الطريق الثالث: هل هي عقيدة أم مجرد تقليعة جديدة؟ بقلم ـ د. الحسان بوقنطار

اكثر من ثلاث عشر دولة اوروبية محكومة بحكومات يسارية, تستند الى الاشتراكية الديمقراطية. ويعبر هذا الامر في حد ذاته عن استيقاظه اليسار الذي كان يبدو في الثمانينات, وكأنه قد فقد المبادرة بشكل شمولي , امام زحف النيوكلاسيكية التي جسدتها انذاك التاتشرية في بريطانيا, والريجانية في الولايات المتحدة, والتي ارتكزت على عودة الى قوانين السوق بكل عنفها, كما هو الامر بالنسبة لتقليص تدخلات الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي, واطلاق يد التنافسية, الامر الذي خلق مناخا تيكنولوجيا جديدا. الا ان الكلفة الاجتماعية كانت باهظة عبر العالم. وعلاوة على ذلك, فان تنامي ظاهرة العولمة كانت تظهر اليسار عبر العالم, وكأنه في موقف دفاعي في مواجهة التغيرات المتسارعة, وعاجز عن تقديم نموذج جديد للتغير الاجتماعي. ويرجع ذلك البعض الى مجموعة من العوامل يمكن اختزالها فيما يلي: شيوع الشك والتشاؤم لدى الانسان الاوروبي في فوائد التغير بمفهومه الفلسفي والعلمي. لقد بينت استطلاعات الرأي التي انصبت حول القاموس السائد كيف ان السنوات الاخيرة اتسمت بهيمنة مصطلحات تحيل الى القطيعة والعزلة والوحدة تراجع الايديولوجية الماركسية والاشتراكية بفعل الممارسات التي كانت تقوم بها الانظمة الحاكمة, ولاسيما فيما يتعلق بخرق حقوق الانسان, واشتداد الازمة الاقتصادية. وهي اشياء افضت الى الانهيار الكامل لهذا النموذج في بداية التسعينات. صعوبة ادراك وفهم مضمون المجتمع الوطني ضمن حدود وطنية محضة في ظل الحديث عن نهاية الحدود والاقاليم الخ.. المكانة المتصاعدة والمهيمنة للسوق والتكنولوجيا في احداث التغيير. الامر الذي يجعل القوى السياسية اكثر تأخرا في تتبع ما يحدث, والرد بشكل ملائم. لكن التغيرات السياسية التي وقعت في كثير من الدول, والتي تجلت في افراز صناديق الاقتراع لحكومات نابعة من قوى او تكتلات تقودها احزاب اشتراكية, فرضت التساؤل حول مضامين السياسات المتبعة من طرف هذه الحكومات, وأكثر من ذلك, فان النقاش ينصب حول تحديد ما إذا كان الامر يتعلق بنموذج Modele ام ان الامر لا يعدو مجرد ترميمات للنموذج الليبرالي السائد. ليس ثمة شك, في أن صعود النموذج الاشتراكي الديمقراطي في اوروبا, انما يعود الى عجز السياسات التي نهجتها الحكومات اليمينية في ايجاد حلول ملائمة للتحديات التي يواجهها الانسان الاوروبي. ويوجد في مقدمتها مشكلة البطالة فبصرف النظر عن التفاوت الموجود بين مختلف الاقطار, فانه يلاحظ ان اكثر من 10% من السكان النشيطين لا يتوفرون على عمل. وهذه الخاصية تميز الاقتصاديات الاوروبية, على خلاف الولايات المتحدة التي تمكنت من تخفيض نسبة البطالة الى أقل من 5%. ويشكل هذا الامر مصدرا للكثير من الاختلالات في اوروبا, من بينها ارتفاع تنامي ظاهرة التهميش والاستبعاد, وازدياد حدة الظواهر العنصرية والعنف الاجتماعي. وهو الامر الذي يترجم سياسيا في تنامي القوى اليمينية المتطرفة التي جعلت من مناهضة المهاجرين والقضايا الامنية عصب برنامجها, مما مكنها من اكتساب بعض المواقع في الساحة السياسية الاوروبية. ومن الواضح ان ظاهرة العولمة, بما تحمله من منافسة تكنولوجية شرسة قد اسهمت بقسط وافر في تعميق البطالة من خلال لجوء المؤسسات الاقتصادية الى تحديث ادوات الانتاج, ولا مركزية الانتاج من خلال نقل وحدات الانتاج الى دول اقل كلفة. الشيء الذي افضى الى تقليص اليد العاملة المحلية, وفي بعض الاحيان اغلاق بعض المنشآت كلية. ان هذه التحولات التي شهدها سوق العمل, والتي فرضت المزيد من المرونة في قوانين العمل, ساهمت بشكل واضح في توسيع الفوارق الاجتماعية, فالبطالة تؤثر بشكل سلبي على الديناميات الاجتماعية. فلم يعد العامل الاوروبي يفهم كيف ان الشركات تحقق ارباحا خيالية, ومع ذلك تقدم في كل سنة على وضع برامج اعادة هيكلة تنصب على تسريح الاف من العمال. الا يشكل هذا الامر احدى ابرز مظاهر قانون القوى الذي يمارسه مسيرو المؤسسات, وبالتالي مصدرا لتعميق الهوة بين المستفيدين من النظام الاقتصادي, واولئك المتضررين منه؟ ان تجاوز معضلة البطالة بكل انعكاساتها السلبية بات يشكل الهاجس المركزي, سواء للمفكرين او الفاعلين السياسيين, ومن ثم كان لابد من الاجتهاد داخل اليسار للبحث عن صيغ ملائمة تفتح افاقا جديدة في مواجهة هذه المشكلة العويصة. وينبغي في هذا الصدد ان نبرز الملاحظات التالية: اولا: اذا كانت اغلب الحكومات التي تحكم في اوروبا حاليا تنتمي الى اليسار, فان تكوينها لم يتم بنفس الصيغة, ففي بريطانيا هناك حزب واحد وهو حزب العمال الذي يتناوب على السلطة مع حزب المحافظين. وفي فرنسا يقود الحزب الاشتراكي ما يسمى بــ الاغلبية المتعددة, التي يلعب داخلها دورا نافذا. وفي المانيا, يتحالف الاشتراكيون مع الخضر في قيادة البلاد. اما في ايطاليا, فقد شهدت حدثا غير مألوف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, يتمثل في تشكيل شيوعي سابق لحكومة ائتلافية, ان هذه المعاينة تبين بوضوح انه باستثناء بريطانيا التي ينفرد فيها حزب بقيادة الحكومة, فان باقي الدول تخضع لحكومات ائتلافية منبثقة من احزاب تنتمي الى اليسار بكل تشكلاته. وهو الامر الذي يعني ان السياسات المتبعة هي نتاج لتسويات وتنازلات متبادلة. فالتحكيمات بين مختلف الفرقاء تبقى ضرورية. في نفس السياق, فان وصول هذه القوى الى السلطة جاء نتيجة التحديث الذي احدثته في هياكلها وبرامجها, والذي كان وراءه رجال جدد حاولوا خلق قطيعة مع ممارسات الساسة القدامى, كما هو الامر بالنسبة لتوني بلير او ليونيل جوسبان, او شرويدر, فبالنسبة لهم, فان الهدف الاساسي يكمن في تحديث مجتمعاتهم دون تشنج ايديولوجي. ثانيا: ان الاجابات التي تريد مختلف الحكومات الاوروبية اعطاءها للتحديات التي تواجهها لا تنطلق من منظور واحد, بل انها تنبع من الخصوصيات الوطنية. فعلى سبيل المثال, فان السياسة الهولندية ازاء الكثير من الملفات, وخاصة مشكلة البطالة, والمسألة الاجتماعية قد حققت تقدما هائلا, الا ان الاستثناء الهولندي لا يمكن تعميمه, اعتبار الى ان كل تجربة تبقى خاصة لانها تندرج ضمن تقاليد, وثقافة معينة, ونظام انتربولوجي, غير ان الاتفاق على صعوبة تعميم او استيراد نماذج لا يلغي بعض الحقائق التي تتميز بها اوروبا بصرف النظر عن الحكومات التي تقودها, ويوجد في مقدمتها النظام الاجتماعي القائم على الرعاية في ظل دولة الرخاء او العناية. فمن المعروف, انه على خلاف الولايات المتحدة التي ارتكز نموها على ضعف تدخل الدولة في المجال الاجتماعي, فان النموذج الاوروبي قد اعتمد على فكرة الانصهار الاقتصادي والاجتماعي, انطلاقا من ارتباط واسع بين فضائل منافسة السوق, والضمانات الجماعية للدولة / العناية. ولا غرو اذا كانت الام المتحدة, باقتراح من دول العالم الثالث المجتمعة في اطار مجموعة 77 قد كلفت احدى الدول الاوروبية باحتضان اهم مؤتمر حول التنمية الاجتماعية, وهو الذي انعقد في العاصمة الدانماركية كوبنهاجن في ابريل 1995, بعدما انعقدت كافة المؤتمرات الاجتماعية في دول خارج القارة الاوروبية (البيئة في ريودي خانيرو, المرأة في بكين عاصمة الصين, والسكان والتنمية في القاهرة) فهذا المؤشر يشكل في حد ذاته اقرارا بالاهمية التي احتلتها المسألة الاجتماعية تاريخيا في عملية التنمية الاوروبية. وكميا, يلاحظ ان النفقات العمومية في الناتج القومي الخام تتجاوز بــ 15 الى 25 نقطة ما هو عليه الحال في الولايات المتحدة, واليابان. ولكن بالمقابل, فان الاقتطاعات التي تمول هذه النفقات تبقى ثقيلة. ومن ثم, فان المساس بالمكتسبات الاجتماعية ليس بالامر الهين. في مواجهة نقابات قوية رغم عوامل الوهن التي اعتورتها, واجهت الحكومات مصاعب كبرى في اقرار اصلاحات تبدو, وكأنها تعيد النظر في الرصيد الاجتماعي المتراكم, الم تخفق حكومة (الان جوبيه) في فرنسا, في اصلاح العجز الذي يعرفه قطاع السكك الحديدية, عندما حاولت تغيير نظام الرعاية الاجتماعية القائم داخل المؤسسة؟ ان هذه الخاصية هي التي تشكل جوهر الاشكالية التي تواجهها ما يسمى بالاشتراكية الليبرالية, وهي التي يمكن صياغتها في التساؤلات التالية: الا تشكل ظاهرة البطالة البنيوية في اوروبا دليلا على اخفاق النموذج الاجتماعي المتبع؟ الا يعني ذلك عجز هذا النموذج على مواجهة تحديات المنافسة الناتجة عن العولمة؟ كيف يمكن تحقيق الاستخدام الكامل مع تقليص نسبة اللامساواة الاجتماعية؟ قطعا, ان الافكار الجديدة التي يحبل بها المشروع النيو ليبرالي, او الاشتراكي الجديد لا علاقة لها بالاشتراكية كما عهدناها, بل من خلال منظور واقعي وبراجماتي فهي تعتبر انه لا مناص من الانخراط في قوانين السوق. لكن على عكس التصورات الليبرالية المحضة التي تعتبر انه لا يمكن ان تكون هناك دينامية اقتصادية الا بتدعيم حرية الرأسمال والشغل, وبالتالي ابتعاد الدولة عن السوق, فان هذا التصور يعيد بشكل اخر منظور الاقتصادي الانجليزي كينز, وكذلك جوزيف شامبيتر الذي تحدث عن رأسمالية تحت خيمة الاوكسجين, ومعنى ذلك الابقاء على الاختيارات الرأسمالية, لكن مع تمكينها من حقنات ذات نكهة اشتراكية, من خلال السماح للدولة بالاضطلاع بدور اكبر فيما يتعلق بتحديد التوجهات الكبرى للتنمية. وبشكل اخر, فان هذه السياسة ترتكز على تحديث النسيج الاقتصادي وذلك من خلال دفع المؤسسات الاقتصادية الى تطوير آليات عملها, وتجديد ادوات انتاجها وتقليص تكاليفها حتى تصبح اكثر تنافسية, وعقلنة وترشيد سلوك الدولة, ويتمثل ذلك في التخفيض من نفقات التسيير, وتقليص عجز الحسابات الاجتماعية, كما هو الامر بالنسبة لصناديق الضمان والرعاية الاجتماعية, وذلك في اتجاه تحويل الموارد المتاحة الى خلق فرص للشغل. ومحاربة البطالة, عن طريق تشجيع المؤسسات على خلق مناصب للشغل انطلاقا من امتيازات ضريبية تمنح لها, وكذلك اشراك مختلف الفاعلين كما هو الامر بالنسبة للجماعات الترابية في هذا المجهود. بصفة عامة, فان الهدف الاساسي بالنسبة لما يسميه البعض بالاشتراكية الليبرالية هو اعطاء جواب يساري على الازمة التي يواجهها المجتمع, وذلك من خلال اعادة التفكير في تنظيم المجتمع, وينبغي الاقرار ان المهمة ليست باليسيرة, لاسيما في ظل مجتمعات تتميز بنسبة انفتاحها الاقتصادي الكبير. ونعرف ان العالم يمر حاليا بزوبعة اقتصادية عصفت بالاقتصاديات الاسيوية, والروسية والامريكية اللاتينية, والتساؤل الاساسي يكمن في معرفة ما اذا كان هذا الوضع سينتقل الى الدول الاوروبية. وفي حالة تحقق هذا السيناريو, فان السياسات اليسارية ستواجه صعوبات جمة. وعلاوة على ذلك, فانه من الصعب لحد الساعة, الحديث عن نموذج جديد قابل للاحتداء. فمن المعروف ان الحكم على السياسات الاقتصادية لا يمكن ان يكون على المدى القصير. فقد ترتب بعض الاجراءات نتائج ايجابية على هذا المدى, ولكن سرعان ما تظهر مساوئها على المدى المتوسط او الطويل. لذلك فان ما يسمى بالطريق الثالث لا يشكل في الواقع الا تدبيرا اكثر عقلانية للرصيد الاجتماعي الذي راكمته الدول الاوروبية في ظل مناخ يتميز اكثر فاكثر بتلاشي الفوارق الايديولوجية, والاختلافات بين اليمين واليسار لصالح تدبير اكثر ابداعا وتخيلا للمشكلات. ألم يقل توني بلير انه لا يوجد تدبير يميني او يساري للاقتصاد, بل هناك فقط تدبير جيد او سيء. ومعنى هذا ان نجاح التدابير الحالية رهين بقدرتها على التحكم في معضلة البطالة, واستمرار الانصهار الاجتماعي بين مختلف المكونات الاجتماعية. فلحد الساعة, لا يمكن الحديث عن عقيدة جديدة, او طريق ثالث, بل ان الامر لا يعدو مجرد اسلوب اخر للتدبير المجتمعي. استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس ـ المغرب

تعليقات

تعليقات