المعارضة العراقية ومؤشرات التغيير المنتظر: بقلم- ناجي الحرازي

ماتزال أزمة العراق مع مجلس الأمن الدولي, أو كما يعتقد البعض مع الولايات المتحدة الأمريكية, مستمرة بالرغم من انخفاض حدتها عقب التصعيد الأخير , عندما امتنع العراق عن التعاون مع لجنة المفتشين الدوليين المعروفة بــ (اونسكوم) وهددت أمريكا وبريطانيا بضرب العراق, فتراجع بغداد عن عدم تعاونها مع اللجنة الدولية وإن أعاق توجيه الضربة الأمريكية ــ البريطانية إلا أنه لم يؤد بعد إلى تخفيف حدة التوتر في المنطقة بشكل كامل أو إلى ظهور بوادر أمل تبشر برفع العقوبات الإقتصادية والحصار المفروض على العراق. وفي هذا الصدد تتفق المصادر البريطانية مع الأمريكية في أن النظام العراقي هو وحده صاحب القرار النهائي في رفع الحصار عن الشعب العراقي أو استمراره. وتعتبر هذه المصادر إنه ما لم يثبت العراق عمليا التزامه بتعهداته المتعلقة بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية ويمتثل لقرارات مجلس الأمن الدولي ويتوقف عن تهديد جيرانه ثم يقر باعترافه للسيادة الكويتية ويفصح عن مصير الأسرى والمفقودين الكويتيين منذ حرب تحرير الكويت, فإن العقوبات الاقتصادية والحصار سيستمران. وتستبعد المصادر البريطانية أن تعجل الأزمات المتتالية في وضع حد للحصار المفروض على العراق لاعتبارات عديدة ابرزها ان رفع الحصار يستلزم أن يستبدل النظام العراقي الحالي نهجه العدواني واصراره على المواجهة بسياسة مرنة لا تثير الشكوك. وإن حدث ذلك فلن يصبح بإمكان الأطراف المعادية للعراق ان تجد ذريعة تلو أخرى تبرر مواقفها, بل ستجد نفسها مضطرة حتى للتعامل مع الحكومة الحالية ايضا. اما تكرار افتعال الأزمات او اللجوء الى سياسة تحريك الأزمة فتعتبره بعض المصادر عاملا مساعدا في إطالة أمد العقوبات والحصار وبالتالي إطالة أمد معاناة الشعب العراقي, طالما وأن موقف النظام من القضايا المذكورة آنفا لم يتغير. ويرى بعض المراقبين إن واحدة من مشاكل النظام العراقي الحالي هي إنه لم يتمكن حتى من اقناع المتعاطفين معه أو مناصريه (من العرب وغيرهم) من أنه ضحية لأمريكا وبريطانيا مثلا. وخلال الأزمة الأخيرة لم تتبنى دولة بعينها الدعوة لرفع العقوبات والحصار عن العراق دون مطالبة النظام العراقي بالالتزام بتعهداته وتنفيذ القرارات الدولية. حتى وإن طرح البعض قضايا جانبية مثل ازدواجية القرارات الدولية والموقف الأمريكي منها وغير ذلك, فإنهم لم يتبنوا صراحة الموقف العراقي برمته أو يطالبوا مجلس الأمن والمجتمع الدولي برفع الحصار ووضع حد لمعاناة الشعب العراقي دون الاشارة إلى أهمية التزام الحكومة العراقية بالقرارات الدولية. ويرى بعض المراقبين إن تبني الولايات المتحدة وبريطانيا وبشكل علني هذه الأيام لمسألة تغيير نظام الحكم في العراق بدعم فصائل المعارضة العراقية أو بغير ذلك من الأساليب, يعد مؤشراً جديداً في الأزمة. فحتى لو أثبت النظام العراقي الحالي التزامه بتعهداته وبتنفيذ القرارات الدولية فسيكون عليه مواجهة مسألة التغيير أو حقوق الإنسان وغيرها من الملفات التي ماتزال سرية حتى اليوم. وذلك يعني أن فصول المأساة العراقية ستتواصل إلى أمد غير قريب كما تشير الدلائل. وفيما يتعلق بموقع المعارضة العراقية أو الموقف العربي عموما ثم مواقف روسيا وفرنسا والصين من الأزمة العراقية, ترى المصادر البريطانية إنه من الحكمة دراسة كل من هذه المواقف على حدة. فإذا ما تحدثنا عن المعارضة العراقية فإنها تبدو مشتتة وإن أجمعت على أهمية تغيير النظام الحاكم في بغداد وعلى إحداث تعديل جذري في النظام السياسي العراقي. وإذا ما كان لهذه المعارضة المشتتة أن تتوحد ويلتئم شملها فلابد أن يجمعها سقف مشترك لكي تعمل معا على احداث التغيير المطلوب في الشارع العراقي أولا وقبل كل شيء. لأنه بدون توفر القاعدة الشعبية المساندة للتغيير وبشكل واضح فإن علينا أن لا نتوقع تأثيرا يذكر للمعارضة. سواء حصلت على دعم خارجي أم اعتمدت على نفسها. اما بالنسبة للموقف العربي فتعتبر المصادر البريطانية انه وعلى الرغم من تبني جامعة الدول العربية موقفا يمكن اعتباره مساندا للعراق إلا أن مواقف الحكومات العربية ــ كلا على حدة ــ من الأزمة العراقية هي الأخرى مازالت غامضة أو غير واضحة سواء للرأي العام العربي أم العالمي. ويبدو, كما ألمح عدد من المراقبين البريطانيين, ان هذه الحكومات العربية, وخاصة المؤثرة او التي تربطها علاقات متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا, لا تريد أن تحمل نفسها تبعات موقف ثابت لا يتغير وانها تفضل عدم التصدي للتيار السائد. فهي تريد الضغط على الحكومة العراقية دون أن يلحق ذلك أي أذى بالشعب العراقي. وتربط هذه المصادر بين انشغال دول المنطقة بقضاياها الداخلية وبالعديد من قضايا الساعة الأخرى كالسلام الاسرائيلي الفلسطيني والأزمة الليبية وغيرها وبين عدم تمكن هذه الدول من تبني سياسة واضحة من الأزمة العراقية ومن مستقبل المنطقة عموما. ويؤثر في هذا سياسة الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه المنطقة عموما وتجاه كل قضية على حدة. اما المواقف الروسية والفرنسية والصينية من الأزمة العراقية وتأثيرها على قرارات مجلس الأمن وعلى الموقف الأمريكي والبريطاني, فترى المصادر البريطانية إن هذه الدول وإن لم تؤيد الموقف الأمريكي البريطاني بشكل علني, فإنها لم تعارضه تماما. والدليل على ذلك إن واحدة منها لم تستخدم أو حتى تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن وهي تدافع عن الموقف العراقي أو تتبناه كما يطرح البعض. فمصالح الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن العليا مترابطة ومتشابكة إلى حد كبير حتى وإن تباينت مواقفها تجاه بعض القضايا. على ان رعاية الحكومة البريطانية لاجتماع ضم زعماء فصائل المعارضة العراقية المتواجدين في لندن يوم الاثنين (23 نوفمبر) الحالي, والاعلان عن ذلك الاجتماع جاءت تأكيدا لما يعتبره بعض المراقبين مؤشرا جديدا في أزمة العراق ومجلس الأمن والولايات المتحدة. فللمرة الأولى تعلن لندن صراحة إنها تتمنى من المعارضة العراقية العمل على تحريك الرأي العام العراقي في الداخل لإحداث التغيير المنتظر. وهذا يعني إن النظام العراقي الحالي وإن تمكن من حسم قضية أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيماوية والبيولوجية مع اللجنة الدولية, فإن أزمته ستستمر في اتجاهات أخرى تتبناها الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول المعادية لنظام الرئيس صدام حسين.

تعليقات

تعليقات