سرّ اختراق اليسار لأوروبا..اليساريون يتجهون يمينا! بقلم ــ د. محمد وقيع الله

لم تقل كلمة انصاف وافية عند سقوط تجربة الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومته, فقد قاد الاعلام التحريضي, المحرك بكبريات شركات رأس المال الامريكي, حملة تسخيف ساحقة , كانت تهدف الى طمر كل التجارب الاشتراكية بالتراب, وتزهيد العقل الانساني نهائيا, من مجرد التفكير مرة ثانية, في ذلك الاتجاه. وبالفعل فقد انساق الكثيرون بتلك الحملة, حتى غدا الحديث عن الاشتراكية من قبيل احاديث الخرافات التي عدا عليها الدهر. هذا مع ان الفكر الاشتراكي فكر عتيق ارسى معالمه افلاطون في نص هو احد اقوى وأثرى نصوص الفكر البشري على مر العصور, هو نص (الجمهورية) الذي تتابع ائمة الفكر السياسي على تطويره باتجاهات شتى, ولم تكن التجربة الماركسية الا مجرد وجهة نظر واحدة منها. وفي قلب اوروبا تطور الفكر الاشتراكي بصورة معتدلة وعملية من خلال الاطار الليبرالي, ولم يقدم نفسه باعتباره البديل النهائي للتجربة الرأسمالية, ولم يعتمد على أساليب الثورة او التغيير الجذري, وانما عمل على ان يتخلل التجربة الرأسمالية, ويعمل على تصحيح سلبياتها, وقد ثابر على ذلك بالفعل لعقود طويلة حقق على اثرها نجاحاته الحالية. ان عشرا من بين الخمس عشرة دولة اوروبية رئيسية, يمكن اعتبارها الان دولا اشتراكية او يسارية على نحو ما, وتتمتع حكوماتها بشعبيات متنامية. هذا الاتجاه اليساري المعتدل الجديد, او ما يمكن تسميته بيسار الوسط, اتجاه مسالم لا يقاوم اقتصاد السوق, ولا يحارب ميكانيزماته, ولا يحاول تعطيلها, بل انه لا يطرح نفسه طرفا مناقضا بالكلية للتوجهات الرأسمالية. ويعتقد المنظرون المنافحون عن اقتصاد السوق القح, ان اخطر ما في هذا التحدى الاشتراكي انه تحد هادئ وموادع, وان هذا الهدوء, وتلك الموادعة هما سر نجاحه, وتعلق الجماهير به, فهو طرح اشتراكي معتدل يخالف في منهجه منهج الماركسية الكلاسيكية, التي لا تؤمن بالاتجاهات الاصلاحية, ولا أنصاف الحلول التي يجرى تطبيقها حاليا على امتداد العالم الاوروبي. كان ارتداد المجتمعات الاوروبية الى هذا النمط الاشتراكي المعتدل ردا باهرا تحدى وتخطى اطروحات المغالين من المنظرين والسياسيين الغربيين الذين ذهب بهم الغرور مذهبا بعيدا بعد تقويض التجربة السوفييتية فتمادوا في مزيد من الغلو والتشدد في تطبيق مستلزمات السوق الحر, واتجهوا الى التخلص من بقايا الملامح الاشتراكية في الاقتصاد الرأسمالي, وإلغاء كثير من الخدمات التي تقدم مجانا او بأسعار رمزية للجمهور, وحاولوا (عولمة) ذلك النمط وفرضه على بقية دول العالم, فأرغموا كثيرا من الدول الفقيرة النامية, على بيع القطاع العام, وإلغاء الخدمات التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من الجماهير اعتمادا كبيرا. بدأ اول ارتداد على تلك السياسات المتشددة في دول اوروبا الشرقية التي تخلصت من حكوماتها الشيوعية, وسط تباشير ووعود كثيرة بالازدهار السريع في ظل أجواء (الخصخصة) وسوق العمل الحر.. ولكن سرعان ما تبين ان ما فقده المواطنون من خدمات مجانية او زهيدة الثمن, لم يعوضه اي ازدهار اقتصادي موعود, ولم يكن عجبا ان اتجه مواطنو تلك الدول الى انتخاب الشيوعيين في أول انتخابات برلمانية حرة تجرى بعد ذلك, وذلك وسط ذهول المنظرين الليبراليين الذين اعتقدوا ان تلك الدول قد اطاحت بتراثها الاشتراكي الى الأبد. وبالطبع فلم تعد الدول الاشتراكية السابقة الى سالف تجربتها في التطبيق الشيوعي المتشدد, وانما الى نوع ملطّف من الاشتراكية, عجز صندوق النقد الدولي عن مقاومته وقهره, مثلما فعل بالدول النامية في افريقيا. واذا كانت بريطانيا بزعامة تاتشر ثم جون ميجور, قد مثّلت ريادة التوجه الى اقصى اليمين, وقادت امريكا ريجان معها في ذلك الاتجاه, فانها قد عادت لتقود اوروبا الى الوسط ويسار الوسط. فعلى مدى عشرين عاما تقريبا انسد الطريق امام حزب العمال وحيل بينه وبين السلطة وبين أن يقدم نفسه بطرح معقول للجماهير. واذا كانت الفكرة العامة المبسّطة تقول بحرية الاعلام في الدول الغربية, فان تلك الفكرة تصطدم بممارسات الاعلام الغربي عندما يتوجه بكلياته لدعم فكرة رئيسية معينة ويحاول صياغة الناس على اساسها, ويرفض في تصميم فسح اي مجال لفكرة مخالفة, ولو كان يقودها ويدافع عنها حزب عريق مثل حزب العمال البريطاني. ففي مواجهة الدعاية الكثيفة لفكر المحافظين المتطرف, عجز حزب العمال عن اختراق (الميديا) ليبشر بأفكاره الاشتراكية المعتدلة, ولم تدعم مساعيه الا التحولات الحياتية الكبرى التي ظهرت في العقدين الماضيين في العالم الغربي ـ وفي بريطانيا وامريكا خصوصا ـ حيث زالت مخاوف الرأسماليين من حدوث الصراع الطبقي, ولم تعد الوظائف دائمة, كما لم يعد حاملوها هم دائما من الرجال, ولم يعد مقبولا ان تعتزل الدولة مجال الخدمات الاجتماعية, لتنفق جل ميزانيتها على شؤون الدفاع. هذه الحقائق الموضوعية الكبرى هي التي بدأت تقود قطاعات واسعة من الشعوب الغربية نحو حل آخر غير الحل الرأسمالي الصرف. وبحسه السياسي الفائق حاول كلينتون ان يعبّر عن تلك التطلعات ويستجيب لها بسياسات اشتراكية الطابع, تمثلت في سياسات الضمان الاجتماعي, والصحي, وقروض تسديد اقساط الدراسة.. الخ الا انه اصطدم بسيطرة اليمين المتطرف بقيادة جنجريتش وجيس هيلمز على الكونجرس. وتبخرت اثر ذلك معظم تلك السياسات, ولكنها كانت قد الهمت توني بلير الذي يعتبر كلينتون استاذا له. وقد انضج بلير سياساته على نار هادئة, ولم يعتمد على ذكائه وقدراته الخطابية كما فعل كلينتون, وانما استعان بأربعة مراكز ابحاث سياسية اولاها امر بلورة سياسات اشتراكية معتدلة تستند على دراسات تفصيلية مستفيضة. اوصت مراكز ابحاث (السياسة العامة) و(العهد) و(الشعب) و(الرابطة) بالتخلص من اسلوب الطرح القديم الذي يعتمد الرؤية قصيرة الامد, وتجنب صياغة السياسات داخل الحزب والبرلمان ومجلس الوزراء, فكلها مؤسسات تتبع النمط الايديولوجي التقليدي ولا تكاد تنفصل عنه, وبالتالي لا تكاد تلامس المتغيرات الجديدة على مستوى المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة, وهي متغيرات تجاوزت في كثير من الأحيان اطر الايديولوجيا السائدة, وقام مركز الابحاث المسمى (الرابطة), الذي انشيء في 1996, بانشاء سمنارات ولقاءات متصلة بقطاعات متنوعة من الشعب حيث قام يتلمس رغباتهم وتطلعاتهم واستقاء افكارهم لرفد برامج الحزب بها, وهي عين سياسة (خط الجماهير) , كما كان يسميها ماوتس تونج, حيث كان يوصى كوادر الحزب في القرى, بصياغة برامجهم بعد الاستماع لافراد الشعب مرتين على الأقل. كان لزاما ان تنجح آراء الشعب وسياساته اذا طرحت عليه للتصويت. اذن لم يستغرب أحد ان يكتسح حزب العمال الجديد بسياساته الاشتراكية لانتخابات البرلمانية البريطانية في 1997/5/1 بــ 419 مقعدا من مجمل 655 مقعدا وان لا يترك لسياسات المحافظين المتحجرة اكثر من 165 مقعدا لا يستطيعون ان يناوروا بها بأي سبيل على سياسات يسار الوسط. اما فرنسا التي قام مفكروها الطليعيون بقيادة روجيه جارودي بتأصيل فكرة الاشتراكية الاوروبية, ونازعوا الاتحاد السوفييتي السابق في ابّان عنفوانه, مطالبته بإعطاء فرنسا الحق في تصميم نمطها الاشتراكي الخاص, فلم يكن مستغربا ان تنهض فيها تجربة اشتراكية ذات ملامح خاصة مثيرة, حيث تسابقت القوى الاشتراكية الى تأييد وفرض بعض السياسات الرأسمالية مثل تخفيض تكاليف العمل, وتحديد ساعات العمل الاضافي, واعفاء بعض الشركات من مسؤولية الضمان الاجتماعي وتخفيض الضرائب... الخ ولكن اتصاف التجربة الفرنسية بتلك الملامح, لم يكن خصما على جوهر هويتها الاشتراكية, اذ انها قامت بتغطية كافة العجز في مخصصات الضمان الاجتماعي, وزادت نسبة المعاشات الاضافية وسياسات عديدة لحماية البيئة لاسيما في المدن. يضاف الى ذلك في التجربة الفرنسية ان بعض سياسات الحماية الاقتصادية التي كان الاشتراكيون يتنادون بها منذ زمان بعيد, بدت مناسبة جدا لحماية الاقتصاد الفرنسي في عصر (العولمة) الاقتصادية التي تصر الولايات المتحدة على فرضها على فرنسا, مثلها في ذلك مثل دول العالم الاخرى. ومرة ثانية فان الاشتراكيين لم يهدفوا الى عزل فرنسا عن الاقتصاد الرأسمالي العالمي, وانما الى تمييزها وحمايتها ببضعة سياسات ناجعة نالت حتى تأييد اليمين الفرنسي, وهكذا بدا اليسار الفرنسي وكأنه ليس بديلا عن اليمين, وانما مكمل له, أو كأنه مشروع فكري يصب في خانة اليمين. واذا كان اليمين الفرنسي يبدو كتلة سياسية ايديولوجية موحدة, فان اليسار الفرنسي على خلاف ذلك, يبدو جبهة تضم احزابا وتشكيلات متنوعة, تأخذ سمات تفوقها وضعفها من هذا التنوع والتفرق, ولكن تشتتها الهرمي والتنظيمي يؤدي الى ازالة الملامح المرعبة عنها, حيث لا يفضل الاوروبين, والغربيون عامة, تأييد التنظيمات الاشتراكية القوية, خوفا من ان تتطور الى تنظيمات عسكرية ببرامج شمولية كالحركتين الفاشية والنازية حيث ابتدرتا نشاطهما ببرامج اشتراكية لكنها اتخذت بعد ذلك الطابع الدكتاتوري والعنصري الكابح الذي قاد الى دمار الحرب العالمية الثانية, وهكذا قاد التمزق والاهتراء التنظيمي لجماعات اليسار الى زيادة شعبيتها. اما في المانيا, وهي في الأصل دولة رفاهية اجتماعية, فقد سارع اليسار اثر انهيار حائط برلين الى مراجعة اطروحاته واعادة تقديمها, هذا على خلاف اليمين الالماني الذي ظل على ثبات تام على اطروحات الماضي, لم يواجه الحزب الاشتراكي الديمقراطي الناس بنفس البرامج التي كان يحكم بها في الثمانينات, وانما استوعب الوقائع الجديدة وكيّف برامجه على أساسها وكانت ابرز متبنياته الجديدة هي: * تخفيض تكاليف العمل الرأسمالي, ليس بتخفيض اجور العاملين, وانما بتخفيض التكاليف غير المباشرة للعمل. * فرض ضرائب جديدة لحماية البيئة, مع تخفيض ضرائب العاملين. * زيادة ميزانية البحث العلمي, ودعم جهود البحث العلمي لدى الشركات الخاصة لان ذلك يساعد على زيادة القدرات التنافسية العالمية للاقتصاد الالماني. * الحفاظ على سياسات دولة الرفاهية باعتبارها تساعد بطريق غير مباشر على زيادة (الطلب) , وبالتالي تنشيط دورة الاقتصاد. هذه المتبنيات الاربعة الموجزة, خاطبت الجماهير الالمانية خطابا مباشرا, فهي افكار لا تبدو بعيدة عن الفكر الرأسمالي, ولا متنافرة معه رغم نفور اليمينيين المتطرفين عنها. وقد حرص جيرهارد شرويدر منذ 1995 على ترديد مقولة ان حزبه لا يطرح افكارا اقتصادية منْبتة عن الاطار الرأسمالي, وانما افكارا تجديدية لانعاش الاطار الاقتصادي الرأسمالي وتضحيله.. واذا كان كثير من الاقتصاديين الاكاديميين والايديولوجيين الحزبيين قد اتخذوا من تلك المقولة دليلا على عدم وجود ارضية فكرية صلبة لدى الاشتراكيين, الا ان الجماهير الالمانية كان لها رأى اخر, اذ بدت لها تلك الافكار الاشتراكية التلفيقية, بمثابة الحل المطلوب لتقويم عوج الاقتصاد الرأسمالي الصرفي. ومن ثم فوّضت الاشتراكيين الديمقراطيين لتولى زمام الأمر. اما الاشتراكيون الايطاليون فهم كتلة اكبر من الحزب الشيوعي الايطالي, وقد تم لها ابتلاع ذلك الحزب اخيرا.. وهو في الأساس حزب غير متصلّب كثيرا, فمنذ عهد فيلسوفية جرامشى وتولياتى, كان يؤكد على الطريق الايطالي للاشتراكية, ويصطدم باستمرار بالحزب الشيوعي السوفييتي غير مبالٍ بالعواقب. ولكن حتى اطروحاته الاشتراكية المرنة, فانها قد خضعت لاعادة صياغة طوال سنوات التسعينات. وقد ادت هزيمة الحزب في انتخابات 1994 الى تراجع راديكالي ـ باتجاه اليمين في سياسات الحزب, واتخذ الحزب موقفا داعما لسياسات الحكومة اليمينية الاقتصادية, ما حافظت تلك الحكومة على سياسات الرفاه الاجتماعي, وانخرط الحزب في تحالفات وتساومات شتى ادت به في النهاية الى الوصول الى سدة الحكم. هذه التراجعات الاشتراكية باتجاه اليمين تمت ايضا في اسبانيا وادت الى زيادة نفوذ حزب العمال الاشتراكي الاسباني, والى صبغ الاقتصاد الاسباني بصبغة اشتراكية لا تخطئها العين. واذا امتد النظر الى الدول الاوروبية العريقة في اشتراكيتها, وتحقيقها للرفاهية العامة, والضمان الاجتماعي, شأن السويد والنرويج والنمسا فيمكن القول ان اوروبا قد اصبحت رقعة اشتراكية, ولكن الاصح ان يقال الاشتراكيون اتجهوا يمينا, واخترقوا انظمة الحكم الاوروبية بقصد ان يجروها الى الوسط او الى يسار الوسط. استاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي*

تعليقات

تعليقات