نافذة: عناصر نجاح مجلس التعاون:بقلم-د. عبدالحميد الموافي

في الوقت الذي يشكل مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية اضافة هامة لمراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الخليج بوجه خاص وعلى المستوى العربي بوجه عام , فإن الندوة المخصصة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تمثل بمحاورها اسهاماً طيباً آخر يضاف الى الاسهامات المميزة للمركز منذ انشائه. ومع الوضع في الاعتبار حجم التوقعات الكبيرة على مستوى الشارع الخليجي من ناحية, ومجمل الظروف التي صاحبت انشاء المجلس في عام 1981 وعلى امتداد السنوات الماضية من ناحية ثانية فإن من ابرز ماتميز به مجلس التعاون كمنظمة اقليمية دولية تضم دول الخليج العربية هو انه استطاع ان يبلور موقفاً ورؤية اكثر وضوحاً وتحديداً وتماسكاً لدوله الست ازاء العديد من التطورات الخليجية والعربية وعلى نحو بات من الضروري لمختلف القوى والاطراف الاقليمية والدولية التعامل معها او وضعها في الاعتبار عند حساب ما يجري من تطورات في هذه المنطقة الحيوية بغض النظر عن درجة الاختلاف في التفاصيل بين دولة او اخرى من اعضائه. واذا كانت فعالية المنظمة الدولية هي حصيلة تفاعل مجموعة كبيرة من العوامل والمؤثرات المرتبطة بالبيئة التي تعمل فيها المنظمة ومواقف الدول الاعضاء ورؤيتها لها وقدرتها على تحويل المنظمة الى كيان نشط يملك القدرة على التكيف مع التحديات التي يواجهها مع خلق وتوسيع حجم المصالح المتبادلة بين اعضائه الى الحد الذي يدفعها الى العمل من خلاله والتمسك به تحقيقاً لمصالحها الفردية والجماعية, فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن مجلس التعاون قد امتلك عدداً لا بأس به من هذه العوامل والمؤثرات مما ادى ليس فقط الى استمراره ونموه برغم خطورة المشكلات التي تعرضت وتتعرض لها منطقة الخليج ولكن ايضاً الى تحقيقه لعدد من الخطوات تنعكس بشكل متزايد على الاوضاع في المنطقة والعلاقات بين الدول الاعضاء سواء على المستوى الرسمي او الشعبي. ونظراً لانه من غير الممكن في هذا المجال الاشارة الى مجمل تلك العوامل والمؤثرات, فإنه يمكن الحديث عن اربعة عناصر منها تحتل اهمية خاصة وتشكل قاعدة تنطلق منها وترتكز عليها حركة المجلس وهذه العوامل هي: اولاً: مبدأ المساواة: وبالرغم من ان هذا المبدأ هو من المبادىء المعروفة والمستقرة في التنظيم والقانون الدوليين, الا ان دول المجلس حرصت ومنذ البداية على تعميق هذا المبد وترجمته في تعاملها داخل المجلس وفي اجهزته المختلفة, فبغض النظر عن التفاوت بين الدول الاعضاء في المساحة او عدد السكان او الموارد الا انها التقت على ان تكون انصبتها في موازنة المجلس متساوية, وان تتخذ قرارات المجلس الوزاري والمجلس الاعلى بالاجماع واجماع الدول الحاضرة المشتركة في التصويت ومن ثم تشعر كل دولة عضو بقدرتها على العمل من داخل المجلس خاصة وان طبيعة العلاقات بينها هي من العمق والتقارب الى الحد الذي كل الدول الست حريصة على نمو المجلس ودفعه وتقوية دوره عبر السعي الى تحقيق التوافق فيما بينها بشكل دائم. ثانياً: تداول المناصب الرئيسية: وفي هذا المجال حرصت دول المجلس على ان تكون مدة الامين العام لمجلس التعاون ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة (المادة 14 من النظام الاساسي) وفي قمة مسقط السادسة عشرة في عام 1995 تم اقرار مبدأ تداول المناصب الرئيسية للامانة العامة لمجلس التعاون بين الدول الاعضاء ووفقاً لترتيب الدول الاعضاء وعلى نحو اتاح الفرصة لتولي ابناء الدول المختلفة لتلك المناصب مع تجنب ما يصاحب ذلك في المنظمات الاخرى من منافسات او تكتيكات او غيرها وهو امر يدعم الامانة العامة للمجلس عبر مشاركة مختلف دول المجلس في شغل مناصبها الرئيسية وغير الرئيسية. ثالثاً: العضوية وبالنسبة لهذه النقطة فإن دول المجلس كانت واضحة كذلك في تحديدها لعضوية المجلس عبر المادة الخاصة من النظام الاساسي والتي نصت على ان يتكون مجلس التعاون من الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية في الرياض بتاريخ 4/2/1981 ومن ثم اغلقت الدول الاعضاء باباً مهماً خاصة وان النظام الاساسي لم يتضمن في مواده الاخرى اية اشارة الى ما يتصل بعضوية المجلس وهو امر يرتبط برؤية دول المجلس له ولدوره ولعلاقاتها المتميزة وما يربط بينها من وشائج وصلات, وحتى الآن على الاقل حافظ المجلس على ذلك. رابعاً المرونة: والمقصود بها ان دول مجلس التعاون في عملها وحركتها من خلال المجلس حرصت على ان يكون موقفها الجماعي عبر قمم المجلس دافعاً لها وقادراً على استيعاب ظروفها الفردية والجماعية وبشكل يسمح لها بالعمل في الاطار الجماعي على نحو او آخر بما يتماشى مع الاهداف الجماعية لها, وكان انشاء الهيئة الاستشارية للمجلس الاعلى لمجلس التعاون التي عقدت اولى دوراتها في الكويت مؤخراً خطوة بارزة على هذا الطريق عبر التطوير التدريجي لآلية عمل المجلس والاقتراب بها اكثر لملامسة ما يجري في الشارع الخليجي. يضاف الى ذلك ان المجلس وعبر مرونته, استطاع ان يدخل في شبكة واسعة من العلاقات سواء مع الجامعة العربية او المنظمات والتجمعات الدولية الاخرى من ناحية, كما تمكن من تطوير ادائه في عدة مجالات وفقاً لطبيعة التطورات في الخليج والمنطقة العربية من ناحية ثانية والامثلة في هذا المجال عديدة ومتنوعة. واذا كان اداء مجلس التعاون يظل في حاجة الى مزيد من الوقت ليبلور نتائج كبيرة ملموسة على مستوى الحياة اليومية فمن المؤكد انه يملك القدرة على الوصول الى ذلك عبر العناصر المشار اليها خاصة وان السنوات الماضية خلقت ورسخت ما يمكن تسميته بالرؤية الخليجية المشتركة. اما النظر بتشاؤم او القيام بمقارنات تعسفية مع الاتحاد الاوروبي الذي بدأ عمله قبل 41 عاماً فإنه بالتأكيد ليس صحيحاً لاسباب عديدة.

تعليقات

تعليقات