الأزمة العراقية الامريكية: مجرد حلقة أم نهاية لمسلسل؟بقلم- د. الحسان بوقنطار

لقد تنفس العالم الصعداء بعد إعلان العراق عن السماح مجددا لمفتشي مراقبة اسلحة الدمار الشامل التابعين للجنة اونسكوم بمعاودة نشاطهم في البلاد . ولم يكن هذا القرار مفاجئا, فقد كان القادة العراقيون يدركون ان الولايات المتحدة مصرة على توجيه ضربة لاعتبارات داخلية وخارجية, لكن في نفس الوقت, فانهم يعرفون ان افتعال مثل هذه الازمات, وابقاءها في مستوى معين, يشكل احدى الوسائل لاثارة اهتمام الدول بهذا التعسف الذي يواجهه الشعب العراقي, وبالاصرار الامريكي على ادامة هذا الحصار الى ما لا نهاية فقد افضى ذلك الى تجريد الولايات المتحدة من احدى الذرائع التي كانت تستند اليها لشن عدوان على الشعب العراقي الذي يعاني منذ تسع سنوات من الحصار, والذي يخلف يوميا المئات من الضحايا الابرياء. لكن تجاوز هذه الازمة لا يعني اغلاق هذا الملف, بل ان الامر لا يعني سوى تأجيل المواجهة, ما لم يتم معالجة الشأن العراقي بأسلوب جديد يطرح كافة القضايا المرتبطة به. لقد نجحت هذه الازمة من جديد في اثارة الاهتمام بقضايا, ظلت مطروحة منذ اندلاع ازمة الخليج. فمن جهة, اعادت هذه الازمة الى الواجهة التساؤل الكلاسيكي, وهو هل الازمة بين العراق والامم المتحدة أم أنها أزمة عراقية امريكية؟ وفي احسن الاحوال أزمة عراقية انجلوساكسونية. ان كل المعطيات تبين ان الامم المتحدة تواجه صعوبات جمة في تدبير هذا الملف بشكل يمكنها من المحافظة على المصداقية اللازمة, فالولايات المتحدة تستغل ادنى هفوة عراقية للتصعيد, ولحشد قواتها في المنطقة مساندة من طرف بريطانيا في الوقت الذي غالبا ما تفضل الدول الاخرى اسلوب التفاوض لحل هذه الازمة وللمرة الثانية بينت دبلوماسية الامم المتحدة فعاليتها في هذا المجال فقد تمكن الامين العام في فبراير الماضي خلال زيارته الاخيرة الى بغداد من فك فتيل المواجهة بعد الاتفاق مع العراقيين على برنامج قد يفضي الى تجاوز الحصار. وانطلاقا من رسالته التي وجهها مؤخرا, فقد استجابت العراق, الامر الذي سمح بتجاوز هذه الازمة, وفوت على الولايات المتحدة فرصة استعراض عضلاتها ضد العراق لكن السؤال المطروح على ضوء هذه الازمة يبقى معلقا: هل ستفلح الامم المتحدة في الاستجابة للمطالب العراقية في هذا المجال؟ ويتعلق الامر اساسا باعادة النظر في تركيب لجنة الاونيسكوم من خلال تغيير بعض اعضائها الذين ثبت انهم لا يترددون في التجسس لصالح قوى معارضة, ومناهضة للمصالح العربية. الامر الذي يطرح مسألة اخلاقية داخل الامم المتحدة تتعلق بمدى نزاهة الطاقم الذي تعتمد عليه الامم المتحدة في تطبيق قراراتها, وكذلك هل سيتمكن العراق من رؤية النور في هذا النفق الذي استمر اكثر من اللازم؟ في الواقع, هناك شكوك تحوم حول قدرة الامم المتحدة في التصرف باستقلالية. فلجنة الانسكوم تبدو, وكأنها لا تتلقى التعليمات فقط من مجلس الامن بل من مصادر اخرى, وهو الامر الذي يجعل تقريرها الذي قد يفضي الى رفع العقوبات حسب الفقرة 22 من القرار 687 قد يطول, وقد يبقى مرتبطا بالضوء الاخضر الأمريكي. لقد اعتبر الناطق باسم رئيس اللجنة باتلر, انه لازال امام اللجنة عمل كثير ومهم يتعين اتمامه سواء على مستوى مجال نزع الاسلحة, او مهمة المراقبة, وهذا يجعل التساؤل مشروعا حول ما اذا لم تكن هذه الازمة الا حلقة من مسلسل ازمات اخرى, طالما أن العلاقات بين العراق والامم المتحدة يشوبها مثل هذا الغموض فلحد الساعة يتساءل عما اذا لم يكن ثماني سنوات كافية لتفكيك اسلحة الدمار الشامل التي يتوفر عليها العراق, وما هي الخطوات التي قطعتها هذه اللجنة في عملها وماذا يبقى عليها ان تفعله. ان غياب الشفافية, وتواتر الازمات يجعل انه في نهاية المطاف لا يمكن للملاحظ ان يشكل موقفا واضحا حول هذا الموضوع. على مستوى اخر, تطرح هذه الازمة من جديد اهداف الولايات المتحدة من هذا التشدد والتصلب الذي تظهره في تعاملها مع العراق, في الوقت الذي لا نتلمسه في حالات اخرى, هل كانت هذه الضربة المحتملة, تتوخى فقط دفع النظام العراقي الى السماح من جديد لمفتشي الامم المتحدة بالقيام بعملهم, ام أكثر من ذلك, فانها كانت تستهدف, كما يدعي بعض المحللين خلق المناخ الملائم للقضاء على النظام العراقي. لقد بدأت الولايات المتحدة منذ ايام تتحدث بشكل مفتوح عن ارادتها في اسقاط النظام من خلال تصويت الكونجرس الامريكي على مساعدات تقدر بــ 100 مليون دولار للمعارضة العراقية, وكذلك انشاء اذاعة تبث من جمهورية التشيك لمناهضة النظام العراقي. وبصرف النظر عن خرق هذا القرار للقانون الدولي, وللشرعية الدولية التي تقوم على منع التدخل في شؤون الدول, فانه يطرح اشكالات متعددة قد لا تستطيع الولايات المتحدة تدبيرها, فمن جهة, فان كل زعزعة للاستقرار في العراق بدون بديل مقبول قد يؤدي الى تجزئة العراق. وهو الامر الذي لا يعني العراق فقط, بل قد يدخل المنطقة كلها في دوامة الاضطراب, وثانيا ان المعارضة التي تتحدث عنها الولايات المتحدة مجزأة ومفتتة وضعيفة وبدون مصداقية فأية معارضة هذه تقبل على نفسها ان تكون صنيعة وأداة في يد قوة اجنبية؟ علاوة على ذلك, فان الشعب العراقي الذي يحمل الولايات المتحدة مسؤولية معاناته لا يمكن ان يقبل البديل الذي تقدمه هذه الدولة. واستراتيجيا, يظهر ان السياسة الامريكية ازاء المنطقة كلها لم تستطع بلورة تصور واضح للاهداف التي تروم تحقيقها. واخطر من ذلك, فانها لا تتردد في الكيل بالمكيالين. ففي الوقت الذي قامت بمهاجمة معمل الشفاء في السودان على انه منتج للاسلحة الكيماوية والبيولوجية, وتصر على تفكيك القدرات العراقية في هذا المجال, فانها لا تفعل اي شيء بالنسبة لاسرائيل التي تتراكم الدلائل على أنها تملك ترسانة من الاسلحة البيولوجية والنووية. بل اكثر من ذلك, وحسب التقارير الصحفية التي نشرتها مصادر مختلفة, فان اسرائيل بصدد انتاج اسلحة عنصرية او عرقية تستهدف الحاق الضرر بالاجهزة التناسلية للعرب فقط. فأين هذه الرقابة التي ينبغي ان تنصب على كافة الدول؟ واين وحدة المعايير الدولية في التعامل بنفس المكيال؟ اخيرا, ان هذه الازمة تطرح مجددا الموقف العربي من هذا الملف. فصحيح ان الدول العربية لم تستسغ الخيار العسكري الانجلوساكسوني, ودعت الى اعطاء الطرق الدبلوماسية مزيدا من الحظ, مدركة ان الشعوب العربية لا تشاطر هذا التشدد الامريكي, الا انه ينبغي الاقرار ان المنظور العربي لحد الساعة لم يخرج من العموميات, والمتمثلة في التأكيد على التزام العراق بالشرعية الدولية, والعمل على رفع هذا الحصار الجائر الذي يضر بالشعب العراقي بالاساس, دون ان تبلور اية بادرة ملموسة في هذا الصدد, فهل يرجع ذلك الى ادراك الطرف العربي ان الولايات المتحدة وحدها تملك مفاتيح هذا الملف, ام يعود الى التناقضات الموجودة في الصف العربي, حيث ترفض بعض الأطراف فكرة المصالحة العربية, والتي دافع عنها بعض القادة العرب. ان المسؤولية العربية تظل اساسية. ومن المطلوب عربيا ان يتم التفكير في نوع من التسوية التي يمكن ان تسمح بازالة العقوبات, مع مسلسل للاصلاح السياسي في العراق يمكن من ادماج كافة القوى السياسية, ومعالجة جملة القضايا التي تواجه العراق. ان تحركا عربيا في هذا المنحى قد يعطي للنظام العربي مصداقية, وفي نفس الوقت قد يجرد الولايات المتحدة من محاولة استئثارها بتدبير هذا الملف. استاذ العلاقات الدولية, كلية الحقوق, جامعة محمد الخامس, الرباط*

تعليقات

تعليقات