أثر التراث الاستشراقي على الاعلام الامريكي.. وضغط المسلمين عليه:بقلم ــ محمد وقيع الله

أخيرا كفّت الميديا الامريكية عن استنطاق ادوارد سعيد, لانه ما فتىء يذكرهم بأن تغطيتهم لاخبار العالم العربي والاسلامي , هي من قبيل الامتداد لعمل (الاستشراق) القديم, واستكمال الصورة التي رسمها في الذهن الغربي عن العالم الاسلامي. وفي هذا السياق ــ كما يقول سعيد ــ فما لم تتطابق احوال العالم الاسلامي مع تلك الصورة (الخرافية) التي صنعها الاستشراق, فان كثيرا من مراسلي الميديا يفضلون ان يكيفوا ذلك الواقع ليتوافق مع النص الاستشراقي الموروث!! يولع الاعلام الامريكي بتقديم التغطيات بالغة التحيز ضد اوضاع العالم الاسلامي وعقائده من اجل دمغ الاسلام وأتباعه في الذهن الغربي بصورة التخلف والبدائية والتعصب والارهاب, وتصويرهم وكأنهم ليسوا خلقا سويا مثلهم مثل شعوب الأرض الاخرى, وهي الصورة التي خلّفها الاستشراق سابقا من أجل تحريض العالم الغربي ضد العالم الاسلامي وتبرير مظالم الغربيين, وحركة استعمار واستغلال العالم الاسلامي. وبمراجعة التراث الحديث لحركة الاستشراق يتضح ان مستشرقي اليوم قد تخلوا كثيرا عن غلوهم وتحيزهم ضد المسلمين, ولذلك اسبابه الكثيرة منها تغير الظروف, ويقظة المسلمين النسبية الحالية, وامكان تنقلهم في ديار الغرب, وانشغال الكثير من نخبهم بالكتابة في الموضوعات الاسلامية بالغرب, واختلاطهم بالمستشرقين انفسهم في الجامعات ومراكز البحث, وتصويب اخطائهم وكان لكتاب ادوارد سعيد (الاستشراق) الذي صدر في عام 1979 اثره الضخم في لجم تطرف المستشرقين.. وادوارد سعيد ليس من المسلمين كما هو واضح من اسمه, ولكنه ضمير نقي خالص الالتزام بقواعد ومثل واخلاقيات البحث العلمي, وله ثقله الفكري الهائل في امريكا, حيث يحتل مقعدا مرموقا لتدريس الادب والنقد بجامعة كولمبيا العريقة, هذا فضلا عن تآليفه الكثيفة العميقة وحضوره في المنتديات الفكرية, وقد كان لكل ذلك اثره الجم في كبح جماح كثير من المستشرقين.. هذا ما حدث لحركة الاستشراق الحديثة. وقد قضيت قبل سنوات فترة بمكتبة الجامعة لمراجعة وموازنة تراث الاستشراق الكلاسيكي وتراثه الحديث فتبين الفارق السحيق ما بين اغراض وموضوعات ووجهات نظر كل من التراثيين. كان اهم اغراض الاستشراق الكلاسيكي اقتحام العالم الاسلامي وفتحه وتنصيره. ولنضرب مثالا لذلك بجهود د. صمويل زويمر مؤسس مجلة The Muslim World اعرق المجلات التي تهتم بموضوع الاسلاميات بأمريكا. وقد تأسست في 1911 وظلت تصدر منذ ذلك التاريخ بدون توقف حتى الآن كان زويمر يقيم بالقاهرة في مطالع هذا القرن, ويؤسس لمشروع ضخم لتنصير العالم الاسلامي كله, بما فيه مكة والمدينة كما قال. وعندما طالت اقامته بمصر ولم يستطع ان ينصّر اكثر من خمسة اشخاص, رجع الى كاليفورنيا وأسس تلك المجلة بهدف فهم الظاهرة الاسلامية واعداد الاسلوب الأمثل لاختراقها.. وقد ظلت المجلة تقدم طوال العقود الطويلة الماضية بحوثا بهذا الصدد, غير ان امرها قد انصلح اخيرا بدخول اقلام اسلامية كثيرة في تحريرها, وقيام مفكر عربي بارز برئاسة تحريرها, هو البروفسور ابراهيم ابو ربيع, ويمكن ان يقال ان مجلة The Muslim World قد أصبحت اخيرا مجلة موضوعية علمية مثلها مثل سائر المجلات الاكاديمية التي تصدرها الجامعات ومراكز البحوث الامريكية. هذا الاعتدال النسبي الذي آل إليه امر الاستشراق والبحوث العلمية الاكاديمية بصدد الاسلام والعالم الاسلامي واوضاعه السياسية, هو نفس المآل الذي سيؤول اليه امر الاعلام الشعبي في خاتمة المطاف. والاعلام الشعبي وعلى رأسه (نيويورك تايمز) و(وواشنطن بوست) و(CNN) و(NBC) وغيرها مشغول بأداء مهمة الاستشراق القديم أي مهمة التشويه والتحريض والتبرير. وهو اعلام مملوك بشكل احتكاري شبه شامل لحركة رأس المال الامريكي, الذي يحرك السياسة الامريكية محليا وخارجيا, ويطمع في عصر ما يسمى بــ (العولمة) الشاملة الى ان يخترق العالم اجمع. من يصدق ان ثماني شركات امريكية عملاقة تسيطر على كامل الاعلام الامريكي تقريبا, وتوجهه بالتالي لخدمة مصالحها الاقتصادية. ان محطات (CBS) و(NBC) و(ABC) واربعين محطة تلفازية اخرى, ومائتي قناة فضائية, وستين محطة اذاعية, ومجلات (تايم) و(نيوزويك), وصحف (نيويورك تايمز) و(لوس انجلز تايمز) و(واشنطن بوست) و(ول ستريت جورنال), بالاضافة الى احدى واربعين مؤسسة نشر كبرى هي ملك خالص لتلك الشركات, وما بقي من الصحف والمجلات والمحطات الاذاعية والتلفازية الفرعية, فهو يستقي جزءاً كبيرا من مادته بطريقة الاشتراك Syndication من تلك المؤسسات الكبرى. وخمس من هذه الشركات الاقتصادية العملاقة انما هي بنوك همها الوحيد هو الربح العاجل والآجل وهي (البنك أوف امريكا) و(سيتي بنك) و(تشيس مانهاتن) و(ورجان جارانتي ترست) و(بانكرز ترست) وهي تتعامل مع تلك الاجهزة الاعلامية تجاريا, وتعمل بدأب على جذب مزيد من المحطات الفرعية لتدمجها معها من أجل انجاز مزيد من السيطرة حتى على الاعلام الفرعي. وقد تكللت مساعي البنوك بنجاحات مذهلة اذ اصبحت ادواتها الاعلامية تتمتع بنحو 80% من ريع الاعلانات, الامر الذي يعني مسبقا فشل اي محاولات عادية لمنافسة تلك الأجهزة الكبرى في هذا المجال. قد يصعب انشاء او شراء مؤسسات عملاقة تضاهيها, لكن لا يصعب اختراقها وتوجيه جزء من مادتها, ويمكن لاي مثقف عربي او مسلم, او للمراكز, والمساجد, والمدارس, والجامعات الاسلامية بامريكا ان تقوم بجزء من تلك المهمة ومجرد ان يصل الى علم تلك الاجهزة الاعلامية, التي تمتهن مهنة امتهان المسلمين, انهم سيلاحقونها لا محالة بالردود, والمقالات الاعتراضية, فان تفكيرها سيعتدل ابتداء, وستسلك سبيل الجادة والامانة الاعلامية اخيرا. وانما قلت ان مصير الاعلام الامريكي ان يعتدل في النهاية في تغطيته للظاهرة الاسلامية, لان طلائع جديدة من ابناء المسلمين في المهجر الامريكي قد بدأت في الظهور اعلاميا فقد انبثق جيل جديد ذو انجليزية طليقة كتابة وحديثا, وفهم عميق للعقلية الامريكية واسلوب التخاطب معها, وهو جيل خرج من نظام الحياة الامريكية نفسها, ولكنه لم ينبتّ عن اصوله الاسلامية, وقد هاله تحيز الاعلام الامريكي المبالغ فيه ضد المسلمين, ولم يعد يركن كما ركن اسلافه من ابناء الجيل الماضي الذي تهيب ولازال يتهيب ان يتصدى للماكينة الاعلامية الامريكية, اخذ الجيل الجديد يتولى مهمة الأداء الاعلامي وتعقب اكاذيب الميديا الامريكية, ومن متابعتي لستة وتسعين مقالا في امهات الصحف والمجلات الامريكية عن الاسلام, نشرت في الفترة الاخيرة لمست بشكل واضح نمو ظاهرة التصدى الاعلامي الاسلامي, واحيانا المبادرة من قبلهم قبل هجوم الآخرين. لم تجد صحيفة (وول ستريت جورنال) افضل من المدعو ستيف امرسون ليكتب لها افتتاحيتها التي تناولت بها امور الاسلام, وستيف امرسون يهودى متهور, وذو سجل طويل في عداء المسلمين, وهو صاحب الفيلم التحريضي (جهاد في امريكا) , ولم يكن مرجوا بالتالي ان يكتب في تلك الافتتاحية سوى ما يسيء للمسلمين. فهو يرادف بين كلمة (مسلمين) وكلمة (ارهاب) على الرغم من انه في مقدمة فيلمه الشهير ذكر انه ليس ضد المسلمين, وقد عاد في الافتتاحية المذكورة ليقول ان الاسلام والمسلمين هم وراء كل العمليات الارهابية على محيط العالم. وفي عدد 1998/9/2 من نفس الصحيفة انبرى للرد على امرسون اثنان من نابتة الاسلام الجديدة هما جيف صديقى وسلام المرياطي, والأول فيما يبدو ابن احد المسلمين الاسيويين, وقد تحدث بموضوعية بالغة للذهن الامريكي. اعتنى اولا باماطة اللثام عن الهوية الحقيقية لامرسون. فهو يدعي انه خبير في شؤون الارهاب الاسلامي. وكل انسان في امريكا يستطيع ان يدعي انه خبير في شيء ما, وبسبب سعة الحياة الامريكية فان الناس يصدقونه, ومن اراد ان يكون خبيرا في شيء ما فما عليه الا ان يهاجر الى امريكا, حيث يجد نفسه وقد اصبح ذلك الخبير, وذلك الى ان يثبت عليه العكس. فالحال هو مخالف اذن للأوضاع في سائر انحاء العالم, حيث ينبغي ان تثبت انك خبير اولا لتعتبر كذلك. ولذلك اعتنى جيف صديقي بتبديد دعوى امرسون. ولأجل ذلك استدعى الى الذهن الامريكي تصريح امرسون الشهير بعد دقائق من انفجار اوكلاهوما الذي اكد فيه لشبكات التلفاز انه من تدبير المسلمين, وبرر دعواه تلك بكثرة وجود المساجد في منطقة اوكلاهوما الامر الذي يجعلها تلقائيا هدفا لارهاب المسلمين.. كما قال! وفي تعريته لهوية امرسون ذكر جيف ان الخبير لا يتسرع في اعلان شهادته, ولا في تبريرها بشيء عمومي غير مؤكد, فهذا هو شأن المحرّض صاحب الغرض, لا الخبير الموضوعي الذي يفيد التحقيق وسير العدالة. وتحدث جيف بموضوعية يرتضيها الامريكيون المنصفون قائلا ان الارهابيين موجودون وسط المسلمين, ونحن لا ننكر ذلك. ولكنهم موجودون ايضا وسط النصارى, وانتم لا تنكرون ذلك, واذا كان وجودهم وسطكم لا يجعلكم جميعا ارهابيين, فلماذا يجعلنا وجود بضع ارهابيين وسطنا جميعا ارهابيين؟! ونشرت الصحيفة بذات العدد مقالا لشاب يدعى سلام المرياطي, استهدف تشريح النفسية العدائية لامرسون الذي شن هجوما عنيفا على الكونجرس بذات الصحيفة لانه استمع في شهادات بعض اعضاء اللوبي الاسلامي المسمى The Muslim Public Affairs Courcil وطالب بمنع المسلمين الامريكية من ان يكون لهم اي دور في صناعة وصياغة القرار السياسي الامريكي, وهذا امر ولغ فيه امرسون بتطرف وعدوانية شديدة, غير آبه بمناقضته لدستور البلاد. ولذلك تمكن المرياطي من تسخيف امرسون بموضوعية وحذق شديد لاسيما بعد ان ربط ذلك بهجوم امرسون في ذات الصحيفة على البيت الابيض في وقت سابق لمجرد اقامته لحفل افطار للمسلمين مع ان الحفل لم يتطرق لاي تداول في الشأن السياسي وخطا المرياطي خطوة اخرى يجهز بها على امرسون عندما قال اننا نحن المسلمون ندين الارهاب من حيث اتى بدون تفريق بين اديان مرتكبيه, ولكن امرسون يدين الارهاب عندما يأتي من المسلمين ويغض عنه الطرف عندما يأتي من الصهيونيين. وبذلك بدا الشاب العربي الناشىء اقوى منطقا من الصحفي الضليع, والخبير المزعوم امرسون, واهم من ذلك فقد تمكن من زعزعة امانته الصحفية والعلمية الامر الذي سيعرضه لمتاعب شتى في مستقبله العملي, كما ارسل نذيرا قويا لصحيفة (وول ستريت) بانها ستكون عرضة لملاحقة المسلمين, كلما تجنت عليهم في مقالاتها وافتتاحياتها, وهو الامر الذي سيجر الصحيفة اخيرا الى حيز الحذر والاعتدال, لاسيما اذا تابع المسلمون ضغوطهم عليها وعلى غيرها بمثل هذه الردود العقلانية المستنيرة. وثمة صحفيون امريكيون كبار اعتنقوا الاسلام خلال السنوات الفائتة ولم يكتموا ايمانهم به, ابرزهم بلا جدال هو ستيفين باربوزا الذي تظهر مقالاته في (نيويورك تايمز) و(واشنطن بوست) و(USA Today) ومجلة (Essence) وهم لا يتجهون الى أسلوب الصراع مع الكتابات السائدة, وانما ينتجون مادة جديدة مخالفة, تعرض دين الاسلام وحقائق وصناع المسلمين كما هي, في اسلوب بهي طلي شائق يستوفي كل شرائط العمل الصحفي الاصيل الراقي فقد ينشيء احدهم سلسلة من المقالات الشيقة يخرج قارئها بنتيجة واحدة مؤداها ان نسبة الجريمة وسط المسلمين في امريكا هي اقل بكثير مما لدى اتباع الاديان الاخرى. وهو لا يقذف بتلك الحقيقة في شكل تقريري جاف, وانما يحمل القارئ معه ليجوب به مجتمعات المسلمين, ويسبر غور حياتهم, ويستطلع كنهها واتجاهاتها التفصيلية ثم يستخرج نفسه ولنفسه حقيقة ان نسبة الاجرام وسط المسلمين ضئيلة جدا, رغم انهم يعيشون وسط مجتمع اصبحت الجريمة هي ميسمه العام وقد ينشىء احدهم سلسلة استطلاعات عن الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والطبقية لمسلمي امريكا, تقدم معلومات حية كثيرة تلغي الصورة السائدة عن المسلمين, وانهم قوم بدائيون, ومن مثل هذه الاستطلاعات يكتشف الامريكي ان المسلمين في امريكا هم الاعلى تعليما (أعلى بكثير من المعدل العام) وانهم الأغنى, والاكثر ابناء, والاكثر سعادة في حياتهم الزوجية, والأبعد عن العنف والمخدرات والسجن.. الخ الخ ومثل هذه المواد الصحفية بلغ وقعا بكثير من مواد التصدي الرديء.. فهي تصحيحية من جانب.. وصحيحة في ذاتها من جانب اخر. هذا التيار الضاغط على الاعلام الامريكي التشويهي, هو تيار متصاعد. ولو فطن المسلمون لما فعل الاصوليون النصارى الامريكيون لاستفادوا كثيرا. فاليمين الديني البروتستانتي يتهم الاعلام الامريكي ايضا بالتحيز ضد الدين, واشاعته الاباحية الاخلاقية. ولكيما يقاوموا ذلك فقد انشأوا كليات عليا لتدريس الصحافة والاعلام, هي من بين الارقى والاحدث من نوعها, واثبت خريجوها لقاءات كبرى, وأثناء عملهم اتجهوا الى تحقيق بعض غايات اليمين الديني, او على الاقل عدم الاصطدام معها وللأسف فالجامعات الاسلامية بأمريكا ليس فيها كلية واحدة للاعلام.. ولو انتبهوا الى تلك الفكرة لاستطاعوا تدريب صحفيين امريكيين يتفهمون الاسلام, ويعملون بقدر الامكان على انصافه, وكفكفة سيطرة رأس المال عليه. استاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي

تعليقات

تعليقات