تقرير اخباري: بعد الفطور في أثينا والغداء بروما والعشاء بمدريد: طيارو العراق عصافير مسجونة في قفص الحصار

يعيش الطيار سعد الخفاجي حياة بائسة يبيع الملابس النسائية في متجر ببغداد بعد ان كان طيارا في الخطوط الجوية العراقية يتقاضى راتبا كبيرا . وقال الخفاجي (43 عاما) الذي تخرج عام 1976 من معهد لتدريب الطيارين في بريطانيا (كنت اتناول الافطار في اثينا والغداء في روما والعشاء في مدريد واشرب في لشبونة. كانت الحياة كالحلم, كان يمكنني زيارة اربع دول في يوم واحد) . ولكن العقوبات الصارمة التي تفرضها الامم المتحدة وتشمل حظر الطيران من العراق واليه قضت فعليا على اسلوب حياته السابق منذ ان دخلت الدبابات العراقية الكويت في الثاني من اغسطس عام 1990. ودفعه العوز لبيع الملابس لاطعام بناته الست. وانهار اسلوب حياة الخفاجي بسرعة شديدة حتى انه مازال لا يصدق ما حدث ويشعر انه في كابوس لا ينتهي. وقال (في البداية لم اكن اريد ان اشعر بناتي بالتغيير ولكن بعد فترة لم اتمكن من اخفائه) . في بادىء الامر باع قطعة ارض ثم انتقل من منزله المريح في منطقة الاعظمية الراقية الى شقة رخصية في حي صدام الشعبي. ثم باع احدى سياراته ثم كل شيء يملكه تقريبا. وقال (بعت جميع التحف والتذكارات التي جمعتها من ارجاء العالم المختلفة. بعت السجاد ومجوهرات زوجتي وسيارتي الفخمة واثاث بيتي الفاخر وما لدي من اجهزة موسيقى والفيديو وساعاتي الغالية. (كان لابد من بيعها لكي اعيش. الانحدار كان حادا بصورة لا يمكن تخيلها. كان حالي يتدهور كل ساعة وواصلنا الانحدار حتى ارتطمنا بالارض) . كان كل يوم يبدو اسوأ مما قبله. ابنته التي بلغت عامها الثاني معاقة بسبب المرض وسوء التغذية. وكلما احتاجت احدى ابنتيه الشابتين كتبا او ادوات لدراستهما الهندسة في جامعة بغداد اضطر الخفاجي لبيع قطعة اخرى من الاثاث لدفع ثمنها. ويقول (كنا نعيش حياة رغدة كان مستوى معيشتنا مرتفعا جدا ولكن هذا المستوى انقلب رأسا على عقب بسبب العقوبات واذا اردت الان اصطحاب زوجتي الى العشاء احتفالا بعيد زواجنا يجب ان اخطط لاسابيع لما سأبيعه لادعوها) . وعندما كان طيارا جاب الخفاجي العالم من الشرق الاقصى الى الولايات المتحدة وكان يتقاضى ثلاثة آلاف دولار في الشهر بالاضافة الى المكافات السخية, اما الان فيتقاضي عشرة الاف دينار (ستة دولارات) منها 5600 دينار من شركة الخطوط الجوية العراقية والباقي من عمله الجديد بالمتجر. وآخر مرة جلس فيها الخفاجي خلف اجهزة التحكم في طيارته البوينج 707 كانت في يونيو عام 1991 عندما اقل بطيارته 285 اسيرا عراقيا في رحلة خاصة من ايران اقرتها لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة. يقول انه يرغم نفسه على دراسة عملة السابق حتى لا ينساه ولكن اكثر ما يشغله هو كسب العيش. والى جانب مهانة السقوط في الفقر يشعر الخفاجي بمرارة فقد مستقبله الوظيفي الذي دمرته العقوبات. ويقول (من المحبط ان تكون طيارا لا تطير. منعت من التحليق باوامر من بريطانيا والولايات المتحدة) . ويضيف (أدرس بعض الوقت وادعو الله ان اطير مرة اخرى ولكنني انتظر وانتظر ولا شيء يحدث) . وافقرت العقوبات شعب العراق البالغ 22 مليون نسمة واضرت بصناعته وبنظم التعليم والرعاية الصحية التي كانت من قبل هدفا تسعى بقية دول العالم العربي لبلوغه. وقبل العقوبات كان العراقيون يتمتعون بثروة بلد عائداته النفطية 20 مليار دولار سنويا. اما الآن فيعيشون على حصص غذائية شهرية من الارز والسكر والزيت والشاي والصابون والمنظفات توزع بمقتضى اتفاق النفط مقابل الغذاء الموقع مع الامم المتحدة. ولا تكفي هذه الحصص لسد احتياجات افراد الشعب حتى ان البعض يحاول بيع دمه او كليته لانه لا يملك ما يبيعه. ويعيش الخفاجي على ذكريات الماضي ليتغلب على الحاضر الاليم. ويتصفح ألبوم صوره في عواصم العالم بشوق وحنين. يقول وهو يستعرض شهادات الطيران التي حصل عليها من العراق وبريطانيا وينظر الى زي الطيران الذي علاه التراب (الطيران احب شيء الى نفسي. انه في دمي وروحي, منعي من الطيران كحبس عصفور في قفص. قد تسمعه يغرد لكنه في واقع الامر يحتضر) . ومازال الخفاجي يأمل في العودة للطيران ولكنه لا يعرف متى يمكنه استئناف مستقبله المهني. ويقول (ننتظر الصباح لنصحو ونقول كان كابوسا) . ــ رويترز

تعليقات

تعليقات