تقارير(البيان): الرحيل الثاني لحركة قرنق من أثيوبيا..المعارضة السودانية تواجه(مأزق)التطبيع بين الخرطوم واديس ابابا

ليست هناك(مفاجأة) لكثير من مراقبي الشأن الاثيوبي ــ السوداني بشأن ما تردد عن قرار الحكومة الاثيوبية اغلاق مكتب الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان الذي يقودها جون قرنق , فما تردد مؤخرا عن قيام الحكومة الاثيوبية بالطلب من الحركة اغلاق مكتبها الوحيد في مدينة (قمبيلا) الحدودية جاء في نظر كثير من متابعي العلاقات بين الحليفين (اثيوبيا والمعارضة السودانية) كخطوة أو رسالة اعلامية قصد بها الاثيوبيون الاعلان عن توجه في سياستهم نحو السودان الرسمي والمعارضة الشعبية, يرى البعض انها قد جاءت متأخرة بحكم عوامل داخلية تتعلق بأوضاع السلطة الاثيوبية والمراكز المتعددة التي تتصارع داخلها, خاصة حول (سياسة الدولة) تجاه الجيران وفي مقدمتهم السودان حكومة ومعارضة. وفي رأي كثير من مراقبي ومتابعي التطورات الداخلية في اديس ابابا فإن التحول الأثيوبي تجاه العلاقات السودانية هو مجرد مؤشر لتفاعلات ظلت تمور داخل أروقة السلطة الحاكمة في اثيوبيا, وليس كما قد يخطر على البال بسبب النزاع الحدودي الاريتري ــ الاثيوبي. فقد كان انفجار النزاع في السادس من مايو الماضي مؤشرا قويا بأن تفاعلات الصراع في السلطة الاثيوبية حول علاقاتها بالجيران والشركاء قد وجدت طريقا للحسم. وما كان انفجار النزاع الحدودي وما تلاه من تطورات درامية الا إعلانا بانتصار الجناح الأكثر تشددا داخل حكومة اثيوبيا والرافض لكل سياسات التحالف والشراكة التي قامت بين الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكمة في اريتريا, والجبهة الديمقراطية لشعوب اثيوبيا الحاكمة في اثيوبيا. لقد كان من نتائج هذا التحالف الذي نشأ بين الجبهتين الاثيوبية والاريترية, ان امتد التحالف ليشمل تجمع المعارضة الديمقراطية السودانية, الحليف لأريتريا والذي ربطته بها علاقات حددها الطرفان بأنها (شراكة حاضر ومستقبل) . وبالنسبة للجبهة الديمقراطية الاثيوبية كان هذا التحالف محل خلاف كبير بين اطراف الجبهتين وخاصة داخل مركز الثقل والقوة فيها (جبهة تحرير التيجراي التي يقودها مكتب سياسي يرأسه رئيس الوزراء مليس زيناوي) لم يكن الخلاف أصلا حول التحالف مع تحالف المعارضة السودانية, بقدر ما كان حول استمرار التحالف مع الشريك الأساسي الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة التي يقودها الرئيس اسياسي افورقي, والتي لعبت دورا مرموقا في دعم تحالف القوى الديمقراطية الاثيوبية, وشاركت بفاعلية الفصائل والاحزاب الاثيوبية المناهضة لنظام الكولونيل منجستو هيلي مريام. بالنسبة لعلاقات الجبهة الشعبية الاثيوبية بالحركة الشعبية لتحرير السودان, فليس سرا ان يقال اليوم انها تاريخيا كانت علاقات مأزومة تداخلت فيها ظروف المرحلة والعلاقة بين الحركة الشعبية ونظام الكولونيل منجستو, ووصلت في بعض المراحل الى حد الصدام المسلح, لكن الحلف التاريخي والضروري بين السلطة الجديدة في أثيوبيا ما بعد منجستو, وشركائها الاريتريين قد فرض واقعا جديدا استدعى ان يقبل الجناح الاثيوبي المتشدد على مضض هذه العلاقة التي نشأت بين المعارضة السودانية وفي داخلها الحركة الشعبية لتحرير السودان.. ومع ان كلا الطرفين كان حريصا بسبب الأوضاع المتشابكة, وبسبب ان نظام السودان قد أساء بنفسه الى علاقاته بالنظام الاثيوبي, وأخطأ التقدير في حسابات القوة, وتصور ان له دالة على نظام اثيوبيا تبيح له ان يجعل من اديس ابابا مركزا يمارس فيه نشاطاته (الحضارية) الدولية (التي وصلت ذروتها بحادث محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في اديس ابابا), على الاحتفاظ بقدر من العلاقة الموضوعية, بل وسعى كل منهما الى تطويرها, للدرجة التي سمحت للحركة الشعبية لتحرير السودان بهذا الوجود القوي على مداخل الحدود الاثيوبية ــ السودانية, والذي كان نقطة وثوبها وانطلاقا الى داخل الاراضي السودانية (احتلال الكرمك وقيسان وبعض مناطق جنوب النيل الأزرق). فإذا تم الآن ــ بعد الاعلان عن اغلاق مكتب الحركة في (قمبيلا) ــ ترحيل قوات الحركة الشعبية من الحدود الاثيوبية, فلن يكون هذا هو الرحيل الأول للحركة عن اثيوبيا, وقد سبقه رحيل الحركة عن اثيوبيا عقب سقوط نظام الكولونيل منجستو هيلي مريام وأثناء دخول قوات التحرير الى العاصمة الاثيوبية, لكن الرحيل الثاني ــ اذا فُرض ــ فإنه سيتم في ظروف جد مغايرة لما حدث سابقا.. صحيح ان هذه الخطوة الاثيوبية والتي هي عنوان لتحول ــ قد يكون تكتيكا كما يعتقد البعض, وقد يكون استراتيجيا كما يرى مراقبون آخرون ــ في التوجهات السياسية لأثيوبيا تجاه شركائها وجيرانها وفي مقدمتهم اريتريا والسودان.. لكن هذا التحول فيما يخص قوات المعارضة السودانية (للتجمع قوات اخرى غير قوات الحركة الشعبية هناك) سيجري ــ وفق تقديرات موضوعية للمراقبين ــ مع مراعاة الظروف والقواعد التي بموجبها تواجدت قوات المعارضة في حدود السودان الاثيوبية. بمعنى آخر فإن اديس ابابا وهي تقوم بهذا التحول وتبني هذا التحالف الجديد مع نظام السودان, ستجد نفسها مضطرة ان تراعي العلاقات والالتزامات التي قامت ولم يكن طرفاها هي والمعارضة السودانية وحدهما, وإنما كانت هناك ــ ولاتزال ــ أطراف اقليمية ودولية أصبحت متداخلة في صميم هذه العلاقة.. وليس (الايجاد) التي كانت اثيوبيا حتى الأمس تتبنى فيها المبادرة التي اعترفت بالحركة الشعبية لتحرير السودان ــ على الأقل ــ كطرف في الصراع السوداني التي قامت المبادرة لحله سلميا هي الطرف المعني اقليميا ودوليا وحدها. وبرغم ان دوائر التجمع الوطني الديمقراطي المسؤولة تتحفظ في الحديث حول هذا الأمر, وتعلن ان موقف التجمع في علاقاته بحلفائه لايزال هو موقفه الذي نقله للقيادتين الاثيوبية والاريترية وفد النوايا الحسنة برئاسة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي خلال زيارات متعددة قام بها الى اديس ابابا واسمرا.. الا ان تقارير موثقة ــ حجبت وقتها عن النشر ــ أشارت الى ان هذا (التحول) في علاقات اثيوبيا بالمعارضة السودانية, لم يبدأ هكذا فجأة.. المراقبون المتابعون يعرفون ان بدايات (التحول) ترجع وتعود الى ديسمبر الماضي, إذ بدأت منذ ذلك التاريخ علاقات اثيوبيا بحلفائها في قوات المعارضة تأخذ شكلا (باردا) على الأقل, لذلك عندما يقولون ان الخطوة باغلاق المكتب قد جاءت متأخرة, فهم يرجعون ذلك الى محاولات بذلتها الأطراف الصديقة للطرفين لاحتواء الأزمة ومنع تصاعدها. على الجانب السوداني ايضا فإن المعارضة السودانية لابد ان تكون قد (حسبت) ومنذ البداية ان أمثال هذه التحالفات عرضة للاهتزاز, خاصة عندما تتداخل الصراعات الداخلية والتي غالبا ما تجد لها منفذا لحسم أمورها في قضايا العلاقات التحالفية مع الاطراف الأخرى. وهنا ينشأ السؤال.. ماذا تريد أثيوبيا من تحولها تجاه نظام الخرطوم؟ الواضح ان القيادة الاثيوبية الحاكمة وهي تواجه مشاكلها الذاتية الداخلية, وأزماتها مع المعارضة الاثيوبية الاخرى (الاسلامية والديمقراطية) تحاول ان تجد لها منفذا من خلال بناء حلف جديد مع نظام الخرطوم تتصور انه سيساعدها على الأقل في احتواء المعارضة الاثيوبية (الاورومو وغيرهم) .. التي ظلت (الكرت) الضاغط في علاقات نظام الخرطوم بها.. لقد كان الاعلان عن تسيير خط الطيران بين الخرطوم واديس ابابا, برغم ان قرار الحظر كان موجها أساسا ضد الخطوط السودانية, فيما تقول اديس ابابا (ضرورة) لأنها تريد (منفذا جويا) نتيجة لنزاعها مع أسمرة.. وكان العمل الذي بدأ منذ أشهر لاستغلال مرفأ بورتسودان, فيما تقول اديس ابابا ايضا (ضرورة) لأن النزاع مع جارتها وشريكتها اريتريا قد حرمها من المنافذ الاريترية.. هذا ما تقوله اديس ابابا, لكن ترجمة ذلك سودانيا ان على اديس ابابا ان تنفض يدها نهائيا عن التحالف الذي اتهمته الخرطوم بأنه يشن حربا غير معلنة ضدها لحساب الولايات المتحدة الامريكية.. هل تستطيع اديس ابابا ان تنفض يدها فعلا عن التحالف المزعوم؟ وهل تسمح ظروف النظام الاثيوبي المعقدة (للجناح المتشدد) الذي يريد ليس فقط تغيير التحالفات القائمة اقليميا, بل داخليا ايضا ان يسير قدما في مشروعه مع دقة وحساسية موازين القوى الاثيوبية داخل الجبهة الديمقراطية لشعوب اثيوبيا؟ وما مصير المبادرة الأمريكية الثانية التي في ظلها تجري الآن المفاوضات السرية بين وزيري الخارجية الاثيوبي والار يتري ومسؤولين سياسيين اثيوبيين واريتريين كبار برعاية الولايات المتحدة الامريكية؟ كل هذه الأسئلة ستظل بلا أجوبة قاطعة انتظارا لما ستكشف عنه الأيام المقبلة. اما بالنسبة للتجمع الوطني الديمقراطي (المعارضة السودانية) فالمعتقد ان ما جرى خلال هذا الأسبوع لم يشكل (مفاجأة) غير متوقعة بالنسبة لها, لكن الأكيد انه اذا لم يحدث عمل سريع يحتوي التدهور الذي حدث على صعيد علاقاتها بأثيوبيا وعلى صعيد تحول اديس ابابا صوب الخرطوم, فإن على المعارضة ان تعيد النظر كثيرا في بعض حساباتها.. وهو أمر من المعتقد انها تقوم به الآن. القاهرة ـ محمد عبيد

تعليقات

تعليقات