الطريق الثالث.. الخلفيات والأبعاد: بقلم- عبد الكريم سلام

اقترنت الانتصارات المتتالية لأحزاب يسار الوسط في اوروبا بالدعوة الى اعادة صياغة تصورات ومنطلقات الاشتراكية الديمقراطية وهو ما أدى الى تبلور اتجاه يركز على الأبعاد الاجتماعية وينادي باتخاذ عدد من السياسات الجديدة في ميدان التشغيل, ويحث على الانخراط في الأعمال التطوعية والمشاركة, وحماية الكيان الأسري وذلك على أساس ان هذا اتجاه اخر يقع بين الفلسفة الماركسية والرأسمالية وهو ما يطلق عليه اليوم بالطريق الثالث الذي يقول انطونيو جيدنز عنه (فكرة الطريق الثالث تعني محاولة تتلمس طريقا بين الفلسفتين المهيمنتين واللتين اخفقتا معا الاشتراكية بصفة عامة واصولية السوق التي تمثلها التاتشرية والريجانية.. لا يمكننا ان نقود العالم ببساطة وكأنه ساحة سوق عملاقة.. الطريق الثالث تعنى السعي نحو سياسات تسمح لنا بالتعرف على الوضع الجديد الذي نحن فيه ـ التنافس داخل عالم شمولي واقامة مجتمع متناسق. هذه الفكرة التي يقدمها انطوني جيدنز مدير معهد لندن للاقتصاد باعتباره ملهم انطوني بلير رئيس الحكومة البريطانية اخذت اليوم تعرف حضورا ملفتا للانتباه في مختلف وسائل الاعلام خاصة في ظل فوز العديد من احزاب اليسار في اوروبا. لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه حول الطريق الثالث هو: هل مشروع الطريق الثالث هو تعبير عن تنامي قوة اليسار ام انه وليد عوامل اخرى؟ بطبيعة الحال لا يمكن اغفال اهمية انتصارات احزاب يسار الوسط في شيوع ورواج مفهوم الطريق الثالث سيما في أهم البلدان الاوروبية بريطانيا فرنسا, المانيا, ايطاليا, لكن انبثاق الدعوة وتحديد ملامح الطريق الثالث تجد تفسيرها في تحولات اقتصادية وسياسية دولية, وابعاد وخلفيات فكرية وايديولوجية تغذيها انشغالات وطنية ترتبط بطبيعة وظرفية كل دولة. ارغامات العولمة لقد تميز العقدان الأخيران من القرن الحالي بحدثين بارزين كرسا الاتجاه نحو تخلي الدولة عن ادوارها الاقتصادية والاجتماعية دشنت مع مطلع الثمانينات عندما بدأت التاتشرية والريجانية تأخذ طريقها نحو الشروع في خصخصة المؤسسات والمرافق العامة وتحويلها للقطاع الخاص. ثم تلى ذلك الانهيارات المتعاقبة للمعسكر الاشتراكي مع ما لذلك من تأثير على تراجع الايديولوجيات الماركسية وفشلها في تحقيق الخلاص الذي كانت تعد به. بقدر ما تسارعت وتيرة هذه التحولات والمتغيرات تعززت الدعوة الى تقليص دور الدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية وتعالت الأصوات القائلة بنهاية التاريخ وبنهاية الايديولوجية الماركسية والاحتكام الى منطق وصيرورة السوق وعدم التدخل في الحياة الاقتصادية. الامر الذي ادى الى تسارع الخطى التي قوت من وتيرة ركب العولمة عوض التدويل الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية وشيئا فشيئا اخذت تتضح الصورة التي سيفرضها مسلسل العولمة على جميع الاقتصاديات الوطنية خاصة ان اللاعبين الاساسيين اصبحوا مجموعة من الشركات المتعددة الجنسية تقدر بما بين 37 و 40 الف شركة بفروع تبلغ 206000 يمتلك العالم المتقدم منها 90% وتستأثر 200 شركة من هذه الشركات بالنصيب الاوفر من الانتاج العالمي وعلى اساس ان العولمة تكرس حرية الاسواق وتوحيدها بفعل حرية المبادلات وانتقال رؤوس الاموال فان هذه الأخيرة وبفعل الهزات المالية كشفت عن خلل واضح في عالمية السوق تؤدي فيه تغيرات طفيفة على سعر الفائدة او اضطراب البورصات الى خسارات مالية خيالية لا يسلم من تأثيراتها الافراد والحكومات والدول. اضافة الى مخاوف الانهيارات هذه التي غذتها وكرستها ازمة جنوب شرق اسيا في 1997م وروسيا في 1991م ثم امريكا الجنوبية خاصة ان العالم برمته لم يكن في مأمن من تأثيراتها. تأكد ايضا ان تراكم رأس المال وتركزه في يد قلة قليلة اضافة الى التقدم التقني سيؤديان الى اقصاء وتهميش عدد كبير من الناس في العالم عن العمل وعن الثروة وبالتالي تتسع الفوارق بين القلة القليلة وبين الغالبية العظمى وهو ما سيؤجج الصراع بين الفريقين. من هنا تشكلت البدايات الأولى لملامح الطريق الثالث لكنها في الأصل استندت على خلفية وطنية ايضا للبلدان التي اخذت تطرح فيها وهي خلفية التنافس بين اليمين واليسار. التنافس السياسي بين اليمين واليسار القول بنهاية الأيديولوجيا والتبشير بهيمنة اصولية السوق وتزايد الوعود بمنافع العولمة كلها عوامل اعادت لليبرالية الاقتصادية والسياسية اعتبارها وغدت مبعثا لانشاء احزاب اليمين انطلاقا من ان سيادة السوق ستقود الى رواج وعودة الافكار الليبرالية كما سطرها الاقتصاديون الكلاسيكيون في مقولتهم (دعه يعمل دعه يمر فالعالم يسير لوحده) وهو ما يعني ان احزاب اليمين الليبرالي ستنتعش من خلال هذه القوة الدافعة الجديدة وبالتالي سيزداد اعتداد هذه الاحزاب بخلفياتها النظرية وتجلياتها الواقعة. بيد ان احزاب اليسار في المقابل وفي ظل الاخفاقات التي بدأت تلازم تحولات العولمة وبتركيزها على البعد الاجتماعي اذكت بالقدر ذاته خطاب اليسار الذي جعل هذا البعد محملا لخطابه وحملاته الانتخابية مما أفسد على اليمين التمتع بانتشائه بنهاية الأيديولوجيات وانتصار الليبرالية الجديدة خاصة أنه أخذ يكشف مخالب الليبرالية المتوحشة. من هذا المنطلق يتأكد ان العولمة ليست مجرد تنافس في مجال الانتاج والتسويق والتوزيع والايديولوجيا. بدأ يترسخ اليوم من خلال طرح ما يطلق عليه الطريق الثالث تجاه الطرح الذي يقول بسيادة السوق وهو ما يعني ان فكرة الطريق الثالث ايضا جاءت من رحم هذه التنافسية بين اليمين واليسار تبعا للجدلية التي تقول ان أية محاولة لإبراز الذات هي نفي للآخر والعكس صحيح كل نفي للآخر هو محاولة لابراز الذات. الخلفية النظرية اذا كان الطريق الثالث قد افرزته توجهات العولمة ومقتضيات التنافسية السياسية فانه كذلك يستند الى خلفيات نظرية شكلت على مدار طويل ما يعرف بالاتجاه الاشتراكي انطلاقا من الطوباويين والتحكميين وانتهاء بالماركسية والاشتراكية الديمقراطية. هذا الارث الفكري بما يحمله من جوانب علمية تقوم على دراسة مظاهر الاستغلال والتنبؤ بعواقب هذا الاستغلال قد عمل على تغذية المخاوف مما تحمله العولمة وسيادة رأس المال. وبذلك جاء التبشير بالطريق الثالث مسكونا بهواجس تتفق مع ما خلصت اليه الماركسية حول الاستغلال الرأسمالي وحتمية افرازه لنقيضه الطبقة العاملة المهيمنة ويريد من هذا الاتفاق كون العولمة فضاء مهيأ لافراز الوضعية الملائمة والشروط المناسبة لسيادة الطبقة العاملة, بفعل تركز الثروات واتساع نطاق الاستغلال. وليس من المصادفات ان يلتقي المضارب المالي جورسورس مع لينين حينما اطلق تحذيراته مؤخرا امام الكونجرس الامريكي بقوله من أن الرأسمالية تحمل عناصر فنائها ويتعين تدارك الموقف. لهذه الاعتبارات ارغامات العولمة, والتنافسية السياسية, والارث النطري للاشتراكي. انبثق الطريق الثالث لكنه غير واضح المعالم بعد بسبب تلون دوافعه وعدم وضوح اجراءاته على الرغم من معقولية ومشروعية تطلعاته. فهل سيظل هذا الطريق الموعود تعبيرا عن اتجاه كوني ام سيتلون بالخصوصيات الوطنية لكل بلد؟ وإذا كان طريقاً وسطاً بين الرأسمالية والاشتراكية فما هو بالنسبة للنموذج الصيني الحالي؟ هذه الاسئلة وغيرها ستظل تفرض نفسها على دعاة الطريق الثالث. والتطورات وحدها كفيلة بتحديد مساراته في عالم يموج بالتحولات. كاتب يمني مقيم بالمغرب

تعليقات

تعليقات