وراء الأحداث: كوسوفو.. شيء من التاريخ والجغرافيا:بقلم- مصطفى كمال

السبب الرئيسي في تردد الغرب هو عدم ترحيبهم بانضمام البان كوسوفو لألبانيا, وفي نفس الوقت عداؤهم للسلاف المنتمين لروسيا اكثر من انتمائهم لاوروبا . كان مشهدا عجيبا ان يركع كل افراد الجيش الصربي ليقبلوا تراب كوسوفا التي طرد اجدادهم منها قبل خمسة قرون. ربما كان من حسنات نظام تيتو انه لم يلجأ للعنف ضد المطالبين بالانسلاخ عن صربيا والانضمام لألبانيا. يقع اقليم كوسوفو في وسط الجزء الجنوبي من جمهورية الصرب, التي حملت اسم جمهورية يوغسلافيا الاتحادية بعد تفكك هذه الاخيرة, وانسلاخ كل من سلوفينيا وكرواتيا منها في يونيو 1991. وتتاخم كوسوفو من الجنوب جمهورية مقدونيا, ومن الغرب البانيا, ومن الشمال الغربي جمهورية الجبل الاسود (المتحدة مع صربيا) ومن الشمال والشرق جمهورية الصرب. ويبلغ عدد سكان كوسوفا اكثر من مليوني نسمة, اي نحو 20 بالمائة من مجموع سكان جمهورية يوغسلافيا الاتحادية ـ والاغلبية الساحقة مسلمون, من اصل ألباني, او كما كان الأتراك يسمونهم, ارناؤوط. وعلى مدى مئات السنين عرف اقليم كوسوفو بانه من اكثر مناطق اوروبا فقرا وتخلفا ـ ومع ان الرئيس اليوغسلافي الاسبق جوزيب بروز تيتو بذل جهودا واضحة في سبيل التنمية الاقتصادية وتحقيق نوع من التوازن بين كوسوفو وسائر اقاليم يوغسلافيا الا ان علامات الفقر والتخلف مازالت تغلب على الاقليم الألباني. ومازالت عاصمته برشتينا اقرب الى عواصم العالم الثالث منها الى اية مدينة اوروبية. ويمكن القول انه حتى اواخر القرن الرابع عشر كانت كوسوفو منطقة شبه منسية في البلقان, بينما كانت جحافل الاتراك العثمانيين تتوغل عبر اليونان في اراضي الصرب التابعة حينذاك لمملكة المجر. وفي سياق المسيرة العثمانية الظافرة اعتنق الاسلام كثير من القبائل السلافية الاصل, وخاصة قبائل البوجوميل التي كانت تدين بالتوحيد حتى قبل وصول الاتراك فوجدوا من الطبيعي ان يصبحوا مسلمين, وحارب هؤلاء في صفوف القوات التركية. حتى اذا ما وصل الجيش التركي الى كوسوفو تصدى لهم جمع هائل من الصربيين والبوسنيين والمجريين واليونانيين والبلغاريين. ولكن النصر كان معقودا للأتراك الذين فتكوا بالحلف الاوروبي فتكا ذريعا, وكلفوهم اكثر من مائة الف قتيل في معركة مازالت تعتبر اعنف المعارك التي شهدتها اوروبا حتى الحرب العالمية الثانية وكان ذلك يوم 28 يونيو 1389. ووزع السلطان المنتصر, بايزيد الاول اراضي كوسوفو على حلفائه الصربيين المسلمين والألبان وقبائل البوجوميل بعد ان هجرها الصربيون الارثوذكس فارين للشمال والغرب, فاستقروا فيها يزرعون ويحصدون حتى يومنا هذا.. وهؤلاء هم الذين يسمون الآن البان كوسوفو.. اما بايزيد الثاني فقد اندفع بفرسانه في اتجاه بودابست عاصمة المجر. وكما يقول المؤرخ جيبون في روايته عن السلطان التركي وهو في قمة انتصاراته قبل ان يقع اسيرا في يد تيمور لنك بعد ذلك بأعوام طويلة, انه كان يخطط بعد كسر عظام ملكة المجر والاستيلاء على بودابست ان يتجه شمالا لتحطيم المانيا, ثم ينحدر جنوبا للاستيلاء على روما, مقر الامبراطورية الرومانية الغربية, (ولن يهدأ له قرار الا عندما يروى جواده ظمأه من مياه نهر التيبر) .. ومع ان الصربيين الارثوذوكس لم يكونوا وحدهم المهزومين في موقعة كوسوفو الا انهم اعتبروا الهزيمة هزيمتهم, ومن ثم فان الثأر ثأرهم واصبح يوم 28 يونيو ــ يوم معركة كوسوفو ـ سنويا يوم حداد عام مقدس, يبكون فيه مثلما يبكي اليهود عند حائط المبكى.. ويستفزون فيه الاحقاد والثارات ضد الالبان الذين طردوهم من اراضيهم واستولوا عليها ومازالوا يقيمون بها فوق اشلاء اجدادهم. وحول هذه المعاني المفعمة بالكراهية والاحقاد الموروثة التي اكتسبت طابعا دينيا يدور العديد من الأشعار والملاحم الفولكلورية التي اصبحت تشكل جزءا اساسيا من التكوين النفسي للصرب الارثوذكس.. وقد ظلت كوسوفو جزءا من ممتلكات الامبراطورية العثمانية حتى حرب البلقان الاولى سنة 1912, حينما دخلتها القوات الصربية, وكان مشهدا عجيبا ان ترى كل افراد الجيش الصربي من اكبر الرتب الى اصغرها يركعون على الارض ليقبلوا تراب كوسوفا التي عادت اليهم بعد خمسة قرون! واصبحت كوسوفو منذ ذلك الحين جزءا من صربيا التي هي بدورها جزء من ممتلكات الامبراطورية النمساوية.. حتى كانت الحرب العالمية الاولى, والتي كان من نتائجها تفكيك الامبراطوريتين المهزومتين, التركية والنمساوية وكان من علامات هذا التفكيك اقامة مملكة يوغسلافيا على انقاض الممتلكات النمساوية في البلقان, من صربيا بما فيها كوسوفو ـ ومقدونيا والجبل الاسود وسلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك.. وجعلوا على رأسها ملكا من اصل صربي. وهكذا فقد البان كوسوفو هويتهم.. واصبحوا اقلية تكافح من أجل الاعتراف بوجودها.. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية, واجتاحت الجيوش الالمانية والايطالية يوغسلافيا, واخذ الجيش الملكي يتراجع امام القوات المهاجمة حتى كانت وقفته الاخيرة في كوسوفو.. وبدلا من ان يقاتل المهاجمين انقض على البانيا المجاورة, غير ان ذلك لم يجده شيئا, وما لبثت قوات المحور ان ادركت الجيش اليوغسلافي الملكي فسحقته سحقا, بمساعدة الالبانيين وكوفئت البانيا على ذلك بضم كوسوفو اليها. واصبحت كوسوفو جزءا من البانيا حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية, وعندما تقرر في التسويات النهائية للحرب ان تعود كوسوفو الى يوغسلافيا كجزء من صربيا ـ التي اصبحت حينذاك تحت سيطرة تيتو, لم تبد حكومة تيرانا الشيوعية اي اعتراض.. والحق ان البان كوسوفو شهدوا احسن ايامهم في عهد تيتو فقد رفع عنهم كثيرا من القهر الذي عانوه على يد الصرب, وخصص جزءا كبيرا من ميزانية الدولة الاتحادية لتنمية اقليم كوسوفو, وفي 1974 اصدر دستورا جديدا حصل البان كوسوفو بمقتضاه على حكم ذاتي موسع الى حد ما, واصبح من حقهم الحصول على قروض خارجية دون الرجوع الى الحكومة المركزية في بلجراد. واصبحت كلية برشتينا جامعة مستقلة. وعندما توفي تيتو في عام 1980, كان اكثر من ثلث سكان برشتينا يدرسون في مراحل التعليم المختلفة. واهم من هذا انه بالرغم من دستور يوغسلافيا الذي كان لا يسمح بتعدد الاحزاب, الا ان نظام تيتو لم يلجأ الى استخدام وسائل القمع لمنع المطالبين بالوحدة مع البانيا من ممارسة نشاطهم العلني. ولكن وضع البان كوسوفو تغير بعد وفاة تيتو وساءت احوالهم الاقتصادية والسياسية بنوع خاص بعد تمزق اتحاد يوغسلافيا وانفراد صربيا بالتركة بعد انسلاخ كرواتيا ومقدونيا وسلوفينيا. ومع تزايد القهر الصربي في عهد سلوبودان ميلوسيفيتش رئيس صربيا الحالي الذي واجه الحركة القومية الالبانية في كوسوفو بنفس اساليب القهر والغطرسة التي استخدمها ضد الاغلبية المسلحة ـ الكرواتية في البوسنة والهرسك.. ويعتقد المراقبون ان جزءا كبيرا من غطرسة سلوبودان ميلوسيفيتش ووحشيته ازاء ما يسميه الانفصاليين الالبان انما يرجع الى الخلفية البيئية التي تحكم تصرفاته. فعندما كان يدرس بالجامعة انتحر ابوه.. وبعد ذلك بسنوات ماتت امه ايضا منتحرة. اما عن نفسه, فهو نتاج طبيعي لحركة تطهير واسعة اجراها تيتو في الحزب والسلطة عام 1972. ففي اعقاب حركات التطهير عادة تسنح الفرصة للانتهازيين والوصوليين للقفز الى المناصب الكبرى.. وكان سلوبودان ميلوسيفيتش نموذجا لهذا النوع من المتسلقين فقفز بسرعة من عضو عادي برابطة الشيوعيين اليوغسلاف (الحزب الشيوعي) الى رئيس لمنطقة بلجراد, ثم الى منصب امين عام الحزب الصربي كله في 1986.. وفي نفس الوقت ارتقى من موظف صغير باحد مصانع الدولة الى مدير لنفس المصنع, ثم محافظ لاحد البنوك التجارية الكبرى ـ وقد حمله هذا المنصب الاخير الى عدة زيارات للولايات المتحدة والتعرف الى العديد من كبار مديري الشركات الامريكية والعابرة للقارات. ولانه طوال هذه المسيرة لم يكن شخصية محبوبة على الاطلاق فقد لجأ كأي انتهازي عريق ـ الى اسهل وسيلة لكسب رضا عامة الصرب عنه الا وهي ان يبدو امامهم في زي بطل كوسوفو. مستغلا في ذلك الغرائز العنصرية العميقة التي مازالت عالقة في جذور الصرب منذ موقعة 28 يونيو 1389.. وقد واتته الفرصة في ابريل 1987. عندما تلقت الحكومة المركزية في بلجراد التماسا موقعا عليه من 60 الف صربي يعيشون في كوسوفا, يطالبون بوقف ما سموه حرب ابادة يشنها الالبان ضدهم. وكانت هذه الفترة تشهد بالفعل صدامات عنصرية عنيفة بدأت بوفاة احد المعتقلين بسجن برشتينا وصحبها وزاد من اشتعالها اتهام الاقلية الصربية للاغلبية الالبانية باغتصاب نسائهم, وتعليق الزعيم الالباني فاضل خوجة على ذلك بقوله ان نساء الصرب يستطعن الافلات من الاغتصاب اذا زاد عدد الفاسقات منهن في المدن والقرى.. وعلى اثر هذه الواقعة ارتدى ميلوسيفيتش ثوب البطل المدافع عن الصرب وكرامة الصربيين, وتوجه الى برشتينا ليقسم من فوق فوهة مدفع انه سيؤدب الالبانيين.. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك ان زاد اشتعال النزعة الانفصالية لدى الالبان المعرضين لجرعات زائدة من القهر المركزي.. غير ان القهر المركزي من جانب ميلوسيفيتش وحكومته, والذي استخدم فيه القوات المسلحة بطائراتها ومدافعها ودباباتها لم يكن ليمر بهذه السهولة ليس فقط بسبب مقاومة الالبان الباسلة, ولكن ايضا بسبب العدد الكبير من المهاجرين الالبان بالخارج والذين يشكلون جاليات عالية الصوت في الولايات المتحدة والمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا.. حيث استطاعت هذه الجاليات ان تكتسب تعاطف الرأي العام في اوروبا وامريكا.. ومع ان سلوبودان ميلوسيفيتش لم يأبه بهذا الاعتراض الدولي على وحشيته.. الا انه فيما يبدو ممزق بين امرين.. اولهما, انه لا يستطيع ان يتنازل بسهولة عن ثوب البطولة المزعومة الذي ارتداه يوم اظهر نفسه امام مواطنيه باعتباره اشد الناس حرصا على كرامة الصرب, وحماسا للثأر المقدس لمعركة 28 يونيو 1389. وثانيهما انه لا يستطيع ان يعتمد تماما على مساندة روسيا التي تبدو رغم معارضتها لاي اجراء عسكري تتخذه ضده بلدان حلف الناتو مشغولة جدا بهمومها الداخلية, عن القيام بأي دور جاد خارج حدودها.. من ناحية اخرى, فان امريكا وسائر دول حلف الناتو رغم تهديداتها المتكررة باستخدام العنف ضد نظام سلوبودان ميلوسيفيتش فانها لاتزال تتردد في اتخاذ اية خطوة جادة لتنفيذ تهديداتها.. ولا نستطيع ان نفهم سر هذا التردد, خصوصا وان هناك حالات قريبة لم تبد فيها الولايات المتحدة شيئا مثل هذا التردد, واقربها العدوان الجوي السافر على مصنع ادوية الشفاء بالخرطوم بعد ايام من تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام حتى بافتراض ان هناك علاقة بين الواقعتين.. ولعل التفسير الوحيد للتردد الواضح من جانب الغرب عموما في اتخاذ اي اجراء عملي ضد نظام سلوبودان ميلوسيفيتش هو عدم ترحيبهم بحصول البان كوسوفو على حق تقرير المصير, خشية ان يكون قرارهم هو الانضمام الى البانيا ـ الوطن الام.. وهذا معناه ان تصبح لدينا في البلقان دولة مسلمة قوامها ستة ملايين نسمة, اي اكبر بنسبة 35 بالمائة من البانيا بوضعها الحالي.. وهو امر يبدو انه لا يريح كثيرا صناع القرار في الغرب الذين مازالت تحكم اهواءهم هلوسات الحروب الصليبية, مهما ارتدوا من اقنعة كي تخفيها.. وقد يحكم هذا التردد ايضا, في الناحية الاخرى, اتجاه غريزي لدى الاوروبيين بشكل عام ضد الجنس السلافي الذي يضم معظم شعوب البلقان ــ والصرب بالذات والروس في قالب واحد.. فلا هم مرحبون بالتنازل لالبان كوسوفا عن حقهم في تقرير مصيرهم, ولا هم مستعدون لارضاء الصرب السلافيين واغماض العين عن جرائمهم ضد حقوق الانسان حتى آخر المدى.. ومن اجل ذلك, لا يملكون سوى التردد, وان كان اغلب الظن ان هذا التردد سوف ينتهي في اللحظة التي يتأكدون فيها ان قرار البان كوسوفو عندما ينحسر عنهم القهر الصربي سوف يكون في أي اتجاه غير الاتحاد مع ألبانيا..

تعليقات

تعليقات