان يراهن على الحصول على دعم لمقترحاته على مستويين, الاول: يتعلق بمعاودة عمليات تحديد الهوية مع تعهدات ملموسة لتنفيذ الاجراءات ذات الصلة بالمرحلة المقبلة, خصوصا عودة اللاجئين, والمستوى الثاني: يتعلق باستكناه موقف الجزائر وموريتانيا اللتين تؤويان اللاجئين ازاء تأمين ظروف عودتهم, لاسيما وان التقرير الاخير للأمين العام تحدث عن صعوبات تواجه المفوضية السامية للاجئين التي كانت قد احصت اكثر من30 الف لاجىء صحراوي في جنوب غرب الجزائر وحوالي 20 الفا آخرين في شمال موريتانيا. ويدرك عنان الارتباط الوثيق بين عملية تحديد الهوية ومعرفة اعداد اللاجئين الذين يرغبون في العودة الطوعية لاستكمال اعداد الصحراويين الذين تقول الامم المتحدة انها احصت منهم حتى الآن 141 الف شخص موزعين بين الاقاليم الصحراوية الخاضعة للسيادة المغربية وكل من تندوف وموريتانيا, لذلك رأى تقديم اقتراحات تخص الاتفاق على نشر قوائم من تم تحديد هويتهم لافساح المجال امام بدء الطعون, اضافة الى تنفيذ الاجراءات التي تسبق عودة اللاجئين, من حيث التسهيلات والموافقة على نشر قوات حفظ السلام. ومهما يكن من أمر, فان الامين العام للأمم المتحدة يدرك ايضا ان الخلفيات السياسية هي التي تتحكم في نزاع الصحراء اكثر من اي شيء آخر, ذلك انه ارتدى في كل فترة طابعا خاصا, اذ استخدم خلال مرحلة الحرب الباردة في سياق نزاع اقليمي بين المغرب والجزائر, بحكم تباين خياراتهما الايديولوجية وتزايد الاهتمام بالحركات اليسارية, لكنه عرف تطورا نوعيا بعد انفراج العلاقات المغربية ــ الجزائرية على عهد الرئيس الجزائري الاسبق الشاذلي بن جديد وهو ما قاد, في مرحلة لاحقة, الى تأسيس اتحاد المغرب العربي, قبل أن يعود هذا النزاع الى الواجهة اثر التطورات الدراماتيكية التي عرفتها الجزائر منذ استقالة بن جديد وحتى الآن. ويرى مراقبون ان على عنان ان يخوض غمار الخلفيات السياسية للنزاع, اذ ليس بكاف ان تعلن الاطراف المعنية عن التزامها تنفيذ خطة الامم المتحدة, ولأن ارادة الحل مطلوبة في السياق الاقليمي قبل ان تكون قرارا دوليا. وقد عبر الامين العام عن هذا التصور بالقول (ان نزاع الصحراء, ليس سهلا أو بسيطا, لأنه لو كان كذلك لجرى الاستفتاء) , ومن هنا كان تشديده وهو في مراكش, على (ضرورة تحلي اطراف النزاع بالارداة السياسية) , وتأكيده على أن (الأمم المتحدة لا تستطيع فرض الارادة اللازمة ولا الشجاعة لاتخاذ القرارات الصعبة ولا الوعي اللازم بين الاطراف بأن المصير المشترك يحتم صنع السلام الحقيقي) . الرباط ــ رضا الاعرجي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات