الملف السياسي: الأيدلوجية الثالثة.. طريق أوروبا للقرن المقبل

بدأ بعض المفكرين والسياسيين الغربيين يتحدثون عما يسمى بالطريق الثالث, وهو النهج السياسي الذي يعكس الحالة الوسطية بين الرأسمالية والاشتراكية, وقد ظهرت مثل هذه الاطروحات عقب انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار ما كانت تسمى بالمنظومة الاشتراكية ... مثل هذه الافكار وجدت لها مناخاً عندما اتجهت دول اوروبا الشرقية صوب الرأسمالية تنشد ودها وتنتظر منها دعما لاقتصادياتها للمساعدة بالخروج من مأزقها الذي وصلت اليه سياسيا وايديولوجيا. وعندما دلف العالم في النظام العالمي الجديد بدت الرأسمالية وكأنها قد حققت انتصارها السياسي والايديولوجي على الاشتراكية في معاقلها وفي كل بقاع العالم, ولم تمر سنوات معدودة حتى بدأت ازمات الرأسمالية تظهر في اشكال وصور شتى ابرزها: الازمات المالية التي عصفت بدول عدة بالعالم في مختلف القارات, ناهيك عن التوترات الاجتماعية الآخذة بالتزايد في بعض الدول ذات الاقتصاديات الضعيفة والمنهكة. ان سياسات الخصخصة كنمط اقتصادي انتهجته معظم حكومات العالم قد اثبت بعد تطبيقه عدم ملاءمته الى حد كبير كونه تسبب بتسريح آلاف العمال علاوة على ازدياد نسب البطالة وساهم في اتساع رقعة الفقر وخلق اوضاع اجتماعية غير مقبولة. احزاب اوروبا الاشتراكية التي تحكم حاليا في 14 دولة اوروبية نجحت في الوصول الى السلطة عبر برامجها المؤكدة على الضمان الاجتماعي والداعية الى تخفيض نسبة البطالة الى مستويات متدنية.. هذه القضية شكلت محور البرنامج الانتخابي للحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني بزعامة جيرهارد شرويدر الذي ركز على تخفيض الضرائب وتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي كل الاحوال فان الحديث عن حكم الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية في اوروبا ومنها بريطانيا وفرنسا وايطاليا وألمانيا لا يعني بأي حال من الاحوال نزوع هذه الاحزاب نحو تبني افكار ومضامين الاشتراكية العلمية التي كانت تدعو الى ديكتاتورية الطبقة العاملة وتملك الدولة لوسائل الانتاج وذلك هو غلو (الاشتراكية)... ولكن هذه الاحزاب الاشتراكية تمثل يسار الوسط كما يطلق عليها بالتوصيف السياسي فهي لا تنزع من الدولة كل سلطاتها ولا تعطيها كل شيء. وكما يشير بعض المفكرين الى ان اوروبا قد تدخل القرن المقبل بالاشتراكية الجديدة, وهذا يطرح تساؤلات كبرى لفقهاء ومنظري الفكر الرأسمالي منها: كيف تتصدى الرأسمالية لازماتها؟. ام هي البداية لانهيارها والدخول في نظريات سياسية جديدة تنقذ الانسانية مما تواجهه من توترات اجتماعية واتساع للهوة بين الفقر والغنى, اسئلة كثيرة تطرح نفسها, والواقع ان تجربة السنوات المقبلة للاحزاب الاشتراكية في اوروبا ستبين الى اي حد نجحت في تطبيق برامجها المضادة لاحزاب اليمين ومدى اتساقها مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والحضاري. الملف

تعليقات

تعليقات