الاختيار الثالث: أو الاشتراكية في ثوب جديدة: بقلم ــ عمرو الشوبكي

لم تطرح فكرة الاختيار الثالث على سبيل الترف الفكري او النظري, انما فرضها الواقع العملي والتحولات الدولية التي شهدها العالم المعاصر بشماله وجنوبه . وقد طرحت حركة التحرر العربية بصيغة مختلفة هذا المفهوم طوال الخمسينات والستينات, ونجحت في وضع الاساس النظري لفكرة التمايز بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي. وقد سبقت بطرحها هذا المفهوم, في ظل طغيان اجواء الحرب الباردة والاستقطاب الايديولوجي في العالم كله, ما يردد في العالم المتقدم الآن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الاختيار الثاني (الماركسي) . ورغم ان كثير من مثقفي الوطني العربي ـ للأسف ــ لم يعطوا لخطاب حركة التحرر الوطني قيمته حتى جاءت احزاب يسار الوسط في اوروبا لتعيد لهذا الخطاب بريقه وقيمته, فعادوا وبدؤوا الاهتمام بالفكرة وبأهميتها. وقد شهدت اوروبا منذ بدايات هذا العقد تحولا ملحوظا نحو اليسار حيث سيطرت الأحزاب الاشتراكية على معظم بلدان الاتحاد الاوروبي واعتبرت نفسها طريق الخلاص (الثالث) من براثن الرأسمالية المتوحشة, والتراث الفاشل للماركسية. وقد مثل وصول الاشتراكيين الديمقراطيين الى الحكم في المانيا اعلانا عن اكتمال سيطرة اليسار على دول (المثلث الاوروبي) الكبرى وتحديدا كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ـ مع ملاحظة ان فرنسا يحكمها رئيس وزراء اشتراكي بالتعايش مع رئيس جمهورية ديجولي ـ ليبدأ معه الحديث عن صيغة اوروبية جديدة للقرن المقبل. نهاية مرحلة مثلما جاء انتصار حزب العمال في بريطانيا في مايو 1997 لينهي 18 عاما من حكم المحافظين, جاء انتصار اليسار في المانيا لينهي حكما استمر 16 عاما. فقد استطاع جيرارد شرويدر زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي ان يحقق انتصارا حاسما على الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يتزعمه المستشار السابق هيلموت كول, ويحصل على 298 مقعدا من مقاعد البرلمان الألماني البالغة 669 مقعدا وذلك بالتحالف مع حزب الخضر الذي نجح في تخطي حاجز الـ 5% ليحصل على 47 مقعدا, في مقابل 245 مقعدا حصل عليها الحزب الديمقراطي المسيحي. وقد شكل حزبي اليسار اغلبية مطلقة داخل البرلمان استطاعا على ضوئها ان يشكلا الحكومة الألمانية الجديدة. وقد بدت ألمانيا وكأنها تستعد لتكتب السطر الأول من كتاب جديد يختلف عن هذا الذي عرفته وعرفته معها معظم بلدان اوروبا الغربية طوال العقدين الماضيين حين كانت تحت حكم اليمين. فكما بدأ (البندول) في التحرك نحو اليمين منذ بدايات العقد الماضي في معظم البلدان الاوروبية عاد وتحول منذ النصف الثاني من هذا العقد نحو اليسار. وفي هذا السياق جاء طرح احزاب اليسار في اوروبا لفكرة الاختيار الثالث عقب تبلور ظواهر اجتماعية وسياسية جديدة اختلفت عما شهدناه من قبل ولا يمكن حلها بالوصفات الجاهزة التي قدمتها معظم الاحزاب اليسارية في اوروبا طوال العقود الاربعة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية. هذا التحول لا تكمن دلالاته فقط في كونه إعلانا عن نهاية حقبة اليمين, بقدر ما انه قد دل على ظهور تحديات جديدة لم يعتاد اليسار على مواجهتها من قبل. يسار جديد على الرغم من ان الفارق بين برنامج اليسار, واليمين في اوروبا يحتاج حاليا لعدسة مكبرة لاكتشاف معالمه, فالفروقات التقليدية التي كانت تفصل بين البرنامج (التأميمي) لليسار, وبرنامج الخصخصة لليمين قد تراجعت الى حد كبير في كل الانتخابات التي شهدتها القارة الاوروبية طوال هذا العقد. ولعل الصورة التي قدمتها آخر انتخابات تشريعية في اوروبا والتي جرت مؤخرا في المانيا خير دليل على هذا التحول. وقد حاول كل من اليسار واليمين ان يعتمدا على مفاهيم جديدة لاستقطاب الناخبين, فالصورة التي قدمها كول ـ 68 عاما ـ عن نفسه كانت هي صورة الرجل ذو الخبرة الواسعة والذي تحقق في عهده انجاز الوحدة, اما شرويدر ـ 54 عاما ـ فقد قدم نفسه في صورة المجدد للنظام السياسي الألماني. وقد نجح الحزب الاشتراكي الديمقراطي في تقديم برنامجا يساريا عصريا تجاوز فيه كثير من (الوصفات) مسبقة التجهيز الذي بشر بها اليسار في اوروبا بشكل عام وفي فرنسا بشكل خاص, وتأثر بها في بعض الأحيان اليسار الألماني حيث نجح في حل المعادلة الصعبة التي تواجه اليسار الاوروبي دائما وهي استقطاب جمهور الوسط دون أن يفقد جمهور اليسار. وقد نجح شرويدر في حل هذه المعادلة بتقديمه لبرنامج سياسي حديث ركز فيه على التنمية ومواجه البطالة وتخفيض الضرائب, وايضا على التجديد السياسي والتحديث, كما اكد على ان ألمانيا تواجه مشكلات جديدة تختلف عن تلك التي كانت موجودة قبل الوحدة, بل أن بعضها جاء بعد ـ او ربما نتيجة ـ لهذه الوحدة, بما يعني ضمنا ـ وفي أحيان كثيرة صراحة ـ ان حكم كول أصبح غير قادر على التصدي لمشكلات ألمانيا الجديدة. وقد بدء شرويدر بالفعل في تنفيذ بعض ما دعا اليه في برنامجه عمليا حيث أعلن عن تخفيض الضرائب عن الدخول في ألمانيا بنسبة 6% تبدأ من الآن وحتى عام 2002. وقد اقترب اليسار الألماني في نظرته الاقتصادية لرؤية المدرسة الكترية الجديدة كما قدمها (اوسكار لافونتين) والذي اعتبر ان اسباب تزايد البطالة وعدم النمو ترجع اساسا الى ضعف الطلب الداخلي, وبالتالي يصبح تنشيط السوق المحلي بتخفيض الضرائب عاملا اساسيا في مواجه البطالة وتراجع معدلات النمو. هذا الاقتراب بدا في أعين كثير من المحللين تحولا في التوجهات التقليدية ذات الطابع الانكماشي لبرامج اليسار والتي كانت تحرص دائما على زيادة الضرائب لا تخفيضها, حيث بدت هذه التحولات الجديدة وكأنها عبورا جديدا للشريط الحدودي الذي يفصل بين ضفة اليسار واليمين. من ناحية اخرى فقد كان لتحالف الاشتراكيين الديمقراطيين مع حزب الخضر اثار واضحة على برنامج الحكومة الجديدة. فرغم ان هناك نقاط خلاف لازالت معلقة بين الجانبين وخاصة تلك المتعلقة بزيادة اسعار البنزين التي يطالب بها حزب الخضر, الا ان شرويدر اضطر ان يقبل عددا من مطالب حزب البيئة خاصة تلك المتعلقة باستخدامات الطاقة النووية والتي وافق الحزب الاشتراكي الديمقراطي على تجهيز بدائل في اطار الممكن للطاقة النووية تعتمد اساسا على الكهرباء. صحيح ان الخضر يطالبون بالانهاء الفوري لاستخدام الطاقة النووية الا أنهم وافقوا ـ ولو مؤقتا ـ على حل وسط مع الاشتراكيين الديمقراطيين. قضية اخرى لازالت معلقة بين الجانبين وهي مسألة اعطاء مليونين طفل وشاب تركي ممن ولدوا في ألمانيا الحق في الحصول على الجنسية الألمانية مع احتفاظهم اذا ارادوا بجنسيتهم الاصلية. وقد تبني حزب الخضر وزعيمة جوشكا فيشر طوال حملتهم الانتخابية قضية الدفاع عن حقوق الأقليات العرقية والدينية اضافة الى الاجانب. وكانت قضية اعطاء الجنسية لأبناء (الجيل الثاني) من الأتراك المقيمين في ألمانيا من القضايا الساخنة التي أثارت رفضا واسعا في أوساط اليمين وترددا في اوساط الاشتراكيين الديمقراطيين. وهكذا فقد اصبح برنامج الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا امام تحديات كثيرة, بعضة يتعلق بالجوانب (التحديثية) وغير المعتادة في برامج اليسار, وهو الجانب الذي يمكن ان يؤدي اعمال بعض نقاطه الى الاحتفاظ بجمهور الوسط وخسارة جمهور اليسار. كما ان بعضه الآخر يتعلق ببعض القيود المفروضة على هذا البرنامج بسبب تحالفه مع حزب الخضر الذي ظل خارج السلطة منذ نشأته, وبالتالي لم يختبر بعد كثير من (أحلامه) الايديولوجية في الواقع العملي. ومن هنا فنحن سنكون ربما امام آخر اختبار عملي في اوروبا لحزب يحمل افكار ايديولوجية مسبقة التجهيز, حيث سيصبح دور الحزب الاشتراكي الديمقراطي في هذا التحالف بمثابة (المصفاة) التي سينقل من خلالها حزب الخضر افكاره من الأوراق الحزبية الى الواقع المعاش بكل ما يمثله ذلك من صعوبات قد تؤدي الى انهيار التحالف بين الحزبين. أوروبا الخيار الثالث لقد أصبح عدد الدول الاوروبية التي يحكم فيها اليسار منفردا او بالتحالف مع أحزاب اخرى 13 دولة من دول الاتحاد الاوروبي الــ 15. فبالاضافة الى ألمانيا هناك النمسا والدانمارك وفرنسا وفنلندا واليونان وايطاليا ـ ظلت تحت حكم اليسار حتى الشهر الماضي حيث فشل رئيس وزرائها رومانو برودي في الحصول على ثقة البرلمان بفارق صوت واحد ـ وهولندا والبرتغال وبريطانيا, بجانب بلجيكا ولوكسمبرج التي يحكم فيهما اليسار متحالفا مع أحزاب أخرى. هذا التحول نحو اليسار بدا في ظل رغبة اوروبية وربما عالمية في البحث عن صيغة ثالثة جديدة تختلف عن تلك التي طبعت العالم ابان مرحلة الحرب الباردة وتمثلت في ثنائية اليسار بمعناه ـ او المتأثر بالنموذج ـ الماركسي, واليمين المستلهم من الروح المفرطة في برجماتيتها من النموذج الانجلوسكسوني بفرعية البريطاني والأمريكي. وقد اثار انتصار اليسار الألماني حماس الدول الاوروبية وخاصة الاحزاب اليسارية التي اعتبرت ان فوز شرويدر هو دلالة على انضمام اكبر قوة اقتصادية في أوروبا الى (تكتل الحفاظ على النموذج الاجتماعي الاوروبي في مواجهة العولمة الاقتصادية الامريكية) . وقد صبت مواقف معظم الدول الاوروبية في نفس هذا الاتجاه تقريبا حيث حرصت على ابراز الطموح الاوروبي في خلق نموذج اجتماعي جديد يتم من خلاله تجاوز ارث الرأسمالية وعدم العدالة. ويبدو ان الأزمات العميقة التي واجهت لا فقط النموذج الرأسمالي بمعناه التقليدي, انما ايضا فكرة النموذج الاوحد والعقل الواحد التي بشر بها كثير من المثقفين الامريكيين تحت عناوين فضفاضة وبراقة عن نهاية التاريخ والايديولوجيا, قد دفعت القارة الاوروبية نحو التبشير بفكر اجتماعي جديد يتجاوز الاشتراكية بمعناها التقليدي, ويواجه توحش الرأسمالية وخطر عولمة أحادية الجانب والمضمون. فلقد بدأ اليسار الأوروبي في تجاوز مرحلة من الزمن وفصلا من التاريخ عرفت فيها الاشتراكية وبالتالي قوى التقدم, من خلال سياسية اقتصادية تعتمد فقط او اساسا على التأميم كوسيلة شبه وحيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية, كما بدأ في طي حقبة اختزل فيها كل أشكال الصراع في داخل الصراع الطبقي او على هامشه دون أن يعطي أهمية لاشكال اخرى من الصراع كانت في كثير من الأحيان أكثر أهمية وإلحاحا من الصراع الطبقي. كما بدأ اليسار الاوروبي في عدم الاكتفاء بإنجازاته الاجتماعية ـ تأمين صحي اجباري لكل المواطنين ومساعدات اجتماعية مختلفة ـ حيث بدأ الاهتمام بتقديم حلول عملية لمشكلة البيروقراطية في المؤسسات العامة بجانب تطوير التكنولوجيا والابتكار داخل هياكل الدولة. كما سعى ايضا لتقديم نموذج (رشيد) للضمانات الاجتماعية يتجاوز به كثير من المثالب التي عرفها النموذج الاوروبي في هذا المجال, ودون ان يفقد في نفس الوقت قيمته ودوره الذي اعطاه ميزة انسانية واجتماعية كبيرة مقارنة بنظيرة الامريكي. وقد بدأت احزاب اليسار في اوروبا وخاصة في فرنسا وألمانيا في ربط برامجها الاجتماعية بسياسات الحفاظ على البيئة ووقف سباق التسلح والعمل على نشر السلم والأمن الدوليين في العالم كله بالاضافة الى تقديم نموذج اكثر انسانية وانفتاحا على بلدان العالم الثالث. ورغم ان فكرة وتيار الاختيار الثالث في أوروبا لم تتجاوز بعد مرحلة تسجيل شهادة الميلاد, الا ان وجود مؤشرات كثيرة على قدرة القارة الاوروبية العريقة على اعطاء هذا الاختيار ما هو أكثر من شهادة الميلاد قد يعني في الحقيقة بداية حصار مثالب النظرة الأحادية التي تبثها (العولمة الأمريكية) في الكرة الأرضية. باحث مصري*

تعليقات

تعليقات