الأزمات العراقية الأمريكية من منظور مقارن: هل هناك توافق ودي بين بغداد وواشنطن: بقلم ــ محمد خالد الأزعر

من وجهة نظر البعض, باتت الأزمات العراقية الأمريكية تأخذ طابع الدورية الى حد الملل. ومرد هذا التقدير, تشابه البدايات والنهايات والديناميات الداخلية لهذه الأزمات, علاوة على انتظامها الزمني, حيث تتراوح المسافة الفاصلة بين الواحدة والتي تليها ما بين ستة أشهر وعام . وبسبب هذه الخواص, يعتقد هؤلاء أنه قد يأتي الوقت الذي لن يلتفت فيه أحد الى مثل هذه الأزمات.. بل وبين المتابعين من يذهب الى قناعة ـ لا ندري مدى جدية طرحها لديهم ــ مفادها أن تكرارية الأزمات وصيرورتها, قد تكون من فعل توافق ضمني (ودي!؟) بين بغداد وواشنطن. وبمقتضى هذا التوافق, تقوم بغداد بتصعيد أزمة معينة, وترد عليها واشنطن بحملة تهديدات عسكرية وتحركات صورية.. ولا تنفرج الأمور إلا بعد أن تكون قوى عربية مهتمة قد أوفت بتكاليف الحملة الأمريكية وبذلك يحدث استنزاف لموارد هذه القوى. وعندما يسأل أصحاب هذا السيناريو شبه الخيالي عن مكاسب بغداد طبقاً لتحليلهم, يرون أنها تنتقم من المحرضين على استمرار حصارها وعزلها عن طريق ابتزاز خزائنهم وإهدار مواردهم وإدخالهم في دائرة القلق وعدم الاستقرار كل فترة وأخرى. بما من شأنه اجبارهم ذات حين على الانضمام لطائفة العاطفين على حلول غير عسكرية لأزمتهم مع العراق, الساعين عن مصلحة في الإفراج عنها. والواقع أن تكرارية الأزمات ظاهرة ملحوظة وصحيحة, لكن تعليلها على النحو الدرامي المشار اليه, ينطوي على إيغال في السطحية. واعتقادنا أن لكل أزمة منها خصائصها الذاتية رغم ما يجمعها مع سوابقها من عناصر تماثل. وعلى سبيل التوضيح, نلاحظ أن عام 1998 شهد أزمتين كبيرتين, أولهما في فبراير وثانيتهما في نوفمبر. وقد كانت الأطراف المعنية بهما هي تقريبا: العراق والولايات المتحدة والأمم المتحدة ولجنة التفتيش الدولية (اونسكوم) أساساً, ثم الدول المنشغلة بحال العراق عموماً وتداعيات أزماته كبقية أعضاء مجلس الأمن, والدول العربية والاسلامية والرأى العام الدولي والعربي بدرجات متفاوتة.. وفي الوقت نفسه, فقد كانت أسباب الأزمتين جد متشابهة: شكوى العراق من سلوك رئيس لجنة التفتيش ووقاحة كثير من أعضائها الأمريكيين, وإبداء الرغبة في وضع حد زمني لأعمال اللجنة فيما عرف بايجاد ضوء في نهاية النفق. وتصدي الولايات المتحدة وتابعتها بريطانيا للسلوك العراقي والقول بضرورة انصياعه لمطالب اللجنة وقرارات مجلس الأمن وتعاونه الفاعل في هذا الاطار, وتكذيب طروحات بغداد وتقاريرها عن موقفها من أسلحة الدمار الشامل وعن اتهاماتها لأعضاء اللجنة بالتجسس والخروج عن المهمة الدولية المنوطة بهم. كذلك, فان الأزمتين انتهتا على نحو قريب الشبه.. فقد تراجعت بغداد عن قرارها بوقف التعامل مع لجنة التفتيش في الأزمتين. وتراجعت الولايات المتحدة وبريطانيا عن الخيار العسكري في اللحظة الأخيرة, وكانت مداخلة الأمم المتحدة, لاسيما أمينها العام, ملموسة في المرتين وصولاً الى تحقيق الانفراج. على أن هذا التماثل الظاهري في أسباب الأزمتين وأطرافهما ومسارهما نحو الانفراج, لا يحول دون وجود فوارق دقيقة بينهما.. منها دون حصر: * أن ردود الفعل الدولية أبدت في أزمة نوفمبر الأخيرة درجة واضحة من الفتور في مساندة الجانب العراقي. ويهمنا هنا ملاحظة إصرار بكين وموسكو وباريس على استمرار تعاون العراق دون قيد مع لجنة التفتيش, برغم البراهين المشفوعة باعترافات بعض أعضاء اللجنة على مخالفتهم للمهمة المنوطة بها وضلوعهم في أعمال تجسسية لصالح اسرائيل. وقد كان بالإمكان, التأكيد على صحة دعاوي العراق ضد سلوك اللجنة وتقريع أعضائها وضرورة تنقيتها من العناصر التي ثبتت نواياها التجسسية وخروجها عن مهمتها الدولية. * أن مداخلة الأمين العام للأمم المتحدة كانت بدورها أقل حماساً الى جانب الخطاب العراقي في أزمة نوفمبر مقارنة بأزمة فبراير. وينبغي أن تؤخذ بعين الجبرية تصريحاته بأنه قد لا يكون للدبلوماسية مكاناً في حال تكررت الأزمة لاحقاً. ويعني ذلك فتح الباب او مواربته أمام الطموح الأمريكي البريطاني في التصرف العسكري بلا استئذان ولا سابق انذار في المرة المقبلة, ولا ضمانة هنا بأن لا تلجأ الدولتين الى افتعال الأزمة المقبلة وتطبيق هذا الطموح. * لم يصدر وعد صريح عن مجلس الأمن ولا عن أعضائه العاطفين على الحل السلمي للأزمة العراقية, بأن يجري النظر الجدي في موعد نهائي لعمليات الأمم المتحدة (التفتيش) في العراق وبكلمات اخرى, لم يخرج الطرف العراقي بجديد يعني تحريك قضيته الى الامام وبيان نهاية النفق. ولا يكفي في هذا الاطار ان يجري التذكير بمذكرة فبراير للتفاهم بين الأمين العام للأمم المتحدة والحكومة العراقية.. * بدت الحكومتين الأمريكية والبريطانية في أزمة نوفمبر وكأنهما يتمتعان بتفويض اقوى من الرأي العام الداخلي. علينا ان نتذكر في هذا المقام, كيف كان الرأى العام الامريكي والبريطاني اقرب الى موقف الرفض للخيار العسكري في فبراير الماضي. وربما جاز القول بان الرأي العام الاوروبي فضلا عن المواقف الرسمية لدول الاتحاد الاوروبي, كانت جميعها اميل في أزمة فبراير الى نبذ السلوك البريطاني الشاذ في الاستتباع لواشنطن.. الأمر الذي لم يبرز في الأزمة الأخيرة. * اظهرت المواقف العربية الرسمية شيئا كثيرا من الضبابية والهيولية في مساندتها للطرح العراقي, ولعل هذه الملحوظة هي الأهم فيما يتصل بالفارق الدقيق بين حيثيات أزمتي فبراير ونوفمبر. ففي فبراير, رفضت الدول العربية بالاجماع تقريباً وجهة النظر الامريكية والمبررات المزجاة تمهيداً للخيار العسكري.. وعززت هذه الدول موقفها بمطالب صريحة تتعلق بصحة المطلب العراقي حول اعادة النظر في مسار عمليات التفتيش وتحديد اجل لرفع الحصار عن الشعب العراقي. لقد كان الموقف الرسمي العربي عموماً أكثر دفئاً في مشاعره مع الجانب العراقي.. الأمر الذي انعكس على صعيد الرأي العام, حيث لوحظ وجود هامش سماح واسع للتعبير عن المشاعر العروبية ورفض الغطرسة الأمريكية وإزدواجية المعايير المعمول بها في الحالتين العراقية والاسرائيلية. اما في نوفمبر, فقد لا يكون من المبالغة القول بغياب هذه المشاعر الرسمية.. كيف لا وقد سارعت قوى عربية بالقاء اللائمة على بغداد في حدوث الأزمة وتحميلها مسؤولية تداعياتها.. التي لا تعني غير الخيار العسكري الامريكي البريطاني؟ اكثر من ذلك, أن المواقف العربية لم تلتفت الى ما ينطوى عليه الاستهتار بغلو السياسة الأمريكية في مطالبها من العراق في الأزمة الأخيرة, والإعلان عن اتجاهها مستقبلاً للعمل المنفرد المسلح ضدها بغض النظر عن موقف المجتمع الدولي والأمم المتحدة. فمثل هذه السياسة تعني ان العرب غير مهتمين في حقيقة الأمر بقضية الشرعية الدولية. وان مواقفهم يمكن ان تنتقل الى رحاب اخرى, غير التذرع بهذه الشرعية والانصياع لها. ولن تكون هذه الرحاب غير السياسة الأمريكية المنفردة ضد العراق. ومن المثير للدهشة, أن الخطاب الرسمي العربي لم يتوقف في كثير أو قليل أمام الطرح العراقي ولم يبحث في صحة جانب من هذا الطرح, لاسيما ما يتعلق منه بوقاحة أعضاء لجنة التفتيش. والحال كذلك, بدا العراق وكأنه يعزف منفردا بلا أية أصداء عربية لخطابه وطروحاته. ولكن ما الذي يستفاد من هذه الرؤية المقارنة؟.. تقديرنا ان الطرف الامريكي البريطاني سيوغل في لجاجته ضد العراق, وأنه أصبح أكثر حرية في ممارسة سياسته العراقية في سياق أية أزمة مقبلة.. وقد يفتعل هذه الأزمة عما قريب ويقدم على خياراته العسكرية بلا وازع دولي أو عربي يحسب حسابه. ومن ناحية أخرى, قد تذهب بناء على هذه المعطيات الى أنه لا يوجد أفق قريب للإفراج عن العراق, ولعلنا ندرك الآن أن الولايات المتحدة وشريكها البريطاني ـ والاسرائيلي من باب اولى ـ تطمح الى تعجيز جيل كامل من الشعب العراقي وليس فقط التخلص من عناصر قوته المادية والعسكرية. ان حصاراً يمتد الى هذه المسافة الزمنية, بكل تداعياته على العنصر البشري, سيترك ندوباً لا تندمل بسهولة في قدرات العراق الحقيقية, التي محورها هذا العنصر. وتقديرنا ايضا, ان جروح النفس العراقية من ظلامة ذوي القربى العرب, سيكون لها فعل القطيعة ان استمرت المواقف العربية الحالية.. نقول ذلك وفي الذاكرة القريبة, ان المرارات من المواقف العربية المتردية رفعت شطراً من الفلسطينيين الى أوسلو وتوابعها, ودفعت القيادة الليبية الى خيار افريقيا المجهول, ودفعت شطراً من المجتمع الجزائري الى الخيار الفرنسي.. ولا نعلم يقينا الى اي خيار ستقود هذه المرارات أبناء العراق.. كلهم أو بعضهم. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة

تعليقات

تعليقات