الأسباب الاربعة للحصار والهيمنة: غطرسة أمريكا من رعد الصحراء الى زفرات أطفال العراق: بقلم- عبدالحليم سيف

ما يكاد الحديث الملتهب يخفت حول مسار الأزمة العراقية واليونسكوم بكل تفاعلاتها وتطوراتها الدراماتيكية .. أو.. ما عرف اصطلاحاً بلعبة (الكر والفر) بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس العراقي صدام حسين حتى تعود المسألة العراقية الى الواجهة الساخنة فتكفهر أجواء المنطقة العربية من جديد وسط صخب اعلامي لا ينقطع. يختلط ويتداخل باصوات (رعد الصحراء) المنبعثة من الأساطيل العسكرية غير التقليدية الضخمة والسابحة في مياه الخليج في وضع لا يبعث بالتأكيد على التفاؤل بقرب اتقشاع الغمة بقدر ما يضاعف من حدة الأزمة واستمرارها ساخنة ومتفاقمة ومفتوحة على هكذا خيار وحتى اشعار آخر مما يعيد الى الأذهان صورة المشهد الكارثي (لعاصفة الصحراء) بعد الثاني من اغسطس 1990. وفي هذا الاطار المتشح بسواد الواقع العربي وغطرسة سيدة النظام العالمي الجديد تبدو (ازمة نوفمبر 98) بين العراق واليونسكوم.. بل.. قل.. بين.. بغداد وواشنطن قائمة ومرشحة لما هو اخطر في اي لحظة ولأي عذر او سبب كان خاصة مثل تلك التي يستذكرها بين حين واخر المستر ريتشارد باتلر الذي يتخذ من الدوائر الاستخبارية في الولايات المتحدة او في اسرائيل مرجعاً لما ينبغي ان يقوله او يفعله.. وهكذا.. فبين انحسار الأزمة الاخيرة وتراجع شبح الحرب مؤقتا بانتزاع (صاعق) الانفجار المدمر في الــ 17 من شهر نوفمبر الحالي وتراجع العراق بشكل مفاجئ عن قراره السابق بالتأكيد على استئناف التعاون مع لجان التفتيش الدولية (بدون قيود أو شروط) وبالمقابل تراجع الرئيس.. نقول على الرغم من كل هذا الانفراج وتنفس العالم الصعداء بعودة لجان التفتيش لمواصلة مهامها في بغداد ترصد تحركاتها مع كل همسات الشعب العراقي الكاميرات التلفزيونية وكذا الاقمار الصناعية السابحة بالفضاء العربي الباحثة عما يسمى بأسلحة الدمار الشامل العراقية فان ظلال الأزمة الضاغطة على النفس والجسد لاتزال تخيم على أجواء المنطقة في حين ان توابعها وارتداداتها تتواصل مع التهديدات الامريكية والبريطانية للعراق خاصة مع المطالب الجديدة لباتلر المقدمة للحكومة العراقية والمتمثلة هذه المرة بوثيقة تتعلق بالبرنامج البيولوجي العراقي خلال حرب الخليج الاولى عام 1980م وهي وثيقة يتحفظ العراق عليها ويرى في طلبها عملاً استفزازياً جديدا من اختراع باتلر فضلا عن ان الوثيقة لا صلة لها بمهام اللجنة الدولية.. وبهذا الطلب الجديد ينجح باتلر للمرة الرابعة خلال عام باشعال (حرب الوثائق) في منطقة شديدة الحساسية والخطورة, محاطة بحشد امريكي ضخم يصل الى 43 قطعة بحرية وما يزيد على 175 طائرة مقاتلة وفي الطليعة دائما تقف قاذفات (F117) والقاذفات العملاقة (B52) وحولها البوارج الحاملة للصواريخ البالستية والصواريخ الذكية والقنابل الارتجاجية شديدة التدمير وقنابل الاعماق شديدة الانفجار.. وهذا الحشد لا يستند في كل الاحوال الى اي اسس منطقية او مبررات عقلانية لانه باجماع واسع قد تجاوز الحجم الحقيقي وهدفه المعلن وسببه الاساسي حول مسألة ما يسمى باسلحة الدمار الشامل العراقية المثارة منذ ما يزيد على نحو ثماني سنوات لتبدو مع مرور الايام وكأنها بلا نهاية (!!). تقويم النتائج وفي السياق نفسه تواصل الدوائر الاعلامية والسياسية في غير عاصمة عربية وعالمية يهمها الوضع في المنطقة العربية وعلى وجه التحديد الخليج العربي تقويم النتائج التي ترتبت على التراجع العراقي عن قرار تعليق تعاونه مع المفتشين الدوليين والذي وصفته بعض الدوائر الغربية بانه مثل انتصارا للتحرك العسكري الذي بلغ ذروته منتصف الشهر الحالي.. بل وتحددت ساعة الصفر لتوجيه الضربة يوم السابع عشر من نوفمبر وفقا لما ذكرته التقارير الواردة من واشنطن.. وبالنظر الى صحة هذا الاستنتاج فثمة اسئلة ملحة تحوم جميعها حول ذاك الاصرار الامريكي للخيار العسكري وذهبت الادارة الديمقراطية هذه المرة الى ابعد من ازمة فبراير 98.. بمعنى لماذا تحرص واشنطن بحماس لا حدود له على ابقاء العراق جزيرة معزولة عن العالم؟! وما اهداف امريكا لان يظل الشعب العراقي تحت الحصار القاتل الى الأبد؟! وماذا يريد البيت الابيض من صدام حسين؟! وما علاقة حمى اللهاث الامريكي بالتهام الكعكة العراقية وحصول واشنطن على نصيب الاسد بعد مرحلة رفع الحظر؟!.. الثابت ان اهداف واشنطن ليس تجنيب جيران العراق خطر صدام بل تتخذ منه شماعة لضمان تواجد الاسطول الامريكي بكل قواته بشكل دائم في الخليج ليسهل لها احكام السيطرة والهيمنة على الشرق الاوسط ودعم اسرائيل المربوطة بحبل سري بواشنطن لفرض سلام الأمر الواقع وغير الشامل وغير العادل.. والاعتقاد الغالب ايضا مواجهة ما تسميه واشنطن بالقدرة الايرانية المتصاعدة بعد فشل سياسة الاحتواء المزدوج.. وقبل هذا وذاك تسعى الادارة الامريكية الى استمرار الحصار على العراق من اجل تشديد القبضة الحديدية على منابع النفط في الخليج وذلك من منطلق ان اسعار النفط الخام تشكل عنصراً مهماً ومحورياً في استراتيجية الولايات المتحدة اول مستهلك للبترول في العالم.. وفي حمى الأطماع الامريكية اللاهثة تفوح اليوم رائحة البترول في اساطيلها وخطاب ادارتها السياسي.. خاصة بعد ان شعرت بأن بغداد تجاهلتها عبر قيام الاخيرة بالتوقيع على عقود نفطية مع روسيا وفرنسا والصين وايطاليا.. زد على ذلك لا ترى واشنطن اي مصلحة لها من عودة العراق الى السوق النفطي.. ويدعم وجهة النظر الامريكية هذه بعض الدول الاقليمية المنتجة للبترول, لان السماح لبغداد باستئناف تصدير نفطه بكميات كبيرة وخارج اطار اتفاق النفط مقابل الغذاء سيرغمها على الحد من المبيعات. وفي الوقت نفسه ينظر بعض خبراء النفط الى ان رفع الحظر النفطي على بغداد سيفضى بلا شك الى انهيار جديد على اسعار البترول... وهذه التوقعات المتداولة على نطاق واسع يرافقها حرص امريكي على الاستمرار في استيراد النفط باسعار متدنية نسبيا وذلك من باب الحرص على عدم الحاق الضرر بالمنتجين الامريكيين الصغار الذين ينتجون في الولايات المتحدة كما يؤكد ذلك نقولا سربكس مدير شركة النفط والغاز في باريس.. امريكا ومعاناة العراقيين هكذا اذن تنظر واشنطن الى عدم تأثير الاسواق النفطية دون ان تلتفت بعين انسانية الى الاثار المدمرة للعراق, فالادارة الامريكية لا يهمها كما يبدو معاناة العراقيين الذين يعيشون في ظروف غير انسانية.. كما ان الامريكيين لا يشعرون بأي عاطفة تجاه الجنازات الجماعية للاطفال العراقيين الذين يحصدهم الموت جوعاً ومرضاً ويشاهد العالم عبر شاشات التلفزيون معاناة العراقيين تعكس بدون وسيط حجم المرارة التي تتفاقم في عيوم الامهات كلما شيع العراقيون كوكبة من اطفال لقوا حتفهم بفعل كبسولات النظام العالمي اللاإنساني واللاجديد.. واللاعادل!! لا يوجد حتى اللحظة الراهنة مؤشر واحد او بارقة امل تلوح في الافق لقرب رفع الحصار الظالم والجائر في العام الــ 50 لاحتفال الأسرة الدولية للاعلان العالمي لحقوق الانسان.. والسبب دائما ان الولايات المتحدة ومعها بريطانيا نجدها وقد استبقت اجتماع مجلس الامن الدولي لمناقشة رسالة بغداد حول حيثيات رفع الحصار في اعقاب الوفاء بالتزاماته ــ كما هو معلن ــ تجاه القرارات ذات الصلة بحرب تحرير الكويت.. فالازمة اليوم اخذت منحى اخرا ودخلت في بحر الاسبوع الماضي فصلا جديدا ويتضح ذلك في الاهداف الامريكية البريطانية التي تتجاوز في تقدير معظم المحللين مسألة رضوخ العراق للجان التفتيش وتسليم المزيد من الوثائق سواء في الارض او في عقول البشر عن الاسلحة غير التقليدية (!) ففي خلفية مطالب كلينتون وبلير ان التلويح بالضربة العسكرية القائمة قد تجاوز حدود المطالب الروتينية بالجملة والمفرق الى استهداف وحدة العراق وسيادة اراضيه.. فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة ممثلة (بالديمقراطية) و(العمال) تواصلان منذ السابع عشر من نوفمبر شن حرب اعلامية ونفسية وعسكرية وسياسية شرسة ضد العراق.. ففي حين تذهب تصريحات توني بلير الى المطالبة بتغيير نظام الحكم في بغداد بصورة عاجلة وعلى النحو الذي ينسجم مع تطلعاته, فان الكونجرس الامريكي هو الاخر اعتمد لهذا الهدف المريب ميزانية اولية تصل الى الملايين من الدولارات.. ولتنفيذ خطوات هذا التعاون قدمت الادارة الامريكية نحو 97 مليون دولار وهذا التطور الجديد جاء بعد اتفاق سبتمبر الذي توصل اليه جلال الطالباني وخصمه اللدود مسعود البارزاني في واشنطن وبرعاية خاصة امريكية ــ بريطانية.. وفي هذا الصدد تستمر التقارير المتداولة. الا ان اتفاق البارزاني ــ الطالباني يهدف ما بين اشياء كثيرة الى اقامة مؤسسات (الدويلة الكردية) في مناطق الشمال على ان ترتبط في المستقبل بالدولة المركزية بصيغة كونفدرالية ويحمل هذا المشروع في طياته احتمال (بلقنة الخريطة العراقية) .. يصاحب ذلك دق اسفين بين بغداد وانقرة من خلال ربط الاولى بموضوع عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المتواجد حالياً في ايطاليا.. وتكتمل صورة المشروع الامريكي ــ البريطاني في ابقاء مفتشي الامم المتحدة في بغداد وابقاء العراق معزولاً وغير موحد حتى يتم ازالة النظام القائم باحلال نظام اخر وذلك في فتح اذاعة للمعارضة العراقية المشتتة تبث من براغ؟! وهذه الخطوات تجري على قدم وساق مع اهداف امريكية اخرى غير معلنة ترمي الى تعقب العلماء العراقيين واتجاهاتهم ودراستهم وبحوثهم وفي مقدمة هؤلاء يأتي من اهتموا بالصناعات العسكرية.. وبحسب العديد من التقارير المختلفة فان المخابرات الامريكية تبحث بشكل دائم داخل العراق وخارجه عن الخبراء والعلماء العراقيين والعمال الذين تحوم حولهم شبهات في تصميم وتنفيذ اسلحة بيولوجية. امريكا تتمسك بالخيار العسكري وما يضاعف من تداعيات الوضع واحتمال تأزمه في أي لحظة تواصل التهديدات الامريكية وتمسكها بالخيار العسكري وهذا ما اعاد تأكيده مستشار الامن القومي الامريكي هذا الاسبوع مذكراً بما قاله كلينتون في وقت سابق بان واشنطن تراجعت مؤقتاً عن قصف العراق لكنه كرر عبارات التهديد والوعيد للعراق مثل (اذا قمنا بعمل عسكري فأننا يمكن ان نجرد العراق من امكانياته) واصفاً القوات المرابطة بالخليج بأنها تمثل تهديداً ساحقاً يمكن استخدامه اذا أخل العراق بالتزاماته وإزاء التصعيد الحالي يشعر العرب بقلق بالغ وهم يتابعون بحذر وترقب ما تطيره وكالات الانباء على مدار الساعة لنبرة التصريحات النارية.. ولعل مبعث تلك المخاوف ما تحمله التحذيرات الخطيرة التي لم ينقطع الحديث عنها.. فتوجيه ضربة عسكرية مدمرة لبغداد لن تقف نتائجها عند حدود العراق فحسب بل ستتعداها الى المنطقة باسرها الامر الذي سيخلق المزيد من الاضطرابات والفوضى والمتاعب الكبيرة لدول المنطقة وشعوبها.. بالاضافة الى ان ضرب مواقع يشتبه بأن داخلها اسلحة خطيرة سيؤدي الى ابادة الآلاف من العراقيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الازمة.. وبافتراض صحة وجود مخازن (الفيروسات) و(المايكروبات) في تدميرها سيلحق الضرر الاكبر بالارض والانسان والبيئة والتنمية.. بكلام اخر ان الاسلحة الامريكية الجديدة المدمرة التي تعرف باسلحة القرن الحادي والعشرين وتحرص واشنطن على تجربتها في العراق لن ولم تحل المشكلة بل ان النتيجة ستكون كارثة قد تكون ابشع وافدح من الفاجعة اليابانية في هيروشيما ونجازاكي في عام 1945 بفعل الحمم الذرية لأول قنبلة نووية امريكية وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن في بداية القرن الحادي والعشرين وفي منطقة عربية تعتبر سرة العالم الذهبية.. وهذا السيناريو المحتمل ما لا يوافق عليه أي عربي حتى من خصوم النظام العراقي.. صحفي يمني*

تعليقات

تعليقات