وراء الاحداث:الاشتراكية الجديدة بوجه انساني:بقلم- مصطفى كمال

ربما كان الأصوب ان نقول ان العالم يبحث عن نظام جديد يتفادى سوءات النظامين ان حرية الفرد لا تنتهي عندما تبدأ حريات الآخرين, ولكنها تمتد الى حدود قدرات الآخرين على حماية حرياتهم اصبح كل ما تتمناه البشرية الان هو تطهير الرأسمالية من الشوائب الخطيرة التي تتميز بها وتؤدي الى اتساع الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون عندما تكتسح الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية معارك الانتخابات, في 14 دولة من دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة, وتنتزع الحكم من احزاب رأسمالية صريحة استوت على عرش السلطة من عشرات السنين, فان الامر يكون ظاهرة ينبغي التوقف عندها. خصوصا وانها جاءت بعد اقل من عشر سنوات بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي وتوابعه في اوروبا, وانكماش الفكر الاشتراكي على المستوى العالمي نتيجة الاعتراف بفشل التجربة السوفييتية في النهاية بعد سبعين عاما حافلة بالانجازات التي لا نستطيع انكارها قبل ان تدخل مرحلة الاحتضار السريع.. وهنا يكون السؤال: هل هذا يعني ان اوروبا الغربية ـ وهي تسلّم الحكم للاحزاب الاشتراكية الديمقراطية قد وجدت فعلا طريقا ثالثا, بين الاشتراكية ـ بالمفهوم الذي ثبت فشله بانهيار الاتحاد السوفييتي, والرأسمالية بكل ما يشوبها من شرور وعجز عن تحقيق العدل الاجتماعي؟ وفي البداية نود ان نشير الى ان الطريق الثالث المأمول ليس حلا وسطا بين الشيوعية والرأسمالية. فالنظام الشيوعي لم يكن موجودا على الارض في يوم من الأيام, اللهم الا في عصور ما قبل التاريخ عندما كانت كل طيبات الارض ـ مثل الهواء ـ ملكا مشاعا للعدد القليل من سكانها حينذاك, قبل ظهور السلطة الحاكمة بدرجاتها, ابتداء من شيخ القبيلة حتى الامبراطوريات الكبرى التي يستوي عندها ان تكون ملكية او جمهورية.. طالما الامر في النهاية حكاما ومحكومين.. فالشرط الاساسي لكي تصبح الطيبات ملكا مشاعا لجميع البشر هو ان تتحقق الوفرة في كل السلع والمنتجات والخدمات على مستوى العالم بأسره بحيث تفيض عن احتياجات مجموع سكان الكرة الارضية.. وكانت فكرة ماركس ـ وهي فكرة فلسفية بحتة ان الانسان قادر على تحقيق هذه الوفرة لو استبدل بالنظام الرأسمالي الحافل بالتناقضات والشرور نظاما اشتراكيا, تكون فيه كل ادوات الانتاج ملكية عامة.. وعن طريق التخطيط العلمي الدقيق لعمليات الانتاج والتوزيع, يمكن ان ينمو الانتاج سنويا بمعدلات تزيد على معدلات الزيادة في السكان.. وهكذا, فان البشرية تستطيع بعد مائة سنة او مائتين او حتى الف سنة ان تحقق الوفرة, وبذلك يصبح كل شيء مشاعا.. اي يصبح العالم كله شيوعيا.. والذي كان موجودا بالفعل هو دول اشتراكية, تأخذ بمبدأ الملكية العامة لادوات الانتاج, على امل ان تحقق الوفرة بعد حين قريب او بعيد.. وكان حتما ان تضحي الشعوب بأجزاء كبيرة من حرياتها حتى يتاح للسلطة ضبط عملية الانتاج والتوزيع, وايضا الدفاع عن الدولة الاشتراكية ضد اعدائها الأقوياء.. والذي اسقط هذه النظم الاشتراكية هو ان شعوبها اكتشفت ربما بفضل ثورة الاتصالات ـ انها في الوقت الذي حرمت فيه من حرياتها, لم تتحقق لها الوفرة, ولا حتى اقتربت منها, بل ان شاشات التلفزيون شاهدة بان مستوى حياة العاملين في الدول التي يحكمها الرأسماليون, اكثر تقدما ورفاهية من مستوى العمال في ظل دكتاتورية البروليتاريا ـ اي في ظل الحكومة التي يفترض فيها انها تمثلهم احسن تمثيل.. خلاصة القول, ان المفروض في الطريق الثالث المنشود ان يكون حلا وسطا بين الملكية العامة لادوات الانتاج, والملكية الخاصة لادوات الانتاج.. فهل هذا ممكن؟ ان الحل الوسط ـ لكي يكون ناجحا وصالحا للبقاء ـ يفترض فيه ان يأخذ من الاشتراكية اي من الملكية العامة لادوات الانتاج ـ وجهها الاجتماعي, ومن الرأسمالية ـ اي الملكية الخاصة لادوات الانتاج وجهها الديمقراطي.. اي وجه الحرية.. وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة اخرى.. تلك هي ان التوصيف العام المعترف به لحرية اي انسان هو انها تنتهى حيث تبدأ حريات الآخرين.. غير ان هذا التوصيف في الواقع غير دقيق. بل يكاد يصدق عليه القول المأثور, حق يراد به باطل.. فالحاصل في الواقع العملي انه في ظل النظام الرأسمالي, لا تنتهي حرية الفرد عند النقطة التي تبدأ فيها حريات الآخرين.. وانما هي لا تنتهي الا عند النقطة التي تبدأ فيها قدرة الآخرين على ممارسة حرياتهم والدفاع عنها. ومعنى هذا, ان من يملكون ادوات الانتاج يستطيعون دائما ان يمدوا بساط حرياتهم ــ وهي هنا تعنى حرية الاستثمار والربح والتربح الذي يمكن ان يكون مشروعا او غير مشروع ـ الى ما وراء حريات الآخرين وعلى حسابها.. اذن, فالطريق الثالث المنشود, دون الغرق في كثير من التفاصيل ومحاولات التنظير هو الطريق الذي يكفل استفادة المجتمع من كافة الحوافز الابداعية التي تكفلها حرية الاستثمار والانتاج.. وفي نفس الوقت يحمى حريات الآخرين من التراجع والسقوط امام زحف من يملكون ادوات الانتاج.. فهل هذا ممكن؟ لقد دأب الماركسيون على مدى ما يقرب من قرن كامل على ادانة اية محاولة للتبشير بطريق ثالث بانها خدعة لترقيع ثوب الرأسمالية البالي, وانها جزء من الثورة المضادة التي تستهدف القضاء على النظام الاشتراكي.. وكانت الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية موصومة بانها عميلة للنظام الرأسمالي العالمي.. ولكن الوضع تغير الان. فبعد سقوط نظرية الملكية العامة لادوات الانتاج لم يعد هناك بديل سوى نظام الملكية الخاصة, اي النظام الرأسمالي.. واصبح كل ما تتمناه البشرية الان هو تطهير الرأسمالية من الشوائب الخطيرة التي تتميز بها, وتؤدي الى اتساع الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون.. بمعنى آخر, اصبح المطلوب هو اضفاء الجانب الاجتماعي على النظام الرأسمالي, بحيث لا تكون وظيفة النظام مجرد توفير احسن الظروف لمالكي ادوات الانتاج حتى يحققوا اقصى ما يمكن من ارباح, باعتبار هذا هو الوسيلة المضمونة لتنمية الانتاج وتوفير فرص العمل, وانما ايضا حماية مصالح وحريات غير المالكين, وتضييق الفوارق بين الطبقات, حتى يمكن للمجتمع ان يتقدم بقوة وثبات في طريق دولة الرفاهية للجميع.. غير ان الطريق الى ذلك ليس سهلا ومفروشا بالورود كما يلوح للناظر لاول وهلة.. فلكي تستطيع دولة ما ان تخطو في هذا الطريق, فان عليها اولا ان تتخلص من سيطرة الرأسماليين على السلطة, او بمعنى اصح انتزاع الحكم من أيدي الاحزاب اليمينية التي تمثلهم.. وهذا بالتحديد ما جرى في اوروبا خلال العامين الاخيرين.. وقد ينبغي هنا ان نذكر ان التجربة الروسية المريرة في الاندفاع غير المحسوب باتجاه الخصخصة عقب انهيار النظام الاشتراكي كانت احد العوامل المباشرة في انحياز الناخبين في بريطانيا وفرنسا وايطاليا, واخيرا المانيا الى حل آخر يحد من توحش النظام الرأسمالي دون ان يعنى الغاءه او الردة الى الملكية العامة لاداة الانتاج التي اثبتت فشلها.. والمفروض, عندما ينتقل الحكم الى الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية وهي ما اصطلح على تسميتها بيسار الوسط ان يكرس الجزء الاكبر من الميزانية الحكومية للخدمات, ومكافحة البطالة, ودعم السلع الاساسية وحماية البيئة. وهذا بالطبع يحتاج الى تمويل.. وفي ظل الملكية الخاصة تكون الضرائب هي المصدر الرئيسي لميزانية الدولة. ومن ثم فان المفروض في ميزانية دولة الاشتراكية الديمقراطية ان تعدل نظام الضرائب بشكل جاد وحاسم, حتى تحصل على دخل اكبر ممن يملكون اكثر.. ولكن هذا ايضا ليس مسألة سهلة.. فان زيادة العبء الضرائبي يمكن ان تؤدي الى هروب رؤوس الاموال الى اماكن اخرى صالحة للاستثمار, الامر الذي يعنى تراجعا في عملية التنمية ككل.. ومع ذلك, فان كبار المفكرين الاقتصاديين المعاصرين, ومنهم مايكل جاكوبز صاحب كتاب الطريق الثالث يقولون ان تنازل من يملكون عن بعض ارباحهم من أجل رفع مستوى الخدمات وتقريب الفوارق بين الطبقات سيعود عليهم بالنفع المباشر, ليس فقط لان ارتفاع مستوى معيشة السواد الاعظم من الناس يعنى المزيد من اتساع السوق ونمو القوة الشرائية التي تستهلك منتجاتهم وبالتالي زيارة ارباحهم, وانما الاهم من ذلك انها ستعفيهم من الانفجارات الاجتماعية التي يمكن ان تدمرهم تماما, على غرار ما فعلته الثورة الشيوعية في روسيا في سالف الأيام.. ويقول الكاتب الاقتصادي جون براوننج, ان الدولة عندما تخصص جانبا من ميزانيتها لتجديد شبكة مياه الشرب, او شبكات المجاري على سبيل المثال من اجل رفع مستوى هذا النوع من الخدمات المقدمة للجمهور, فانها في نفس الوقت تخلق فرصا كبيرة للمقاولين وموردي المعدات والعتاد وشركات النقل وصناع المواسير والمحولات والأجهزة والعدادات.. الخ.. اي ان فرصة الفائدة متاحة لمن يملكون, مثلما هي لمن لا يملكون.. ومن ناحية اخرى, فان تقريب الفوارق يجب ان يتجاوز الحدود, ويشمل بشكل جاد ازالة الفوارق بين الشمال والجنوب الذي لا يمثل حاليا اكثر من 2 و10 بالمائة من الاستهلاك العالمي بينما يمثل اكثر من 59 بالمائة من حجم السكان.. وقد يساعد على ذلك ان يتوفر لدى الباحثين عن حل فهم للعولمة افضل من مفهوم الامركة السائد الان, بمعنى ان تكون هناك قواعد وأسس دولية لها صفة القوانين الملزمة تحكم عمليات الاستثمار والانتاج والتوزيع والضرائب, ويمكن ان يكون ذلك عن طريق الامم المتحدة او من خلال اتفاقيات دولية مثل اتفاقية الجات وما شابهها, بحيث تتحقق الوظيفة الاجتماعية لرأس المال, فلا يكون الهدف الوحيد هو اقصى قدر من الربح, وانما اتاحة الفرصة للرأسمالية كي تظل على قيد الحياة.. ولا سبيل الى ذلك الا بإزالة التشوهات التي تلطخ وجهها القبيح, ورفع المعاناة عن الذين لا يملكون وهم الكثرة الغالبة من الجنس البشرى الذين يمكن ان يصبحوا منتجين ومستهلكين اكثر انتاجا واستهلاكا مما يعود بالنفع على العالم كله.. ثم ان عولمة الاقتصاد على هذا النحو يجب الا تكون على الطريقة الامريكية, حتى ولو ادخلت عليها بعض الرتوش الاصلاحية كما تبدو في سياسة الرئيس الامريكي الحالي كلينتون وفي برنامج الحزب الديمقراطي بشكل عام. وذلك لسبب بسيط, هو ان الرأسمالية الامريكية وخاصة وهي تتخذ بسرعة شكل الشركات متعددة الجنسية عابرة القارات, وقد خلا لها الجو بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وقد اصبحت اكثر توحشا, ولعلنا نشهد انها تعود بسرعة الى ممارسات ما قبل الثورة البلشفية في روسيا.. الامر الذي يجعل المفكرين الاوروبيين بنوع خاص يوقنون بأنها لم يعد يمكن معها اي اصلاح.. وهنا نستطيع ان ندرك لماذا كانت اوروبا هي الأسرع الى التماس طريق ثالث.. طريق يمكن ان تتفادى فيه سوءات الاشتراكية التي كانت سببا في انهيار تجربتها الكبرى في الاتحاد السوفييتي, وتستفيد فيه من ايجابيات الحوافز الفردية التي يكفلها النظام الرأسمالي.. ومع ان ملامح هذا الطريق الثالث لم تتضح بعد بالكامل, الا اننا نستطيع ان نتصور انه سيحتفظ للدولة بسيطرة نسبية على ادوات الانتاج ـ وليس بملكية ادوات الانتاج, مع توخي الحذر جيدا حتى لا يكون معنى ذلك السطو على الحريات او تقييدها بأي شكل كان.. اما كيف يكون ذلك, فاننا نستطيع ان نتابع عن كثب تطورات التجربة الاوروبية التي يمكن ان يقال بشأنها انهم يعملون من منطلق انه اذا كان الحل الاشتراكي قد سقط, فان مساوئ النظام الرأسمالي لم تسقط, ومازالت تطالب كل الشرفاء بالتخلص منها.. حتى يكون للبشرية امل في غد أفضل..

تعليقات

تعليقات