الحسين أحد أبرز معارضي الداخل يودع الخرطوم بحوار شامل مع(البيان)،نظام الانقاذ يتعرى أمام الشعب والشارع يراقب،نرفض(التوالي)ولو كان مبرَّأ من كل سوء

عندما خرج سيد أحمد الحسين نائب الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي, والمعارض الشرس للنظام الحاكم من المعتقل الى خارج السودان للعلاج, ظن كثيرون ان الرجل لن يعود وانه سيكتفي بالمعارضة من الخارج, الا ان الحسين فاجأ الكثيرين برفضه الادلاء بتصريحات ضد النظام اثناء وجوده بالقاهرة , وقال ان المكان الوحيد الذي سيدلي فيه بتصريحات سيكون السودان, وقد عاد الرجل بالفعل الى بلاده ليقود معارضة شرسة لا تلين دخل السجن على اثرها مرارا, لكن بتصريحاته وانتقاداته كانت تزداد شراسته في كل مرة يخرج فيها من السجن. ولا يرى الحسين الذي يمتهن المحاماة منذ العام 1962 والذي ينحدر من بلدة نائية في اقصى شمال السودان, في نفسه بطلا, بل مدافعا عن قضايا بلاده بالكلمة والقلم ما استطاع الى ذلك سبيلا. ويبدو الحسين الذي كان وزيرا للداخلية ثم وزيرا للخارجية ونائبا لرئيس الوزراء ابان الحكم الديمقراطي والذي حولت السنوات جزءا من رأسه الى فراغ عريض, عنيدا في مواقفه, متمسكا بها الى درجة التضحية, وهو كان قد خسر يده اليمنى ابان طفولته في تحد رجولي على طلوع نخلة دون حزام أمان. نختلف معه أو نتفق, الا ان الحسين يظل رجلا لا نملك الا ان نحترمه ونحترم مواقفه ونضاله المتجرد. وفي الحوار التالي الذي اجري معه عشية مغادرته الخرطوم في رحلة تتوزع بين العلاج والسياسة يفتح الحسين قلبه ل (البيان) ويصب جام غضبه على الحكومة (بدستورها وتواليها) معلنا رفضه لقانون (التوالي) ولو جاء (مبرأ من كل سوء) ومعلنا اصرار المعارضة على عدم الاعتراف بالدستور لأنه صيغ وأقر في ظل كبت وارهاب, حسبما قال. ويسخر الحسين من اتجاه الحكومة لتعيين (مسجل) للاحزاب ويرى في ذلك نكتة, مؤكدا ان أيا من الاحزاب لن يبادر للتسجيل. ويرفع الحسين راية التحدي في وجه الجبهة الاسلامية التي يتهمها بالسيطرة على النظام بالدخول في انتخابات حرة, مؤكدا ان الجبهة هزمت في انتخابات الجامعات والنقابات فلجأت للتزوير, ويرى الحسين ان النظام (يتعرى) امام الشعب يوما بعد يوم وان الشارع يراقب ذلك بعد ان تحرر من الخوف والذهول الذي ساد ايام الانقاذ الاولى. وفيما يلي نص الحوار الذي يودع به الحسين الخرطوم حتى اشعار آخر. تعليق الدستور ثمة كلام عن ان الحكومة بدأت تتجاوب مع نداءات عالمية وخارجية وداخلية لاتاحة الفرصة للآخرين للمشاركة في السلطة وان هذا التجاوب اوقع خلافا بين الحكومة والمعارضة من جهة وداخل المعارضة من جهة اخرى, ما رأيك؟ ما يتردد عن اتاحة الفرصة للآخرين من قبل الحكومة عبر طرحها للدستور ولقانون التوالي مجرد ادعاء, فالواقع ان هذا العمل من أوله الى آخره, محاولة من قبل الحكومة لخداع الرأي العام الخارجي لأن الحكومة لا تضع اعتبارا للمواطنين السودانيين. وأبدأ بما يسمى بالدستور. فالمعروف في جميع انحاء العالم انه لا يمكن ان يوضع اي دستور ويصاغ ويجاز في ظل كبت وارهاب وحجر الحرية والديمقراطية ومصادرة الرأي اطلاقا. هؤلاء الناس صاغوا هذا الدستور وأجازوه في ظل هذه الظروف دون مشاركة من اية جهة اخرى ايا كانت. فهذا يوضح تماما هلامية الوثيقة التي اسموها دستورا, بمعنى ان الدستور حينما يجاز تصبح كل القوانين التي تخالفه ملغاة تلقائيا, وهذا لم يحدث بدليل الاعتقالات, التي طالت كل السياسيين يوم التوقيع عليه. والامر الثاني هو ان الدستور المزعوم الذي اجازته حكومة الجبهة الاسلامية جعلته معلقا اي عطلته الى ان تجيز قوانين جديدة تفصلها عليه سواء أكان قانون صحافة او قانون انتخابات وهذا غير وارد في الاعراف الدستورية على الاطلاق, وبالتالي فان هذا ليس دستورا ومن ثم لا يمكن ان يفضي الى حرية حقيقية ولا ديمقراطية صحيحة. التوالي الصعب ولكن الحكومة أنجزت قانون الاحزاب بعد الدستور ودعت المعارضة للمشاركة في مناقشاته؟ نبدأ بكلمة (توالي) هذه وانا في المقام الاول دراستي كانت في الازهر والمعاهد الدينية وأحفظ (ألفية بن مالك) ولم اسمع بهذه الكلمة في اللغة العربية وماذا تعني, وهذا لا يهم كثيرا, ولنكن موضوعيين ولنقل ان قانون التوالي هذا مائة بالمائة صحيح بالرغم من انه مائة بالمائة عكس ذلك, من الذي سينفذه؟ اجهزة الدولة الموجودة الآن هي التي ستنفذه هذه الاجهزة قبل ان تقوم الجبهة القومية بالانقلاب كانت اجهزة قومية وكانت هي التي تقوم بتنفيذ القوانين ولكن الجبهة الاسلامية حولتها الى اجهزة حزبية قمعية, فهل من المعقول ان هذه الاجهزة ستنفذ لنا هذه القوانين تنفيذا صحيحا حتى لو كانت مبرأة من كل سوء؟! نحن عندنا ثوابت موجودة, فعندما جاء هؤلاء الناس حلوا جميع الاحزاب والنقابات والاتحادات, وقاموا بتكوين نقابات خاصة بهم, ولكي يخدعوا العالم الخارجي اجروا انتخابات للمجلس الوطني ولرئاسة الجمهورية, ومعلوم لكل السودانيين ان هذه الانتخابات مزورة لأنهم لا يملكون 2% أو 1% من اصواتها, وحتى الانتخابات التي لا تأثير لها على السلطة كانتخابات المحامين والمزارعين والطلاب في الجامعات, هذه كلها زورت امام اعيننا ونحن شهود على ذلك, وهذه الاجهزة تقوم بهذا ومن ثم فانها هي التي ستنفذ قانون التوالي سواء تحدثنا عن عيوبه أم لم نتحدث وهذه القوانين ستصير فيما بعد قوانين انتخابات لتغيير السلطة فكيف نطمئن اليها؟ أنا على يقين انه حتى اذا جلبوا قوانين اعرق دولة ديمقراطية ودستور اعرق دولة ديمقراطية وترجم حرفيا ووضعوه في السودان تحت ظل هذا النظام وأجهزته التي ستنفذه فلن نستطيع ان نتقدم خطوة واحدة بموجبه, فالاعتراض ليس فقط على قانون التوالي انما الاعتراض اساسا على الاجهزة الموجودة والجو غير الديمقراطي والكبت والقمع والارهاب الموجود, وبالتالي لا يعقل اطلاقا ان ينشئوا دستورا وقوانين واجهزة بطريقتهم ثم يطلبوا من الآخرين الدخول معهم, فهذا ليس اعتراضا مسبقا على قانون التوالي ولا على الدستور انما على جو الكبت والارهاب وعلى اجهزة الدولة المفترض ان تكون قومية لتنفيذ هذه القوانين, وبالتالي ان لم تكن هذه الاجهزة في المقام الاول قومية فلا حرية ولا ديمقراطية ولا اي شيء, ولحسن حظنا نحن ولسوء حظهم فإنهم الآن ولمدة اربعة شهور يحاولون بناء حزبهم (المؤتمر الوطني) مستغلين فرصة اعداد القوانين لاستكمال اجهزته من مال الدولة, لكن الشعب السوداني قابلهم (بصفعة) لن يفيقوا منها, حيث لم يجدوا اي سند من جماهير الشعب السوداني للدخول في حزبهم وباءت كل مساعيهم بالفشل. لذلك يجب الا يحصر الناس انفسهم في نطاق ضيق بالحديث عن قانون التوالي وكفى, لأن المشكلة وكما ذكرت هي الاجهزة القمعية الموجودة وغياب الديمقراطية والتعددية, واعتراضنا نابع من هنا, ولا اعتقد ان العالم الخارجي سينخدع بعملية من هذا القبيل والتي اتضح سوء النية المبيت فيها. المسجل النكتة لكن آلا تقدم المحكمة الدستورية اي ضمانات لكم؟ انا محام منذ 1962 واقسم على المصحف انه لا يوجد قضاء مستقل, وكما هو حال كل الاجهزة في السودان فإن القضاء الآن هو قضاء الجبهة الاسلامية, والمحكمة الدستورية التي يتحدثون عنها ستكون على هواهم, والحديث عن المسجل بالنسبة للاحزاب يذكرنا بنتائج مسجل النقابات الحالي, فهل يعقل ان للجبهة الاسلامية السند العمالي والمهني الذي يمكنها من كسب اية نقابة في نفس الوقت الذي شردت فيه الكل اذ اصبح 99.9% من هؤلاء مشردين بلا نقابات, وبالتالي فإن ما حصل للنقابات هو نفسه الذي سيحل بالاحزاب وطول عمرنا لم نقف في العالم كله على مسجل للاحزاب لأن الاحزاب اكبر بكثير من مسألة النقابات ليوكل امرها الى رقيب, والمحكمة الدستورية مفصلة لخدمة مصالحهم في اي امر دستوري, كما ان المسجل وهذه (نكتة) في العالم كله كيف؟ يكون للاجهزة الحزبية المسؤولة عن الدولة في كل تفاصيلها (مسجل) على رأسها يرفض هذا ويقبل ذاك, ومن ثم فإن هذه حيل لن تنطلي علينا ابدا ويكفي التزويرات الموجودة الآن في مسجل النقابات وعدم وجود قضاء مستقل في المحاكم السودانية, وطالما لا توجد بالسودان حرية قضاء فمن العبث الاحتكام اليه خصوصا في قضايا كبيرة بهذا الحجم كعملية الانتخابات والاحزاب والدستور والسؤال الآن: لماذا يتخوفون من الحريات العامة ومن الديمقراطية؟ لأنهم لا يملكون السند الشعبي الذي يستندون اليه, لذلك فإن ما يقومون به من محاولات هنا وهناك لا تعدو كونها محاولات لتحسين وجههم امام العالم. نحن نرفض كل هذه الاشياء التي يقومون بها, وذلك لا يعني اننا سنتفرج وانما نعتبر احزابنا قائمة ولن نسجل اطلاقا حزبا من الاحزاب في التوالي ولن نقبل مسجل احزاب او غيره وسنتصرف بكل ما نملكه من حرية ومستعدون تماما لمواجهة اي اتجاه قمعي من الدولة او حكومة الجبهة الاسلامية القومية, ولن نفضل الجلوس في بيوتنا وانما سنتصرف سرا اذا اقتضى الحال وعلناً كما لو كانت احزابنا غير محظورة ابدا وسنواجه الجبهة لأن جماهير الشعب السوداني كلها معنا. مائة حزب قال والي القضارف الدكتور ابراهيم عبيد الله انهم لا يخشون عودة الاحزاب ولو وصل عددها الى مائة ولذا قرروا قانون التوالي السياسي, ما تعليقكم؟ مثل هذا الكلام يثير الضحك. أولا الشعب السوداني عبر كل بقاع القطر اصبح فقيرا لا يملك قوت يومه والشعب السوداني كله عاطل, ولا يجد العلاج ولا التعليم لأبنائه, والحكومة فشلت في مد يد العون لضحايا الكوارث التي حصلت مؤخرا, وفشلت في توفير الخدمات العادية كالكهرباء والمياه ورغم ارتفاع اسعارها والآن افلس كل التجار وكل الشركات وكل البنوك وحتى الحكومة نفسها صارت مفلسة منذ مجيء هذا النظام, هذه هي (الانجازات) التي حققها النظام للشعب السوداني بجانب القهر والكبت وأخذ ابناء السودان دون تدريب أو تأهيل والزج بهم في محرقة الحرب بجنوب السودان, فهل يستطيع والي القضارف او من يواليه القول بأنه يوجد سند لهم غير البطش والقهر والتزوير؟ ونقول انهم رغم ممارسات البطش والقهر هذه فهم اضعف مما كنا عليه 1989 عندما قاموا بالانقلاب, الآن لا يستطيعون دفع مرتبات العمال والمعلمين على الرغم من ان هذه الحكومة فرضت الكثير من الضرائب والاتاوات على الشعب السوداني لتمويل نفسها, فجوال السكر الذي ينتجه المصنع بمبلغ 44 الف جنيه للمستهلك تبيعه الحكومة للمواطن بأكثر من 80 الف جنيه. الآن كل محلياتهم ومحافظاتهم عاجزة عن دفع المرتبات ما جعلهم يخافون من الشعب السوداني, والا فلماذا لا يقبلون الديمقراطية والتعددية وان تكون الاجهزة الحكومية اجهزة قومية؟ انهم حقيقة خائفون, خائفون ونحن بالرغم من هذا كله اقوى منهم. الشارع السياسي اذن ما هو تفسيركم لحالة الجمود في الشارع السوداني مادام هم يخافون منه؟ لا اقول ان هناك جمودا في الشارع السوداني ابدا, لكن اقول ان الشعب السوداني رأى اشياء لم يقف عليها من قبل وانا الذي اجلس امامك مكثت فترة طويلة مذهولا من الذي يحدث في (بيوت الاشباح) . الشعب السوداني ظل في حالة ذهول لأنه لم ير اشياء كهذه في حياته, اما الآن فلا احد يخشى من الجبهة الاسلامية وقد صرعها ابناؤنا في الجامعات واليوم الشارع اضحى غير خائف من الحكومة بل يثبت العكس بأن صارت الحكومة هي التي تخشى الناس. والدليل على ذلك ان الجبهة الاسلامية هزمت في كل الجامعات ولم يعد لهم اي سند في اي من الجامعات ولذلك لجأوا الى اغلاقها, كذلك لجأوا الى مطاردة الشباب ليس من اجل التجنيد فقط بل لتخويفهم وكسر شوكتهم, لكن خاب ظنهم. وأظنكم تابعتم المظاهرات التي انتظمت كل المدن رغم القسوة التي استخدمت لقمعهم, ونحن على يقين ان احساسهم بالضعف هو الذي دفعهم الى ما يقومون به الآن من دستور وقانون توالي وغيره وهو عبارة عن خوف من الذي سيحيق بهم وفشل وانهزام, ونؤكد ان الشعب السوداني غير خائف ولا منهزم. تماسك الجبهة كيف تفسر تماسك النظام لعشر سنوات رغم الضعف الذي نتحدث عنه؟ ابدا لم يحصل عبر تاريخ الانقلابات العسكرية في السودان ان قامت ثورة ضد الانقلاب في يومه الثاني, وهنا اشير الى انقلاب عبود فرغم ان ما فعله كان فيه نوع من الرفاهية ولم يكن الشعب السوداني وقتها يبحث عن شيء غير الديمقراطية بالتحديد ولم يكن جائعا, بالرغم من ذلك مكث ست سنوات ونميري مكث ست عشرة, وبالتالي فإن المدة ليست دلالة على ثبات النظام وان كانت كذلك لثبت نميري. الناس يتابعون ويترقبون ما يحدث في ذهول, ومع مرور الوقت يتعرى امامهم النظام واذا مكثت الجبهة الاسلامية مدة ثماني او تسع سنوات فهذه ليست مدة كبيرة لحزب عقائدي, ولحزب ذي طبيعة قمعية ارهابية, وبالتالي هذه المدة في عمر الانظمة ليست دلالة اطلاقا على ان هذا النظام باق وثابت. ورغم ذلك فإن ل (الكارثة) وجه آخر! نحن كمعارضة نعتقد ان الجبهة الاسلامية لو كان قضي امرها خلال السنتين او الثلاث الاولى من حكمها لقامت من جديد, لكنها الآن اقتلعت جذورها بنفسها واذا مكثت مدة أطول فان ذلك حتما لن يكون في صالحها. مجيء هؤلاء الناس وبقاؤهم هذه المدة فيه رحمة للشعب السوداني ليقف على كذبهم وتضليلهم.. باسم الدين.. واليوم الشعب السوداني وقف على حقيقتهم وهم عراة أمامه.. ومن ثم فان هذه المدة هي تعرية لهم وليست في مصلحتهم على الاطلاق.. والآن نستطيع القول ان الجبهة الاسلامية انتهت نهاية مرة ومؤلمة ولم يعد أمامها أي أمل لممارسة اي نشاط حتى اذا كان اجتماعيا. والدليل على ذلك أن الناس نفروا منهم في محاولاتهم لبناء حزبهم بل وهاجموهم وواجهوهم فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. والخلاصة أن المدة المذكورة ليست طويلة في عمر الأنظمة العادية ودعك من نظام قمعي كهذا. جمود المعارضة ألا تعتقد أن ضعف المعارضة أيضا هو السبب في استمرار هذا النظام؟ أبدا.. عندما قام هذا النظام جرد الناس من كل شيء ولكن يمكن فوضعه احتكر كل مراكز الانتاج وشرد الناس وحاربهم في معاشهم اليوم نجد أن المنطقة الصناعية ببحري وهي منطقة الصناعات الاساسية تعمل بأقل من 10% من طاقتها كما اغلقت كل ورش الحرفيين بالمنطقة الصناعية بالخرطوم.. ومن هنا يمكننا القول أن الجبهة الاسلامية جنت على نفسها اكثر مما سببته لها المعارضة.. ووضح ذلك في عجزها في تقديم أي شيء للشعب وبالتالي فهي التي عرت نفسها بسلوكها قبل أن تعريها المعارضة ومن ثم فان المعارضة ليست ضعيفة, خاصة اذا وضعنا في الاعتبار ان الجبهة عند قيامها بانقلابها استولت على مخصصات المعارضة والقيادات السياسية وتركت الجميع بلا مقومات.. ويكفي المعارضة صمودها بلا مرتبات ولا أكل أو شرب وتحملها المطاردات و... الخ. والآن ترتجف الجبهة لهذا الصمود والوقوف في وجهها.. وحقيقة الآن المعارضة ليست في أشخاصنا نحن فقط بل في كل الناس الذين صاروا يكرهون أشياء محببة اليهم لأنها ارتبطت بالجبهة. وأنا على يقين ان الرموز الحزبية والقيادات السياسية اذا لم تقدم على فعل اي شيء وجلست مربعة ايديها فان الجبهة لا تستطيع الغاء الاحزاب. العلاقات الخارجية بعد التوتر الذي ساد علاقاتها مع كثير من الدول طفق النظام فجأة لاعادة هذه العلاقات كما يجري مع مصر وامريكا واثيوبيا واليوم مع اريتريا فما هو تفسيرك لذلك وما أثر ذلك على المعارضة؟ من أهم الأسباب التي قصمت ظهر هذا النظام هي ضعف علاقاتها الدولية والاقليمية.. وهذا النظام اي نظام الجبهة الاسلامية يفتقد النهج الثابت بحكم نشأتها, فالجبهة في نشأتها وتكوينها وتدريب كوادرها ليست حزبا سياسيا وانما هي ربيبة الدول الغربية وأمريكا في أيام الحرب الباردة فهي لا تعرف ممارسة السياسة اطلاقا وانما تعتمد على العنف. ولا تؤمن بالديمقراطية التي قالوا فيها ما لم يقله مالك في الخمر.. وعادوا يتغنون بها فجأة وفق منهج تكتيكي غير صادق. هذا النهج نفسه يحاولون تطبيقه في السياسة الخارجية, الا أن سلوكهم هذا أضر بهم ضررا بليغا الآن وسيظل يلاحقهم في المستقبل.. فهم أول من فتح حدود السودان امام الارهابيين أمثال كارلوس وغيره من (العرب الافغان) وغيرهم.. وفجأة وجدوا أنفسهم محاطين ومحاصرين دوليا فتراجعوا مؤقتا فهم لن يتخصلوا من مسلكهم هذا الآن أو فيما بعد.. ومن ثم فان ما نقرأه في الصحف وما يقولونه في محاولاتهم تلك, هو في الواقع لا أساس له من الحقيقة اطلاقا ومبعثه هو أن يطمئنوا اجهزتهم ومؤيديهم بأنهم ساعون لتطبيع علاقاتهم مع تلك الدول لكن شيئا من هذا لم يحصل.. وعلى ما أعتقد أن وزير الخارجية صرح بأن هناك عقبات ومازالت ماثلة. باختصار اعتقد أن هذا النظام لن يستطيع اقامة علاقات قوية ومستقيمة مع أية دولة من الدول اللهم الا اذا كانت دولة ارهابية مثلهم, أما نزعتهم الفجائية للتطبيع مع البعض فليست سوى مرحلة تكتيكية سرعان من ستنكشف. الحكومة عرضت المشاركة في الحكم بعد تمنع استمر لسنوات, فلماذا لا تقبلون بهذا العرض في ظل الدستور وقانون الاحزاب؟ نحن كسياسيين اذا لم تكن لدينا رؤية مبنية على المتابعة وعلى التحليل بحيث تمكننا من معرفة طبيعة النظام وكيفية التعامل معه, فلسنا جديرين بممارسة السياسة. ورؤيتنا ومتابعتنا, أقنعتنا تماما أن هذا النظام لا يقبل المشاركة في القرار بأي حال من الاحوال, لكنه يقبل أن يمنح أي شيء اذا كان ذلك لا يقترب من مواقع اتخاذ القرار وقد لفظ كثيرون لا يملكون هذه النظرة والرؤية.. ورجال هذا النظام لا همّ لهم الا جمع المال وفي هذا السياق أقول لك عبر تاريخ السودان وفي كل الحكومات الديمقراطية لم يطرأ اي تغيير على حياة كل من انتخب أو صار وزيرا واليوم ترى التطاول في البنيان والامتعة والاساس الفاخر تذخر به بيوت الموالين للنظام الذين كان الفرد منهم يسكن كوخا لا يسعه.. وبالتالي فان هؤلاء الناس لا يعرفون اطلاقا أساليب الحكم وانما همهم الأول والأخير هو جمع المال. وعليه فان امكانية التقائهم معنا غير واردة لانهم لن يقبلوا تغيير الاجهزة التي لا يملكون شيئا سواها.. واذا نبع تفكير في هذا الصدد, فان من بينهم من آذى الناس ومن خرب الاقتصاد ومن أثرى دون وجه حق. فلن يقبلوا لأنهم يخافون عواقب ذلك.. ومن ثم فليس بامكانهم التنازل من كل هذا ليواجهوا الادانة. ورغم ذلك اذا قبلوا بعودة الاجهزة قومية كما كانت عام 89م وبعودة الديمقراطية والتعددية والحلول التي وضعت لحل قضية الجنوب مع الشمال في اسمرا ويقبلون المحاسبة لكل من اثرى حراما أو خرب الاقتصاد أو آذى الناس.. وليس الحساب لهم وحدهم وانما يشملنا جميعا, وعهد نميري, فاذا قبلوا هذه الحلول فلا مجال للرفض اطلاقا. معاشرتهم رغم أن هؤلاء الناس لا يمكن معاشرتهم وطبعا لا يتساير مع طبعهم.. وهؤلاء ينطبق عليهم بالفعل تساؤل الأديب الكبير الطيب صالح من أين أتى هؤلاء؟ وهو كلام حق وصدق وبالفعل لا ندري من أين أتى هؤلاء الناس. فصل الجنوب السلطة سلكت طريقين لحل مشكلة الجنوب وهي طريق السلام والقتال, الا تعتقد انها نجحت في ذلك؟ كنا اوشكنا في عهد الديمقراطية على حل قضية السودان بتحديد (4/7/89) تاريخا لوقف اطلاق النار بصورة نهائية وتحدد سبتمبر من نفس العام موعدا لانعقاد المؤتمر الدستوري لوضع حل نهائي للقضية ولم نأخذ (مليما) من خزينة الدولة في كل رحلاتنا التي قمنا بها في سبيل ذلك الهدف وكان كل ذلك من حر مالنا.. ولم نزهق أرواحا في سبيله.. أما هؤلاء فقد ازهقوا ارواح الملايين وصرفوا بلايين الدولارات في الحرب وأخيرا ظهر حلهم للقضية بتفتيت وحدة السودان. وفي حلنا الذي توصلنا اليه لم يكن تقرير المصير للجنوب في بالنا, أما هم وبعد فقد ارواح الآلاف وصرف البلايين التي صرفت كان نجاحهم هو فصل الجنوب عن الشمال الذي كانوا على استعداد للقيام به من جانب واحد.. فهل هذا نجاح؟ هذا كلام فارغ ولا سند له من المنطق والدليل.. وليس هذا بحل. واين النجاح؟ اللهم الا تلك الاكاذيب التي يطلقونها ويصدقونها؟! ولكنهم وقعوا وطبقوا اتفاقية الخرطوم للسلام ونجحوا في شق صفوف المتمردين.. أليس كذلك؟ اتفاقية الخرطوم للسلام هي حبر على ورق فالذين وقعوها يتقاتلون فيما بينهم الآن ومنقسمون فمنهم من هرب ومنهم من مات ومنهم من ينتظر احد المصيرين. يحدث ذلك رغم أن الاموال التي صرفت لاغواء بعض الاطراف لا حدود لها. ويشكل بند الصرف على هؤلاء منفذا للجبهة الاسلامية لمزيد من النهب أي انها تأخذ ثلاثة أرباع ما يخصص للجنوبيين وتدعى أنها تصرف عليهم, مثل ما تقوم به عند اقامة الميادين او صيانة القصور وهذه كلها أبواب للفساد تفتح لشيء معين ويجري غرف الأموال دون رقيب أو حساب. الوحدة أولا ولكن مقررات اسمرا للمعارضة ايضا اعطت الجنوبيين حق الانفصال فما هو اعتراضكم؟ مقررات اسمرا اعطت الاولوية لوحدة السودان واشترطت أشياء بعينها لتقرير المصير ولم تطرحه كما فعل هؤلاء الذين كانوا على استعداد لذلك من جانب واحد.. ولولا موقف جون قرنق كان هؤلاء على استعداد لفصل الجنوب وبالحدود التي يراها الجنوبيون, لكن مقررات اسمرا راعت وحدة السودان كأولوية واذا تحققت شروط بعينها يمكن الحديث عن تقرير المصير للجنوب. يقول اهل الحكم الحالي أن اتفاقية الميرغني قرنق في عهد الديمقراطية كان هدفها الغاء الشريعة الاسلامية.. ما تعليقكم؟ ـ قبل أن أجيب على هذا السؤال دعني أسألك وأسألهم هل كانت هناك شريعة في أيام نميري؟ هم يعتبرون ان القوانين التي طبقت أيام نميري وعرفت بقوانين سبتمبر هي الشريعة. وفي قوانين سبتمبر هل كانت هناك شرعية؟ فنحن نقول لم تكن هناك شريعة بالمرة, كما أنه الآن لا توجد شريعة وظهر هذا جليا للناس, وهم يعلمون ان المطبق حاليا ليس هو الاسلام. هؤلاء الناس ليسوا طلاب دين أو عقيدة وإنما طلاب سلطة ومال وفي اتفاقيتنا (اتفاقية الميرغني قرنق) توصلنا الى تجميد قوانين سبتمبر ولم نقل بالغائها وتركنا الفصل في الأمر للمؤتمر الدستوري. ونحن نتحدث في السنة العاشرة لحكم الجبهة الاسلامية فهل اقامت حدا طيلة سنواتها هذه؟ فهي لم تعطل الشريعة وحدها وانما عطلت كل شيء, الا يعد افقار الناس لدرجة التسول كفرا؟ فأين الإسلام امام موت هؤلاء جهارا نهارا.. وحقيقة اذا عرض ما يجري في السودان عبر (افلام) فانه سيسدد ضربة حقيقية للاسلام او يعطي السند لاعدائه ليقولوا فيه ما يريدونه؟! وفي تقديري أن آخر من يتحدث عن الاسلام هي الجبهة الاسلامية فقد حاولت استقلال عاطفة السودانيين المسلمين حقيقة لتمرير خططها وظنوا ان الخدعة والغش سينطلي على الشعب السوداني.. الآن وطوال الفترة التي قضوها في الحكم وبالرغم من تكسير البنية التحتية للسودان كله, إلا أن ربنا حفظ الاسلام منهم وكشفهم على حقيقتهم. الجبهة آخر الجيوب كيف تنظر لمستقبل الوضع السياسي في السودان؟ بالرغم من الدمار الشامل الذي لحق بالبنية التحتية للسودان خلال سنوات حكم الجبهة, استطيع القول ان السودان انتهى من آخر الجيوب التآمرية ولسوء حظ الجبهة تزامن استيلاؤها على السلطة مع سقوط (حائط برلين) وزوال الشيوعية وهذه كانت ضربة قاضية عليها.. وبالتالي نحن نرى انه بعد سقوط حائط برلين وبعد التجربة (الانقاذية) في السودان, فان مستقبل السودان بالنسبة للأجيال التالية حقيقة مشرق تماما, وذلك لانتهاء العلاقة بالانقلابات بانتهاء أفرع الاحزاب التي كانت تسعى وسط الجيش بالتآمر على البلد.. كما أن الغرب ذاته وأمريكا على وجه الخصوص لم يكن مرتاحا من وجود الديمقراطية في السودان بسبب وجود أكبر حزب شيوعي به خارج الكتلة السوفييتية, ويعد كذلك اكبر حزب شيوعي في العالم الثالث وكان وجوده من أكبر الاسباب في عدم استقرار الديمقراطية بالسودان لعدم قبول الغرب لذلك الوجود.. لذلك اعتقد أنه بانتهاء الجبهة الاسلامية فلن تكن هناك أية عقبة لاستقرار الديمقراطية أو أي شيء يعترض طريقها في السودان الذي ضحى شعبه بـ 42 عاما في سبيل توطيدها والحمد لله هذه هي النهاية ولا نتوقع بعد ذلك اي شيء غير الاستقرار. وقد استفدنا كثيرا من تجارب قياداتنا السياسية التي أسست العمل السياسي في السودان واقامت الديمقراطية ولكن الانقلابات نجحت في عدم سماحها للقيادات السياسية الاخرى بالوصول الى الاضواء.. لأننا عندما ظهرنا في اعقاب سقوط نميري لم نكن معروفين ولم تكن لدينا التجارب السياسية الحقيقية وأبرزت الجهود في هذه الفترة كذلك قيادات سياسية متجردة وأنضجت التجربة, كما أن المشاكل التي تعيشها البلد الآن والتي خلقها هذا النظام تتطلب نوعا من المقدرة والكفاءة لادارة دفة الامور بتجرد ونكران ذات كما كان يفعل الاوائل.. وقد استفدنا نحن بدورنا خلال هذه الفترة بخلق كوادر شبابية مقتدرة فاعلة استطاعت ان تناطح هذا النظام.. وانشاء الله ستستقر الامور وتستقيم بالرغم من المشقة والتعب الذي سيقابلنا في سبيل ذلك. الجيل الثالث الجبهة الاسلامية استفادت من وجودها في السلطة ودربت كوادرها وفي اعتقادي انها ستناطح جيدا في الديمقراطية المقبلة وذلك قياسا الى كوادر الاحزاب المعطلة.. ما رأيك؟ نحن نتمنى أن تنزل باسمها هذا أو اي اسم آخر تختاره في انتخابات حرة لتأخذ ضربة تقضي عليها تماما من الشعب السوداني ولن تقم لها قائمة بعد ذلك حتى للجيل الثالث من اعضاء الجبهة.. ولن تستطيع الدخول في أي منافسة باسم الاسلام.. وهذا ينطبق على حزب آخر في السودان يحاول الزج باسم الاسلام في المنافسة السياسية, لان تجربة الجبهة الاسلامية كانت قاصمة الظهر لمن لا مبادىء لهم ويحاولون جمع الناس باسم الدين. وفي المستقبل لا مكان لغير المقدرة والكفاءة والاداء والعطاء والبرامج وكيفية تعايش الناس مع بعضهم البعض.. والآن نحن كاحزاب ليس بيننا كبير أو صغير أو سيد ومسود وستكون التجربة الديمقراطية القادمة هي ديمقراطية المؤسسات لا هيمنة فيها لاي جهة من الجهات.. وذلك لافرازات هذه الفترة التي أكدت ان البقاء للكفاءة والمقدرة. ونعتقد ان التجربة رغم الدمار الذي ألحقته بالبلاد صحبتها حسنات ابرزت كفاءات قادرة على ادارة دفة العمل وكما تعلم فان الشعب السوداني مجبول على حب القيم والتمسك بها فكلما أقنعة اي شخص بتجرده وله مواقفه الشجاعة, فانه يقف خلفه بكل ما يملك بل ويوكل اليه تسيير أموره ومن ثم فان التجرد والعطاء والمقدرة هي مقاييس الشعب السوداني في اختيار قياداته التي برزت كقيادات جماهيرية تملك البرامج والمؤسسات التي تنفذ تلك البرامج.. ولا يوجد بينها فرد مهيمن مهما كان تاريخه ومقدراته.. لذلك اعتقد أنه من الحسنات التي اورثنا لها هذا النظام هي بروز قيادات وكفاءات يمكنها تسيير دفة الامور في السودان بكل تجرد وتفان. وأين موقع الدين في هذه التركيبة؟ ل لا موقع اطلاقا لمحاولات استغلال الدين في العمل السياسي.. ومسألة الحديث باسم الدين فقط والقيام باعمال لا علاقة له بها هذه مرفوضة رفضا باتا.. والمعيار الوحيد هو التجرد والمقدرة والكفاءة والنزاهة والقيم التي يتحلى بها الشعب السوداني وهذه لا توجد الا على يد انسان يتمسك بهذا الدين بصدق في كل أمور حياته.. لذلك لا مجال لاي أحد في قيادة الناس باسم الدين.. ومن أراد قيادة الناس فعليه أن يعبد ربه كما ينبغي وأن يتخلق باخلاق دينه فسيلتف الناس من حوله.. ولن يكون ذلك الذي يستغل الناس باسم الدين لمصالحه الدنيوية.. فهذا مرفوق ولن تقوم له قائمة.. وحقيقة فان قيم الاستقامة والنقاء والتجرد والشجاعة في اتخاذ المواقف هي المطلوب توفرها في القيادات مسلمين كانوا أو غير مسلمين. حوار: يوسف الشنبلي الصافي موسى

تعليقات

تعليقات