نافذة: بوادر تدخل دولي في السودان:بقلم-محمد الحسن أحمد

الدعوة التي وجهتها كبرى المنظمات الانسانية للأمم المتحدة للاضطلاع بدور سياسي لوضع حد للحرب الأهلية في السودان تعتبر دعوة استثنائية قد تترتب عليها نتائج خطيرة للغاية , لان هذه المنظمات في العادة لا تتدخل في الشأن السياسي بشكل واضح, ناهيك عن اتصالها بشكل مباشر مع أعضاء مجلس الأمن, الا اذا كانت هناك ترتيبات معدة سلفا خاصة ان اتصالها وجد استجابة فورية. لقد اجتمع ممثلو المنظمات الاغاثية بأعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة وأكدوا على نقاط عديدة: أبرزها أن المساعدات الانسانية بدون معالجة سياسية لن تحل مشاكل السودان, وان الاطراف السياسية السودانية تفتقر الى الارادة السياسية لانهاء الحرب وان المجتمع السوداني جرى اضعافه بحيث أصبح حدوث كوارث انسانية أخرى أمراً حتمياً, وذكرت المنظمات ان جهود (الايجاد) لم تحقق شيئا لان الحكومة والحركة يتصرفان وكأن الحرب لا السلام هي التي تخدم مصالحهما فضلا عن استخدامهما المدنيين كدروع بشرية وارغام الشباب قسرا على التجنيد للحرب, كما طالبت بتمديد وقف اطلاق النار الى نوفمبر 1999 وتوسيع نطاقه ليشمل المناطق الأخرى. ولم تتأخر استجابة الأمم المتحدة, إذ قررت ايفاد السيركيران برندر فوست مساعد الأمين العام للشؤون السياسية الى شرق افريقيا هذه الأيام لاجراء مشاورات في المنطقة بهدف البحث عن سبل لانهاء النزاعات في كل من السودان والصومال. وعلى الفور تباينت ردود الفعل بين الحكومة والحركة الشعبية فبينما اعرب جون لوك المتحدث باسم قرنق عن ترحيبه ببذل مزيد من الضغط على الطرفين من أجل حل سلمي. فان الدكتور الترابي الذي أبدى رأيا سلبيا في ايجاد حل شن هجوما عنيفا على الأمم المتحدة ورفض السماح لها بأي دور. من هنا نبدأ, ونتساءل : هل من الحكمة في شيء رفض تدخل الأمم المتحدة؟ وهل هي فعلا منظمة لا حول ولا قوة لها كما ادعى الترابي؟ وهل رفض حكومة السودان يمنع الأمم المتحدة من التدخل؟ وأخيرا ما هي احتمالات ما سيسفر عن تدخل الأمم المتحدة؟ .. وقبل ان نجيب بقبول أو رفض تدخل الأمم المتحدة, يلزمنا أن نشير الى ان الرفض لو كان بسبب منع تدويل القضية فانها قد دولت منذ انقلاب الجبهة على السلطة الديمقراطية لان اول مفاوضات اجرتها مع قرنق كانت برعاية الرئىس الامريكي الاسبق كارتر ووساطة كينيا. ثم تنقلت في الوساطات حتى انتهى بها المطاف في وساطة (ايجاد) التي وصفها الترابي اخيرا باوصاف سلبية, ومن هذا المنطلق يبدو رفض وساطة الامم المتحدة لايستند الى اي منطق مبدئي لان الامم المتحدة تملك صلاحيات واسعة بل ان مجلس الامن له سلطات واسعة تصل حدود التدخل العسكري فيما يتعلق بحفظ السلام العالمي. وليس من المنطق ان يكون دور الامم المتحدة على الدوام هو تقديم العون الانساني لضحايا الحرب دون ان يعنيها وقف الحرب ذاتها دليل هذا هو المنطق الذي دفع تلك المنظمات الى اللجوء الى الامم المتحدة طالبة تدخلها السياسي لوقف الحرب حماية للانسان السوداني بعد ان عجزت الجهات المتحاربة خلال عشر سنوات عن الوصول الى اتفاق ينهي تلك الحرب المأساوية. اذن يبقى رفض النظام لتدخل الامم المتحدة انه لن يغير في الامر شيئا بل سيحسب عليه انه الطرف الرافض للسلام أو الاحتكام الى مايفضي الى الوصول اليه ولن يمنع تدخل المنظمة التي تنظر الى الحرب بكل امتداداتها لعشرات السنين وقبل الحديث عن الاشكال المحتملة للتدخل المتوقع من الامم المتحدة نشير هنا الى ماطالبت به صحيفة (نيشن) الامة الكينية الواسعة الانتشار في عددها الصادر الجمعة الماضي حيث شبهت الوضع في جنوب السودان بالوضع في رواندا التي شهدت مذبحة جماعية مات فيها نصف مليون انسان, وقالت ان الفارق الوحيد ان الاحداث تتم في السودان ببطء واشادت بنداءات منظمات الاغاثة ودعت مجلس الامن للتعامل مع التحرك المطلوب بالجدية الكاملة دون التفات لاعتراضات الحكومة السودانية لان الحاجة الى تحرك عاجل وحاسم لم يعد من الممكن تجاهلها او انكارها, ووصفت انكار الحكومة لخطورة الوضع بأنه يرقى الى اعتباره جريمة ضد الانسانية. ان ما قالته الصحيفة الكينية له اكثر من دلالة ويكشف جانباً مما يتوقع ان يفعله مجلس الامن, ومن دلالاته ان كينيا الراعية لرئاسة وساطة منظمة (الايجاد) قد نفد صبرها من احتمالات ان تحقق جولات المفاوضات ما يقود الى السلام. ولعل ما قالته الصحيفة يكشف ان تدخل الامم المتحدة لن يمنعه رفض الحكومة, كما ان التدخل الذي سيكون مفروضاً على الحكومة يعني استخدام القوة في صورة من الصور التي قد تراها الامم المتحدة مناسبة. وهو قد يعني ارسال قوات لمنع القتال, وقد يعني ان يستتبع ذلك مشروعاً يقره المجتمع الدولي لتقسيم السودان او لضمان وحدته ومن ثم يفرض تطبيقه او ان يوضع السودان تحت وصاية دولية ترعاها الامم المتحدة على نحو يتفق عليه مع منظمة الوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية, وهو ما يعني عزل النظام نهائياً والتعامل مع البلاد بحسبانها قاصرة عن تسيير دفة شؤونها الى ان تبلغ مرحلة الرشد عوضاً عن تركها على ما هي عليه فتتحول الى صومال آخر. وعلى الجانب الآخر فان المعارضة التي لم يصدر عنها ما يعبر عن رأيها فيما طرحته المنظمات الانسانية الا في حدود الترحيب الاولي الذي صدر من الناطق باسم حركة قرنق فانها من خلال السيناريوهات المشار اليها انها ايضاً مصنفة, اما في اطار العجز عن اطاحة النظام او انها ليست البديل المقنع الذي له القدرة والرؤية لحكم السودان الجديد. وايا كان الامر فان جميع الاطراف لا تبدو أنها منزعجة ولا مهتمة بالخطوات التي بدأت في اتخاذها الامم المتحدة ولم يتأملوا ويتمعنوا في الاسباب التي دفعت هذه المنظمة الى الخروج من خطها الاغاثي الى الميدان السياسي؟ ولم يتدبروا ما اذا كانت هناك قوى سياسية وراء هذه المبادرة او تدعمها؟ ولعل كل هذه التساؤلات الحائرة بدون اهتمام من الجميع او حتى البحث لتوفير اجابات عليها تعزز الرأي الذي يرجح احتمال ان السودان بحاجة الى فرض وصاية دولية عليه! صحافي سوداني مقيم ببريطانيا*

تعليقات

تعليقات