اقترح(مساومة تاريخية)لاسترداد السودان عافيته:أكاديمي سوداني بارز ينوي تنظيم(مؤتمر أزمة)في الخرطوم

دعا الاكاديمي السوداني البارز الدكتور حيدر ابراهيم علي الى ما اسماه(مساومة تاريخية)في السودان بهدف انقاذه من خطر التقسيم والتفتيت . وقال على الذين يرأس مركز الدراسات السودانية وهو هيئة مستقلة يوجد مقره في القاهرة ان مركزه يزمع عقد مؤتمر قومي عام مطلع العام المقبل بالخرطوم أو القاهرة اذا تعذر ذلك لمناقشة قضايا البلاد والخروج ببرنامج لاعادة بنائها من جديد. وجاءت دعوة علي في سياق رسالة مطولة بعث بها الى نائب رئيس البرلمان عبد العزيز شدو ردا على رسالة كان الاخير بعث بها اليه ويدعوه فيها للمشاركة في مناقشة مشروع قانون (التوالي السياسي) الذي اجازه البرلمان امس الاول دون تعديل. وطرح حيدر علي في رده رؤيته لاخراج السودان من وهدته مقترحا خصوصا ترتيبات جديدة لعودة الديمقراطية, ووقف فوري للحروب الاهلية في كل الجبهات, واعادة بناء مؤسسات الدولة على اساس قومي. ولتعميم الفائدة ولاثراء الحوار, تنشر (البيان) فيما يلي النص الحرفي لرسالة الاكاديمي السوداني المعروف ومقاربته للازمة في بلاده والمؤرخه بتاريخ 4 نوفمبر 98م. الاستاذ/ عبد العزيز شدو نائب رئيس المجلس الوطني ورئيس لجنة مشروع تنظيم التوالي السياسي المحترم! تحية طيبة وبعد.. أشكركم على رسالتكم بتاريخ 18 اكتوبر 1998 رقم 1005 ودعوتكم للمشاركة في مناقشة مشروع قانون التوالي السياسي لسنة 1998. ويحتم علي الواجب الوطني ان استجيب لهذه الدعوة بالصورة التي أرى أنها يمكن أن تخدم السودان وتساعد في تجنيبه المخاطر التي تهدد وجوده كوطن مستقل وموحد ومبشر بالنمو والازدهار. وهذا يعني أن المناقشة لا تبدأ مع مشروع قانون التوالي السياسي اذ لابد من البدء من جذور الأزمة التي أوصلت البلاد الى حدود المجاعة الشاملة وخطر التقسيم والتفتيت, بعد أن كان هذا القطر عقب الاستقلال عام 1956 مرشحا لأن يكون من الدول القائدة والرائدة في العالمين العربي والافريقي. لذلك فالمشكلة ليست قانون التوالي السياسي أو التداول السياسي, بل هل يمكن أن ينهض ويبعث السودان مجددا؟ وكيف يكون هذا البعث أو هذه النهضة؟ وأرى أنه من الممكن أن تكون مناسبة طرح هذا المشروع فرصة لطرح القضية السودانية وبحث جذور المشكلة والوصول الى حل قومي شامل رغم الاختلافات العميقة التي تبدو بين الاطراف. أقول لماذا لا تكون دعوة الى مساومة تاريخية Historical Compromise ترضى بقبول كل السودانيين لبرنامج حد أدنى تحترم فيه تعددية الرؤى وتنوع المواقف السياسية. ويكون الاتفاق حول التنمية والسلام والوحدة الوطنية أي تجنيب السودان الفقر والتخلف والحرب والتقسيم. ومن أهم مهام هذه المساومة التاريخية إعادة تأسيس جهاز الدولة على أسس قومية صحيحة تقوم على الكفاءة والقدرات والانتماء الوطني. ويكون الهدف إعادة هيبة الدولة وحياد ونزاهة جهاز الخدمة المدنية للشروع في إعادة بناء السودان. إن الوصول الى هذه المساومة التاريخية يتطلب تقويما للتجارب السابقة ووعيا بالتاريخ ونقدا ذاتيا واعترافا بالمسؤولية والاقرار بالخطأ بدون مكابرة أو تهرب. ان مسؤولية الوصول الى هذا الدرك هي مسؤولية جماعية ولكن النظام الحالي فاقم التدهور والانهيار بغض النظر عن الدوافع والنوايا ــ طيبة أم سيئة. لذلك البداية الصحيحة هي الاعتراف بالاخفاقات والسلبيات منذ الاستقلال وحتى اليوم, لا بقصد الإدانة بل لتحديد الطريق الصحيح نحو المستقبل ولتطوير القوى الفاعلة لنفسها ولأدائها لو أرادت قيادة السودان مستقبلا. وهنا لابد من إيراد ما نعتبره ثوابت في فهم الواقع السوداني, ثم الإنطلاق منها لحل الأزمة: 1ــ السودان قطر تعددي ومتنوع يستحيل ان تحكمه قوة سياسية واحدة مهما كانت ادعاءاتها الايديولوجية ومهما اعتقدت في قدراتها على الحكم والادارة والاقناع او حتى على القهر والقمع والإذلال,. فلابد أن نتفق جميعا على استحالة الاستفراد بحكم السودان وعزل الآخرين سواء من خلال الدكتاتورية العسكرية (الإنقلاب) او الدكتاتورية المدنية (الأغلبية الميكانيكية). لابد من التراضي والوفاق والاعتراف المتبادل واحترام الأقليات السياسية والثقافية. فالديمقراطية لا تعني حكم الأغلبية على حساب الأقلية. المهم أن نعلم أن السودان لن يدين لحزب واحد أو ايديولوجية واحدة ولا ثقافة واحدة, وينطبق عليه القول المأثور: (ألا أن مكة لقاح لا تدين لملك) . 2ــ لذلك كان من أكبر أخطاء هذا النظام أنه ظل يكرر أن الحزبية قد قبرت وانتهت للأبد. كما أن النظام ومنظري النظام خلطوا باستمرار ــ عن جهل او قصد مغرض ــ بين فشل او عجز الاحزاب وبين فشل الديمقراطية كطريقة للحكم وكثقافة. لذلك أدانوا الديمقراطية حينما أرادوا إدانة الأحزاب. وهنا لابد من اجابة فكرية وسياسية على السؤال: هل توصل النظام الحالي والحركة الإسلامية بعد تجربتها في السلطة الى حقيقة ان الديمقراطية في شكل التعدد الحزبي (الحقيقي والصحيح) هي الخيار أو السبيل الوحيد لحل مشكلات السودان؟ وهل يمكن اعتبار الدستور وقانون تنظيم التوالي السياسي هو إقرار ــ بطريقة أو أخرى ــ بأن التعددية الحزبية لا غنى عنها في حكم السودان؟ هل يؤمن النظام والحركة الإسلامية حقيقة ودون مناورة ومداورة بعودة التعددية الحزبية مع تجنب سلبيات الماضي في تكوين الاحزاب وطريقة عملها؟ لأن أي قانون لتنظيم الاحزاب يمكن أن يساعد في ترقية النظام الحزبي شريطة ألا يكون هذا القانون ذريعة أو حيلة لتقييد الحريات وتوجيه الديمقراطية. 3ــ نحن في حاجة الآن الى عملية بناء ثقة بين الأطراف المختلفة. فهناك الحركة الإسلامية وحلفاؤها في السلطة وقد سيطروا على كل أجهزة الدولة بالاضافة الى الاقتصاد والاعلام. وفي هذا الوضع غير المتكافىء يطلبون من القوى السياسية الاخرى المشاركة والعودة, وبالتالي سيكون مثل هذا الحل حسب شروط ومخططات النظام القائم. وبالفعل لا يمكن للمعارضة قبول هذا الانتحار السياسي ولأن أي حل وسط أو مساومة يعني تنازلات من كل طرف, لذلك على النظام تقديم ضمانات دستورية حقيقية وواقعية. اذ لا يكفي صدور قرارات فوقية وعليا, فقد تعددت أجهزة الأمن وصارت هناك خصخصة أمنية اي لم تعد هناك جهة حكومية مركزية واحدة تسيطر على الأمن وتصدر الأوامر وبالتالي تطبق القرارات السياسية. وهذا من أشد الأخطار على أي حل سلمي لمشكلة السودان. لذلك الحكومة مطالبة بحل أجهزة الأمن والإبقاء على جهاز واحد يقوم على الكفاءة والقومية وليس الإلتزام والولاء الحزبيين. وهذا المطلب يمتد الى كل جهاز الخدمة المدنية أي قومية الخدمة المدنية وهذا يعني عودة جميع المفصولين تحت قانون الصالح العام من حيث المبدأ إلا من بلغ سن المعاش أو فصل لأسباب غير سياسية. تؤكد هذه المطالب على مبدأ ان السودان وطن للجميع وحق الحركة والعمل والتنظيم هو جوهر المواطنة. لا أميل الى الضمانات التي تراقبها جهات غير سودانية ففي مثل هذه الضمانات تقليل من قدرتنا الذاتية على حل مشكلاتنا الوطنية الداخلية بأنفسنا. ولكن نعود مرة أخرى للصدق والالتزام بالكلمة والوعد. إذ من الملاحظ أن عددا من قادة ومنظري النظام الحالي يميلون الى فهم السياسة بدهائية معاوية أو كأنهم يعتبرون ان السياسة مثل الحرب خدعة. ويقال ان بعض الفقهاء اجاز الكذب في ثلاث: الحرب والاصلاح بين الناس وكذب الرجل على زوجته, أتمنى الا يأخذ بعض ساسة الإنقاذ مثل هذه التفسيرات كمبررات لعدم الإلتزام. فقد عودنا بعض قادة الانقاذ على عدم الصدق في كثير من المواقف. 4ــ أعتقد أنه من صالح الحركة السياسية السودانية ومن صالح الحركة الاسلامية بالذات أن تكون هناك عملية محاسبة متفق عليها في أمرين: (أ) التعذيب (ب) الفساد. إذ لا يشرف الحركة الاسلامية ان تتسم فترة حكمها بتفشي هاتين الظاهرتين, ولابد للحركة الاسلامية ان تبريء نفسها من التهمتين حتى ولو ضحت بأعضائها الذين خرجوا عن مبادئها وقاموا بهذه الممارسات, ولقد اعتبر بعض الاسلاميين أن التعذيب كان ممارسة طارئة استوجبتها ظروف الانقلاب الاولى لاستتباب الامن, ورغم ان هذا المبرر ضعيف ولكن اقبل به باعتبار ان المقصود ابعاد تهمة العنف عن الحركة الاسلامية, وان استخدام العنف بأشكاله المختلفة ليس جزءا من ايديولوجية الحركة الاسلامية حتى لو سمى الجهاد أو الامر بالمعروف باستخدام اليد, فمن المطلوب من الحركة الاسلامية اذا ارادت ان تكون من مكونات سودان المستقبل أن تدين وتنبذ العنف, لذلك ففي المحاسبة تطهير لروح الحركة الاسلامية. اما الفساد فهو لم يبدأ مع النظام في يونيو ,1989 لذلك اعتقد انه من شروط نجاح المساومة التاريخية ان تبدأ عملية المحاسبة على الفساد من استقلال السودان عام 1956 وحتى اليوم, ولابد من استرداد كل اموال الشعب السوداني التي نهبت بطريقة غير مشروعة طوال العقود الاربعة الماضية وان يشتمل ذلك على كل الحكومات المدنية والعسكرية وكل من استغل منصبه للاثراء على حساب الشعب السوداني. ولتحقيق الهدفين اقترح: 1ــ تكوين لجنة قومية في التعذيب تستهدي بتجربة جنوب افريقيا, وقدرتها أي تكوين لجنة الحقيقة والمصالحة. 2ــ تكونين فرع لمنظمة الشفافية العالمية (TI) للاستفادة من تجربتها وقدرتها على ملاحقة المفسدين ومتابعة الحسابات الخارجية والقروض. أتمنى الا تضيع فرصة المساومة التاريخية مثلما اضاعت القوى السياسية فرصا كثيرة للنهوض بالسودان بسبب ضيق أفقها وصراعها المهووس على السلطة فقط ولا يهمها الوطن في الصراع, فالسودان الان في اصعب ظرفه فهو على ابواب التقسيم والمجاعة, وشعر المجتمع الدولي بالخطر ونحن مشغولون مثل اهل بيزنطة بمناقشات ميتة حول (التوالي) و(الاقتلاع من الجذور) و(الهيكلة) بينما الوطن ينزف ويضيع من بين ايدينا كل لحظة, وتستمر القوى السياسية الحاكمة والمعارضة في عبثها وعدم مسؤوليتها, إن دعوة منظمات الاغاثة لنقل قضية السودان إلى مجلس الامن وان تعالج كمسألة سياسية وليست إنسانية فقط, هي دعوة في حقيقتها للوصاية على السودان باعتبار أن القوى السياسية قاصرة وتحتاج لمن يقرر لها كيف تتصرف بعقل, وللمجتمع الدولي الحق في ذلك, حين يتجاهل الساسة السودانيون ان 2.6 مليون نسمة مهددون بخطر المجاعة وأن الحرب الاهلية اهلكت اكثر من 1.5 مليون شخصا خلال عقد ونصف, وحين لا تشعر المعارضة ولا الحكومة بهجرة مئات الشباب والنساء والكوادر إلى كندا واستراليا والولايات المتحدة الامريكية وهولندا وتتم اعادة توطينهم, بالاضافة لحوالي اربعة ملايين لاجىء في الدول المجاورة. في وسط هذا العجز الكامل والفراغ السياسي حيث لا حكومة تحكم وتعتني بشعبها ولا تهتم الا بأمنها واستمرارها, ولا معارضة تعارض لاستبدال النظام ولكن تتربص وتنتظر ان تسقط السلطة بالصدفة في حضنها, لا يبقى الا ان نطلب من الوطنيين اصحاب المصلحة الحقيقية في اعادة بناء الوطن ممثلين في احزابهم ونقاباتهم وتنظيماتهم وكشخصيات قومية ان يتداعوا إلى مؤتمر عام يقعد في الخرطوم أو القاهرة في اقرب وقت ممكن لمناقشة: 1ــ ترتيبات العودة إلى النظام الديمقراطي بالصورة التي تتجنب اخطاء الماضي والوقوع في الدائرة الشيطانية: برلمان ــ انقلاب ــ انتفاضة. 2ــ الوقف الفوري للحرب الاهلية في جنوب السودان وفي كل الجبهات الاخرى. 3ــ الاتفاق حول برنامج اقتصادي اسعافي لمواجهة تفشي المجاعة والفقر. 4ــ انتهاج سياسة خارجية متوازنة تراعي المصالح السودانية وعلاقات خاصة مع دول الجوار. ويسبق هذا المؤتمر, وهذا هو المطلوب من النظام: 1ــ ايقاف العمل بالدستور الحالي لانه ليس قوميا ولا ديمقراطيا, فقد وضعته قوى تمثل تحالفات الحركة الاسلامية الضيقة, كما ان الدستور لم يكتسب شرعية شعبية بعد ذلك, بسبب الاستفتاء الذي يعلم النظام نفسه قبلنا انه مزيف ولم يعبر بحرية عن رأس الشعب, ويمكن ان يقدم هذا الدستور نفسه كمقترح للنقاش مع القوى السياسية الاخرى في المؤتمر, مع ضرورة التركيز على حقوق المواطنة وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين, الاصل أو النوع. 2ــ الشروع في استعادة قومية جهاز الدولة. 3ــ ضمان سيادة القانون عوضا عن تعسف اجهزة الامن المتعددة وايقاف تعدياتها على المواطنين فورا واخضاعها لرقابة مباشرة من الوزارات المختصة. 4ــ قومية الاعلام. خاتمة: تعتبر جدية وصدقية النظام ضمانة لنجاح التقاء السودانيين ويجب الا يسىء النظام التقدير ويعتبر مثل هذه الدعوات ذريعة لكسب الوقت لكي يمضي مجددا في طريقه الذي لن يوصل الا إلى الهلاك وحمامات الدم. نرجو ان نمضي جاهدين في طريق الخروج من الازمة الحالية ونتحمل المسؤولية التاريخية في الانقاذ الحقيقي للسودان خاصة وان كل الاطراف الحالية تعيش مأزقا بعد ان استنفدت طاقاتها على المناورات ووصلت إلى طريق مسدود سيؤدي بالوطن بلا شك إلى الهاوية, ولابد من طرف أو طريق ثالث يقوم بمبادرة سودانية خالصة. لذلك, من ناحية عملية وفنية فإن مركز الدراسات السودانية بصفته مؤسسة فكرية قومية سيبدأ مباشرة في الاعداد والتجهيز والدعوة لقيام مؤتمر قومي عام في مطلع 1999 ــ ذكرى الاستقلال ــ في الخرطوم أو القاهرة بهدف مناقشة القضايا المذكورة والخروج ببرنامج اعادة بناء السودان. هذا هو تصوري لمعالجة الأزمة لذلك يبقى قانون تنظيم التوالي السياسي لعام 1998 جزءا وامتدادا للأزمة وليس وسيلة لحل الازمة إذا لابد من البحث عن الاسباب والجذور وليس مناقشة النتائج والعوارض ومن بينها هذا القانون وعلينا الا نقفز على الواقع وشغل الناس بقضايا جانبية وسط هذا الحريق الذي حاق بالوطن. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير. د. حيدر ابراهيم علي مدير مركز الدراسات السودانية القاهرة

تعليقات

تعليقات