الأبعاد التاريخية للصراع في كوسوفو: بقلم- د. أحمد فارس عبدالمنعم

يعود الصراع بشأن كوسوفو إلى القرن الرابع عشر الميلادي, والذي يثير فعلا في هذا النزاع هو نزعة التقديس وبذلك لا يعد هذا نزاعا عاديا بل نزاعا مقدسا يعتمد على مفهوم (الأرض المقدسة) و (الحق التاريخي)وغير ذلك من المفاهيم التي تجيش المشاعر الدينية التاريخية في وجه المعطيات الدنيوية ــ الواقعية لكي تعزز موقعها ضد الطرف الآخر. وفي الواقع ان (التقديس) وتكريس (الحق التاريخي) يرتبط بالطرف الصربي الذي يرى لاعتبارات معينة ان كوسوفو (ارض مقدسة) ارثوذكسية ولذلك يملك (الحق التاريخي) بها بغض النظر عن وجود أغلبية البانية مسلمة منذ عدة قرون. وفي المقابل يرد الطرف الالباني على ذلك (بالوجود الطارىء) للصرب في كوسوفو و (الحق الواقعي السياسي) للأغلبية (90%) التي تقطن هذه الارض. الصراع بين الصرب والعثمانيين تشكلت نواة الدولة الصربية في وسط البلقان في اواخر القرن الحادي عشر. ومع تولي الامير نيمانيا (1195 ــ 1128) الحكم توسع باتجاه الجنوب الغني بالسهول الزراعية والمناجم (كوسوفو) التي تحولت خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الى المركز الاقتصادي والسياسي والديني لدولة الامبراطورية الصربية حتى وقوع معركة كوسوفو سنة 1389 مع الاتراك العثمانيين. ومع هذه المعركة ننتقل من التاريخ الحقيقي الى التاريخ الاسطوري. فقد أصبحت هذه المعركة تعتبر هي الانعطاف المهم في التاريخ الصربي, حتى اصبح التاريخ الصربي يقسم الى (ماقبل كوسوفو) و(مابعد كوسوفو) على اعتبار ان معركة كوسوفو جسدت (نهاية الدولة الصربية) ولذلك فقد حفزت هذه المعركة باستمرار روح الانتقام واثارت روح (الاسترداد) لكوسوفو من المسلمين. لقد دارت هذه المعركة في 15 يونيو سنة 1389 في سهل كوسوفو بالقرب من مدينة بريشتينا, حيث قاد السلطان مراد القوات العثمانية بينما قاد الامير لازاد القوات الصربية. والامر الوحيد المؤكد ان المعركة انتهت في ذلك اليوم بمقتل القائدين, اما فيما عدا ذلك فيمكن القول انه لدينا واحدة من اغرب المعارك في نهاية التاريخ الوسيط فقد ضخمت هذه المعركة كثيرا في الذاكرة الجماعية للطرفين, واعتبرت واحدة من المعارك الحاسمة بين الاسلام والمسيحية في اوروبا, ولعبت بناء على ذلك دورا كبيراً في شحن المشاعر والافكار والمواقف على مدى اكثر من ستة قرون وان كان العثمانيون لم يسيطروا بالفعل على كوسوفو الا في سنة 1455 ميلادية واستمروا كذلك حتى اندلاع حرب البلقان عام 1912. ولقد قام المشروع القومي الصربي منذ منتصف القرن التاسع عشر (مشروع غراشانين سنة 1844) على توسع صربيا الناشئة في المناطق المجاورة التي كانت تتبع الدولة الصربية في القرون الوسطى (كوسوفو ومقدونيا والبوسنة) على اعتبار ان هذه المناطق صربية. وفي هذه الحالة كان المشروع القومي الصربي يركز على (الحق التاريخي) و (الارض المقدسة) ويطالب باسترداد وضم هذه الاراضي الى صربيا, ولكنه يتجاهل كل وجود آخر (اثنى وثقافي) في تلك الاراضي. ولقد كانت البداية في الحرب الروسية العثمانية (1877 ــ 1878) التي شاركت فيها صربيا الى جانب روسيا القيصرية, والتي شهدت اندحار القوات العثمانية في قلب البلقان, ففي اطار هذه الحرب عبرت القوات الصربية الحدود العثمانية (ولاية قوصوة) وروعت السكان الألبان حيث أجبرت عشرات الآلاف من الالبان على الهجرة الى كوسوفو الحالية. وعلى حين لجأت الادارة الصربية الى تجربة التطهير الاثني في المناطق المحررة حيث لم يعد بعد سنوات مايذكر بوجود الاخر (المسلم) غير المرغوب فيه, فإن الالبان الذين اجبروا على الهجرة حملوا معهم الى كوسوفو مشاعر المرارة والعداوة للصرب وصربيا والخشية من تكرار هذا المصير في قلب كوسوفو في مرحلة لاحقة بعدما اخذت صربيا تركز في دعايتها على (تحرير) كوسوفو من الحكم العثماني. وفي الواقع فقد اخطأت صربيا خطأ فادحا في التعامل مع الاخر في المناطق المحررة فعوضا عن ان تقنع السكان الالبان بجدوى التحرر من الحكم العثماني وتركز على قيم التعايش والتسامح لتشجع الالبان في الاراضي المجاورة (كوسوفو) على الترحيب بالتحرر من الحكم العثماني فقد اثرت التجربة الاولى في التعامل مع الاخير (الألبان) في المناطق المحررة عامي 1877 و7881 شعوراً مريراً بالعداء, الامر الذي سيتجدد ثانية خلال حرب البلقان سنتي 1912 و1913 حين قامت صربيا بتحرير كوسوفو من الحكم العثماني. الصراع بين الصرب والالبان وبعد نجاح بلجراد في ضم معظم كوسوفو الى صربيا خلال الازمة الاقليمية ــ الدولية التي صاحبت انعقاد مؤتمر لندن 1912 ــ 1913 بدا انه لابد من التخلص بسرعة من الاغلبية الالبانية غير المرغوب فيها, لكي يبرز على الارض بالفعل الطابع الصربي التاريخي والمقدس مما يبرر المطالبة بضمها الى صربيا. وفي هذا الاطار اخذت السلطات الصربية في ارغام الالبان المسلمين (95%) والكاثوليك (5%) على اعتناق الارثوذكسية, اذ يسهل بهذا الشكل ذوبانهم في الاطار الصربي الارثوذكسي وترويع السكان لارغامهم على الهجرة سواء الى البانيا او تركيا وفي موازاة ذلك عمدت بلجراد الى تطبيق سياسة الاستيطان اي استقدام الصرب من المناطق الاخرى وتوطينهم في كوسوفو. وفي هذا الاطار اصدرت الحكومة الصربية في فبراير 1914 (مرسوم الاستيطان في الاراضي المحررة حديثا) والذي وعدت فيه الحكومة المستوطنين الصرب بمنحهم 9 هكتارات من الاراض لكل عائلة بالاضافة الى هكتارين لكل فرد من العائلة يتجاوز عمره السادسة عشرة والى جانب ذلك فقد ضمن لهم هذا المرسوم الانتقال المجاني والاعفاء من الضرائب لمدة ثلاث سنوات. وقد وصل الحماس لتصريب كوسوفو الى حد ان رئيس الحكومة الصربية توقع في مارس 1914 ان ينجح في استقدام حوالي 250 الف صربي من الذين هاجروا الى امريكا لتوطينهم في كوسوفو محل الالبان الذين يرغمون على الهجرة. وعلى الرغم من صعوبة التوفيق بين الارقام الصربية والالبانية حول عدد الالبان الذين ارغموا على الهجرة خلال 1913 ــ 1914 الا ان العدد لا يقل عن 50 الف مهاجر, مما يدل على وتيرة التصريب, الذي كان يمكن ان يتم بسرعة لولا اندلاع الحرب العالمية الاولى في اغسطس 1914. فنتيجة لهذه الحرب, التي اندلعت في الاصل بين النمسا وصربيا, اخترقت القوات النمساوية صربيا في نهاية عام ,1915 ومنحت الالبان في كوسوفو نوعا من الحكم الذاتي (الثقافي) حتى نهاية الحرب العالمية الاولى. ومع ان قوات الحلفاء (الفرنسية القادمة من سالونيك) شاركت بقوة في دحر القوات النمساوية ــ البلغارية ودخلت مدن كوسوفو في خريف عام 1918 مع الجيش الصربي الثاني, فقد اعتبر هذا الدخول (التحرير) الصربي الثاني. ومع ان كوسوفو في هذه المرة دخلت في اطار الدولة الجديدة (يوغوسلافيا) التي اعلنت في ديسمبر 1918 والتي قبلت في عصبة الامم بشرط تنفيذ اتفاقية حقوق الاقليات المؤرخة 10 سبتمبر ,1919 الا ان شيئا لم يتغير بالنسبة الى الالبان, بل انهم فقدوا الحكم الذاتي الذي تمتعوا به خلال الحكم النمساوي 1916 ــ 1918 وانبعثت من جديد سياسة الاستيطان التي كانت قد بدأتها بلجراد في 1914 بهدف تغيير التركيبة الديموجرافية للمنطقة. الحرب العالمية الثانية تجمد عملية التصريب على كل حال فقد جاء اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 ليجمد عملية التصريب حيث ادت تطورات الحرب في ابريل 1941 (اختراق وتفتيت يوغوسلافيا) الى تطور معاكس: ضم معظم كوسوفو الى البانيا والهجرة المعاكسة لمعظم الصرب الذين استوطنوا كوسوفو خلال الفترة 1918 ــ 1941 ومع هذا التطور الذي كان يعني الكثير للألبان وجدوا انفسهم في دولة واحدة (1941 ــ 1944) طرح من جديد مصير كوسوفو والبلقان بين الاحزاب الشيوعية التي قادت حركة المقاومة / حروب التحرير (اليوغوسلافية, الالبانية, البلغارية, اليونانية) وبرز من جديد الحديث عن الفدرالية البلقانية, فيما يتعلق بكوسوفو بالتحديد اتفق الحزب الشيوعي اليوغوسلافي والحزب الشيوعي الالباني على اعطاء الافضلية للمقاومة / حرب التحرير وتأجيل مسألة الحدود الى مابعد الحرب. وفي هذا الاطار نشر تيتو مقالة مشهورة في ديسمبر 1942 بعنوان (المسألة القومية في يوغوسلافيا في ضوء حرب التحرير الشعبية) أشار فيها بوضوح الى ان سكان اقليم كوسوفو وغيره من الاقاليم سيقررون مصيرهم بأنفسهم بعد الحرب فيما لو حملوا السلاح وشاركوا في الحرب الدائرة وقد استقبل تيتو في مقر اقامته في بلجراد في مطلع ابريل 1945 وفدا يمثل البان كوسوفو, حيث لم تكن يوغوسلافيا قد تحررت بالكامل, حيث اعطاهم صورة مشجعة تغريهم على الانضمام ليوغوسلافيا. وهكذا فقد اكد تيتو في هذا اللقاء على ان (يوغوسلافيا الجديدة التي تتأسس الآن تختلف تماما بالنسبة للألبان عن يوغوسلافيا القديمة 1918 ــ 1941) وانه (لأجل خلق يوغوسلافيا جديدة يحتاج الى مساعدة الشعب الالباني حيث اننا (لا يمكن ان ننجز هذه المهمة دون هذه المساعدة) في تلميح قوى الى مستقبل العلاقات (الفيدرالية) بين يوغوسلافيا وألبانيا ركز تيتو على (ان اغلبية الشعب الالباني لا تثير مسألة الحدود بين يوغوسلافيا والبانيا لانه يعي ان التعاون الوثيق والعلاقات الودية بين شعوب يوغوسلافيا والبانيا هي الضمانة لاستقلال البانيا وفي تصريح قوي عما ينتظره الالبان فيما لو قبلوا الانضمام الى يوغوسلافيا الجديدة كل الحقوق التي تجعل من الشعب شعبا. وفي الحقيقة لقد جاء لقاء تيتو مع هذا الوفد الالباني وتصريحاته القوية ذات الدلالة عشية اجتماع مجلس التحرير الشعبي المناهض للفاشية في صربيا في 7 ابريل 1945 وعبر فيه ممثلا مجلس كوسوفو عن الرغبة في الانضمام الى صربيا الا ان القرار النهائي تأخر حتي انعقاد مجلس كوسوفو خلال 8 ــ 10 يوليو 1945 الذ يعبر فيه عن رغبته في الانضمام الى صربيا. وقد أقرت رئاسة مجلس يوغوسلافيا في 23 يوليو 1945 هذا القرار واصدرت رئاسة مجلس صربيا في 3 سبتمبر 1945 قانون تأسيس وتنظيم الحكم الذاتي لكوسوفو في اطار صربيا. الا ان الحكم الذاتي الذي تمتع به اقليم كوسوفو بشكل متزايد منذ عام 1945 ثم الغاؤه من قبل الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش عام ,1989 في الوقت الذي كانت فيه الغالبية الالبانية الشابة تطالب بتوسيع الحكم الذاتي حتى تتحول كوسوفو الى جمهورية متساوية مع بقية الجمهوريات. ونظرا لانه (في اوروبا على الاقل) لا يمكن للحكم الذاتي ان ينكمش (لا ان يلغى) فقد اثار الغاء الحكم الذاتي في كوسوفو موجات من السخط المتواصل الذي اوصل الغالبية الالبانية الى حالة الاحباط والانفجار بعد حوالي عشر سنوات (1989 ــ 1998) .

تعليقات

تعليقات