نافذة: مأزق نقابة الصحافيين اليمنيين

في احد المباني بحي قاع اليهود بالعاصمة صنعاء: توجد شقة صغيرة مغلقة في الطابق الثاني والاخير للمبنى قديم الطراز المعماري, بديع النقوش والزخارف كغيره من بيوت حي قاع اليهود بصنعاء , والشقة مغلقة باحكام وبقفلين كبيرين منذ اشتداد الازمة السياسية قبل اندلاع حرب صيف 1994. وعلى واجهة الشقة علقت لوحة كتب عليها ثلاث كلمات (نقابة الصحافيين اليمنيين) بعض حروفها طمست, ويلاحظ طلبة كلية الاداب بجامعة صنعاء القديمة المقابلة للشقة أن اللوحة تختفي لأيام قد تصل لأكثر من شهر ثم تعود, وتكررت هذه الحالة مرارا في الفترة الاخيرة. بين اللوحة, والباب الخشبي المغلق, مسافة تحدثنا عن الحال الذي وصلت اليه النقابات والمنظمات الجماهيرية في اليمن, فاختفاء اللوحة وعودتها تحكي عن علاقة صاحب الشقة وعقد الايجار وقيادة نقابة الصحفيين, اما اغلاق الشقة بحي قاع اليهود بصنعاء, فيحدثك عن غير قليل من الشقق والمباني المماثلة, للمنظمات والنقابات المهنية والابداعية, ولنقابة الصحفيين عشرات الامثلة المماثلة لحالها, ووحدها خيوط العنكبوت التي نسجت على القفلين تحكي قصة علاقة وهيمنة الاحزاب والسلطة على النقابات والمنظمات غير الحكومية, والشيء الوحيد الذي تبقى لاهل الصحافة باليمن هو تلك اللوحة التي طمست بعض حروفها. اغلقت الشقة (مقر النقابة) في بداية عام 1994 على اثر اشتداد الازمة السياسية, فقد صدر حينها بيان باسم النقابة من صنعاء يدين اعتقال مصور تلفزيوني وصحفيين في محافظة شبوه يعملان في القناة الاولى بصنعاء, وصدر بنفس الوقت بيان مضاد من عدن, وكلاهما باسم نقابة الصحفيين, وباستثناء ذلك فلم يصدر اي بيان وفضل اهل الصحافة ان تظل نقابتهم بعيدة عن المهاترات وتجيير البيانات النقابية لصالح هذا الحزب أو ذاك التنظيم, ثم اصدر المؤتمر الشعبي بيانا عقب 7 يوليو 94 باسم النقابة يؤيد ما اصطلح عليه حينها قوات الشرعية التي نهبت المؤسسات والمتاحف في مدينة عدن, وبعد فترة قصيرة اتضح ان الارقام حققت معدلات قياسية في الارتفاع, رغم اختفاء الكثير من الصحف عقب الحرب, فارتفع عدد اعضاء النقابة من 700 عضو إلى 4200 عضو, وعلى اساس هذا الارتفاع المذهل لعدد اعضاء النقابة حرص المؤتمر الشعبي العام وحزب تجمع الاصلاح شريكا الحرب والانفصال والردة, إلى الدعوة إلى انعقاد المؤتمرات الفرعية للنقابة كخطوة ثانية لتحقيق الانتصار السياسي, تزامن ذلك مع الدعوة لعقد مؤتمرات فرعية لبقية النقابات والمنظمات, وفقدت المؤتمرات الفرعية لنقابة الصحفيين في نهاية عام 95 وبداية 1996 وبحضور مكثف للاعضاء المستجدين, الذين ولدتهم الصحف الجديدة التي صدرت عقب الحرب لفترات قصيرة ثم اختفت, ففي اليمن عرف بعد الحرب ان الصحف والتراخيص الممنوحة لها من وزارة الاعلام هي التي تنجب الصحفيين, وليس العكس, فكل رئيس تحرير لا ينتمي إلى المهنة تمنحه وزارة الاعلام ترخيص لاصدار صحيفة يحصل بقدرة الحكومة على 10 ــ 20 بطاقة من نقابة الصحفيين, وتصل عند بعض الصحف إلى 50 بطاقة, بما يزيد عن الاعداد الصادرة من الصحيفة نفسها, على أن كل المؤتمرات الفرعية للنقابات والمنظمات المهنية والابداعية التي جرت على الطريقة نفسها واسلوب الانتخابات البرلمانية ,1997 قد اصطدمت بعدم امكانية عقد المؤتمرات العامة التي يرفض الاعضاد الحقيقيون من اهل المهنة لهذه النقابات والمنظمات انعقادها. وأصيبت النقابات والمنظمات بشلل واضح, ولم يكن المستساغ عند الحكومة والحزب الحاكم ان تستمر الشعارات تتغنى بالديمقراطية اليمنية, وحرية الصحافة في وقت لا يستطيع ابناء مهنة الصحافة ممارسة عملهم النقابي, والدفاع عن حقوق الصحافيين, والتصدي لمحاولات تكميم الحريات, واصدار وزارة الاعلام للوائح جديدة تؤصل لكبت الحريات, وعدم حق الاصدار لصحف مستقلة, فجرت محاولة تلو الاخرى من الطرفين للخروج من الجمود, وكلما تنادي مجموعة من الصحفيين لدراسة اوضاع نقاباتهم هبت صحف الحكومة لاتهامهم بالانفصالية. في الاسبوع الماضي دعا د. عبدالكريم الارياني رئيس الحكومة الأمين العام للمؤتمر الشعبي غالبية الامانة العامة لنقابة الصحفيين في منزله بصنعاء وجرى الحديث عن اهمية انعقاد المؤتمر العام للنقابة, والجميع يعلم عدم وجود تلك الامكانية في ظل غياب تنقية الاعضاء, وفحص العضوية وتحولت الامكانيات الغائبة للعمل المهني وشروط العضوية, الى عرض الحكومة لامكانيات مادية لدعم انعقاد المؤتمر العام, ولمزيد من تأكيد حرص الحكومة على انعقاد المؤتمر بشرعية الانتخابات الفرعية المزورة, عملت على عقد اجتماع تشاوري لبعض الصحفيين منهم من خارج المهنة, وصل عددهم الى 18 شخصا, هددوا بعقد مؤتمر عام بدعم الحكومة, اذا لم تعقد نقابة الصحفيين مؤتمرها العام. تبدو حالة نقابة الصحفيين اليمنيين النموذج لبقية النقابات والمنظمات منها المحامون, والاطباء, والمعلمون, والمهندسون, وغيرهم, ففي حالة نقابة الصحفيين تستند الحكومة الى شرعية النص القانوني في تحديد من هو الصحفي, فيما تستند النقابة وأهل المهنة الى النظام الاساسي الذي وضعه المؤتمر العام التوحيدي بعد قيام الجمهورية اليمنية, ففي القانون للصحافة والمطبوعات اليمني رقم (25) ينص على ان الصحفي (كل من ينتمي الى المهنة ويعمل فيها المخرج والمصور والفني والمصور الفوتوغرافي والبقية من الفنيين) اما النظام الاساسي فيحدد بوضوح ان الصحفي هو كل من يعمل في مهنة الصحافة وهي المصدر الرئيسي لعيشه. ويبدو مأزق النقابات, وشرعية عملها بعيدا عن هيمنة الحكومة والاحزاب, يدخل حاليا في احد المنعطفات الخطيرة, سيما قبل الانتخابات الرئاسية, والانتخابات المحلية, التي لا شك انها ستجلب الكثير من المراقبين الدوليين, لكنها قبل ذلك تنتمي الى محاولات التعديلات الدستورية التي تتطلب الاستفتاء الشعبي العام, وفي ذلك المدخل الرئيسي للعودة الى المصالحة الوطنية, التي تجعل من الدستور الدائم عقدا اجتماعيا يتفق عليه الجميع ويوافق عليه الكل, قبل ان يعود اليهود لشراء مساكنهم التي غادروها في بساط الريح. عبدالله سعد محمد

تعليقات

تعليقات