شيراك وجوسبان يتناوشان على ذاكرة الحرب العالمية الاولى،التعايش يتصدع مجددا بين يمين فرنسا ويسارها

من جديد بدأ التعايش بين اليمين واليسار يتصدع أكثر فأكثر, عشية الاحتفالات الوطنية الفرنسية بانتهاء الحرب العالمية الثانية.وجاء هذا التصدع بعد تصريحات لرئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان, دعا فيها الى إعادة تأهيل ثوار عام1917وهم الجنود الــ75الذين إعدموا إبان الحرب العالمية باعتبارهم(عبرة)للجنود الآخرين . وقال جوسبان ان هؤلاء الجنود ينبغي أن يدخلوا في ذاكرتنا الوطنية الجماعية. الا أن هذه التصريحات لم ترق لقصر الاليزية الذي رد بجفاء على هذه التصريحات حيث قال الرئيس جاك شيراك: (في الوقت الذي تحتفي الأمة بذكرى تضحية أكثر من مليون جندي فرنسي منحوا حياتهم بين عامي 1914 و1918 للدفاع عن الوطن المحتل, تجد الاليزية من غير المناسب اعلان التصريحات العلنية التي قد تفسر اتجاهات تسعى لاعادة تأهيل المتمردين) . ولم تعلق رئاسة الحكومة على هذه التصريحات الرئاسية لكن السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي فرانسوا هولاند (حزب جوسبان) انتقد حملة الجدل السطحي, وأبدى أسفه على أن (شيراك قاد هذه الحملة) ,. أما حزب التجمع من أجل الجمهورية (حزب شيراك) فقد أعلن تأييده الكامل لتصريحات رئيس الجمهورية واعتبر خطاب رئيس الوزراء نوعا من (الهذيان والخرف التاريخي) . أما فيليب سيفان, رئيس حزب التجمع من أجل الجمهورية الديجولي فقال بأن رئيس الوزراء يريد كتابة التاريخ على طريقته. ومن الافضل له أن يكرس نفسه لانشطته الرسمية. ومما يذكر ان تصريحات جوسبان تشكل انعطافا كبيرا في الفهم الرسمي للحرب العالمية الاولى 1914 ــ 1918. فهذه هي المرة الأولى التي يثني فيها مسؤول فرنسي ويكرم (اولئك الجنود الذين أجهدتهم الهجومات, وأدينوا بالموت مسبقا, وغاصوا في الاوحال الممزوجة بالدماء, وشعروا بخيبة لا قرار لها, أنهم رفضوا ان يتحولوا الى ضحايا) . في الوقت الذي كان يقوم فيه 200 الف جندي بهجوم لا فائدة منه. ويبدو أن ليونيل جوسبان بتصريحاته التي اثارت جاك شيراك ومعسكر اليمين ككل إنما يسجل موقفه في تقاليد اليسار المسالم والمناهض للعسكريتارية. ومن المعروف أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يثير فيها رئيس الوزراء الفرنسي جدلا تاريخيا وسياسيا. ففي 14 يناير صرح ليونيل جوسبان في المجلس الوطني متهما اليمين بأنه الوريث للمستبعدين والمضادين لدريفوس في القرن التاسع عشر الا أنه سرعان ما قدم (اعتذاراته) الى المعارضة اليمينية, وفي نوفمبر من عام 1997 صرح بأنه (فخور بان يشارك الشيوعيون في حكومته) في الوقت الذي ظهر فيه كتاب يدين الشيوعية بعنوان (الكتاب الأسود) الذي يحمل الشيوعية بمسؤوليتها عن موت 100 الف انسان, غير أن مسألة الجنود الـ 75 تبدو وكأنها القشة التي قصمت ظهر التعايش. اذ اتسم رد الاليزية بحدة غير معهودة قال مراقبون انها جاءت لتأكيد حقيقتين اغفلهما جوسبان وهما ان التعامل مع مادة تاريخية بهذه الأهمية هو من اختصاص رئيس الجمهورية, وان جوسبان أدلى بهذه التصريحات دون ان يرجع الى جاك شيراك أو يتشاور معه. والأمر الثاني أن رئيس الوزراء بتصريحاته هذه اضفى على الموضوع اطارا رسميا, وهو في حقيقته اعتبر استفزازيا اذ من الصعوبة ان يسكت عنها رئيس الجمهورية باعتباره قائدا أعلى للجيش أيضا. وقد استخدم شيراك كلمة (غير مناسبة) في تعليقه على تصريحات ليونيل جوسبان ليعبر له عن عدم موافقة قصر الاليزية على ذلك, وقال رجال الرئيس الفرنسي المقربون بأن لا أحد قام باستشارتهم أو اعلامهم بهذه التصريحات وخصوصا قبل احتفال فرنسا بيوم الهدنة في 11 نوفمبر, وفي القوانين الفرنسية يعتبر رئيس الجمهورية هو (الضامن الوحيد للذاكرة الوطنية الجماعية) . وقد أعتبر الاليزية تصريحات جوسبان تجاوزا على صلاحيات رئيس الجمهورية. وفي الحقيقة أن هذه الخلافات ورد جاك شيراك (العنيف) إنما يعكس استراتيجيته استخدام القوة في مسألة التعايش السياسي. وفي هذه الحقيقة أن هذا الصراع بين رئيس الجمهورية (اليميني الديجولي) ورئيس الوزراء (اليساري الاشتراكي) بدأ منذ أشهر. واذا كان جاك شيراك يبدي بعض المرونة في التعامل مع بعض وزراء الحكومة الاشتراكية, فأنه انتقد وزير الاقتصاد دومنيك ستراوس, كان حول الضرائب المفروضة على الأعمال الفنية. ويحاول جاك شيراك أن يفرض (سياسة اخرى) ولكنها غير فاعلة ولا تتعدى حدود الآراء الشخصية لأن الحكومة الاشتراكية هي التي تسير كل ديناميات الحكم. وبذلك يعتمد جاك شيراك ويعود في كل مرة الى (الدستور) من أجل أن يحتفظ بصلاحياته المحدودة في الحكم, كما ويحلم بمساندة يمين جمهوري ومعتدل وهو لا يتردد بتوسيع صلاحياته التقليدية المحفوظة له. وفي أحيان كثيرة يقوم باستشارة بعض الوزراء او يقوم بزيارات الى المحافظات والمدن ليلعب دور رئيس الوزراء. على أي حال لا يخفي جاك شيراك خلافاته حول العديد من ممارسات وسياسات الحكومة الاشتراكية في مجالات متعددة, الضرائب, والحماية الاجتماعية, والزراعة, والضمان الاجتماعي للعائلة. ان هذا التصدع في التعايش بين اليمين واليسار يكشف هو الآخر عن أزمة عميقة أخرى يعيشها المجتمع الفرنسي وهو عجزه عن المصالحة مع تاريخه وماضيه. انها حالة الشيزوفرينيا التي تصيب الذاكرة الوطنية الجماعية في فرنسا.

تعليقات

تعليقات