باحث من كوسوفو يروي فصول المأساة لــ (الملف):الحرب في جوهرها تستهدف الهوية الإسلامية

تجمع معظم الآراء على ان الاتفاق الاخير في كوسوفو لا يحقق الحد الادنى مما هو مطلوب لسكان الاقليم, وان هذا الاتفاق هو بمثابة مخدر لتسكين الوضع الذي لابد ان يتفاقم بعد فترة ربما تكون اقصر مما هو متوقع , والبان كوسوفو المسلمين الذين يشكلون 90% من سكانها يعانون الكثير. فالشتاء يعني موتا محدقا حيث يبيتون داخل معسكرات في العراء وسط الغابات لقد دمرت بيوتهم من جراء بطش القوات الصربية التي اخرجتهم وذبحت الكثيرين منهم وزجتهم في مقابر جماعية.. تتعالى الاصوات طلبا للمساعدات الانسانية التي قد تسهم في بقاء هؤلاء اللاجئين على قيد الحياة بتوفير المؤن والطعام والكساء في ظل قساوة الظروف المناخية والصحية والنفسية وافتقار اساسيات الحياة.. البعض من الدول الاسلامية فقط استجابت لهذه النداءات وعلى رأسها دولة الامارات بقيادتها النبيلة التي نظمت حملة مساعدات انسانية الى كوسوفو. المتحدث باسم الصليب الاحمر اعلن انه تجنبا لمخاطر الالغام البرية قرر الصليب الاحمر التنقل فوق الطرق المرصوفة فقط وذلك يعني ان عددا من المناطق ستبقى معزولة عن مصادر الدواء. ومنظمة بلا حدود يتعرض افرادها للاعتقال والتعذيب والقتل وتدمير قطاع الخدمات لاعاقة عملها في اغاثة المدنيين والوصول اليهم. تهديم عشرات من القرى وافرادها دون مأوى في الغابات ينتظرون الاغاثة والانقاذ من الموت بسبب التعرض لبرد الشتاء القارس الذي يقترب على عجل. الاتفاق الاخير لا يعني العودة لحياة طبيعية هادئة فهناك الآلاف فقدوا منازلهم ويقيم بعضهم داخل حظائر واخرين وسط الغابات.. صور قاتمة بعيدة عن الأجواء الانسانية والتعامل البشري ونحن على مشارف الالفية الثالثة ومازال قانون الغاب هو المتحكم في مصائر الشعوب.. صور من كوسوفو يرسمها مواطن من كوسوفو يقيم في دولة الامارات منذ اربع سنوات للدراسة في جامعة العين بقسم التاريخ. ومسؤول دولي لمنظمة اطباء بلا حدود في دولة الامارات لديه الكثير ليقوله حول الجانب الانساني لقضية كوسوفو.. ومعهما كان التحقيق التالي: الاتفاق لا يحل المشكلة انور زكاي الباحث في قسم التاريخ بجامعة الامارات وهو من مواطني كوسوفو يقول لـ (الملف السياسي) ان الاتفاق الاخير لا يحقق حلم سكان الاقليم. ان الحكم الذاتي لا يحل المشكلة ولا يقدم شيئا لسكان كوسوفو الذين يمثل الألبان 90% واقل من 7% من الصرب. حيث سيبطلوا مفعول الحكم الذاتي في فترة قصيرة وهو بمثابة المخدّر حاليا. واضاف ان ما حصل في البوسنة والهرسك يجري حاليا في كوسوفو حيث تستهدف العقيدة الاسلامية ولكن مع ذلك فان الشعب في كوسوفو لا يريد ان تصنف المشكلة على انها استهداف للهوية الاسلامية وان الازمة قائمة على اساس عقائدي لانهم يخافون ان يتخلى عنهم المجتمع الدولي حيث الغرب لا يساندون المسلمين. وبنفس الوقت فان الدول الاسلامية لن تستطيع فعل اي شيء!... ورغم انهم يزعمون ان الحرب تستهدف الارض ولكنها في جوهرها استهداف للهوية الاسلامية. فلماذا لا يحصل ذلك في الجبل الاسود؟ ولماذا اختلفت الحرب في سلوفينيا وكرواتيا عن مذابح البوسنة وعن كوسوفو اليوم؟!.. حيث الذبح والقتل والسرقة والتشريد.. هناك ابعاد تاريخية وسياسية للازمة في كوسوفو بدأت تطفو منذ الاتحاد اليوغسلافي عام 1981. كما ان جذورها موجودة قبل ذلك بكثير. ومن الممكن ان تنتقل الى دول الجوار فالبلقان هو قلب اوروبا والمشكلة الكبيرة لاوروبا تكمن في ان غالبية السكان من المسلمين حيث 85% من المسلمين و10% من الكاثوليك و5% من الارثوذكس. وبالنسبة للجهود الدولية فلا ننتظر منها الكثير ولا نثق في حلف الناتو لان ازمة البوسنة والهرسك ماثلة امامنا وهي تجسد العقيدة الاسلامية واذا ما نظرنا الى التاريخ فانه يشير الى ان الديانة هي السبب وراء الحروب والازمات. ولكن شعب كوسوفو يخاف من تفسير الحرب بهذه الطريقة ورئيسها ابراهيم رجوبا من الحزب الديمقراطي وينتمي الى العقيدة الاسلامية ويصلي خمس مرات وقد قتل الصرب والده. لكنه لا يسعى الى تدخل المسلمين في الازمة والنظر اليها من الزاوية العقائدية ولعل الفرق الوحيد بين ازمة البوسنة وكوسوفو هو قضية الاختلاط بين الصرب والكروات عن طريق التزاوج والاغتصاب. فعندنا في كوسوفو لا يمكن قبول زواج بنت مسلمة من شخص غير مسلم وان حصل ذلك فمصيرهما القتل وهذا حدث فعلا عندما تزوجت امرأة البانية من رجل كرواتي وقتلهما والدها. وعن الاوضاع في كوسوفو يقول زكاي اننا منذ عام 1992 لا نذهب الى المدارس فالدراسة في البيوت والاوضاع متردية جدا. نحن ندعو الدول العربية والاسلامية لمساعدتنا فلا يوجد اي جمعيات خيرية اسلامية هناك فقط مساعدات من مؤسسة الام تيريزا للاعمال الخيرية في البانيا. ويتساءل زكاي هل هناك امل بالنسبة لنا في عودة الحياة الطبيعية؟ ان ما حصل حاليا هو بمثابة مخدر فقط والمشكلة ستتفاقم بعد فترة قصيرة وهي اصلا مازالت قائمة. فلن تكون هناك نتيجة مرضية في غياب القوات البرية. ان اهلنا هناك يقيمون في الغابات ومع اقتراب فصل الشتاء تزداد المعاناة وتأخذ منحى اكثر مأساوية لمن يبيتون منذ اشهر في العراء داخل معسكرات تم انشاؤها وسط الغابات طلبا للامان من بطش القوات الصربية التي خربت البيوت وقتلت الكثيرين. انهم يفترشون الارض ويلتحفون السماء. فقد كان العيش امرا ممكنا في فصل الصيف ولكن مع قدوم الشتاء المعروف بقساوته في اوروبا فان معاناة اولئك اللاجئين تصبح اضعافا مضاعفة حتى منظمة الصليب الاحمر اعلنت ان تنقلها فوق الطرق المرصوفة تجنبا لمخاطر الالغام يعني انها لن تصل الى الكثيرين هناك. أعمال وحشية ضد المدنيين وفي السياق ذاته يتحدث الدكتور عبدالرحمن الغندور الممثل الاقليمي لمنظمة اطباء بلا حدود في دولة الامارات العربية المتحدة حيث يقول لــ (الملف السياسي) ان الموقف في كوسوفو مقلق للغاية وخاصة ان الاعمال الوحشية تستهدف المدنيين والاطباء لذلك فنحن نناشد المجتمع في الامارات وخارجها لدعم جهودنا من اجل اغاثة ومساعدة المهجرين من السكان في محنتهم ويعتقد د. الغندور ان الاتفاق هو مجرد كسب للوقت ليس اكثر. ومن واجب المنظمات الدولية السياسية والمجتمع الدولي الا يسمح بما يحدث في كوسوفو وما حدث قبل ذلك في البوسنة ومن المفترض ان يكون (الناتو) اكثر فعالية وان يتحرك في هذه الازمات بغض النظر عمن هم الضحية مسلمين او غير مسلمين وفي تقديري ان ازمة كوسوفو يمكن ان تمتد الى دول الجوار وان غياب الدور العربي والاسلامي للتدخل في القضية قد يسهم في اعطاء بعض الزخم حتى تحل القضية سلميا. وحول الاوضاع هناك يقول د. الغندور ان منظمة اطباء بلا حدود تدين الوحشية التي تمارس ضد المدنيين في كوسوفو وتطالب بحق وصول جميع المنظمات الانسانية للشعوب المعرضة للخطر. ويضيف ان العناصر العاملة في (أطباء بلا حدود) في اقليم (بيله) و(بريجرين) وسهل (درينيكا) يتلقون عددا من التقارير حول الممارسات الوحشية ضد المدنيين وقد شهدوا سياسة التدمير والسلب والنهب المنظم والمتعمد للقرى. حيث توجه الحرب في كوسوفو اليوم ضد المدنيين, بشكل رئيسي الذين اتهموا بدعمهم للمعارضة المسلحة, وقد تمت اعتقالات تعسفية ومذابح جماعية واشخاص مفقودين. وفي اقليم كولوبوفاك الذي وصلت اليه المنظمة بتاريخ 28 سبتمبر الماضي, فان الاوضاع كانت متردية للغاية حيث الدخان يتصاعد من المنازل المدمرة والنساء تخرج من البيوت المحروقة. وشرحت بعض النساء الباكيات الموقف بانه كان هناك هجوم مكثف في صباح نفس اليوم حيث دخلت الميليشيات الصربية بأعداد كبيرة وقاموا بمطاردة السكان الذين لاذوا بالفرار الى الغابات القريبة. وكانوا يقومون بفصل الرجال عن النساء وذبح الرجال وضرب النساء واحراق الطعام والمؤونة, وقد امضوا الليل بحمل الجثث الى المقابر وفي رواية للرجل الوحيد الذي نجا من المجزرة بعد ان اصيب في كتفه ووركه اصابات بالغة يقول: لقد حاصرونا وعائلاتنا ثم قاموا بفصل الرجال عن النساء ووضعوا الاطفال جانبا وبقي منا ستة عشر رجلا اجبرونا على الاستلقاء ورؤوسنا الى الاسفل وايدينا فوق رؤوسنا حيث استمر هذا الوضع مدة ساعة من الرعب ثم سمعنا بعد ذلك وقع خطوات شخص يقترب واخرين يحتسون الخمر وبدأ احدهم بإطلاق. لقد اصبت وتألمت ولكن سكتت وصرخ الرجل الممتد الى جانبي فكان نصيبه ان تلقى طلقتين اخريين ثم تلقيت ركلة قدم ولكن بقيت صامتا دون حراك لذلك كتبت لي الحياة وقتل جميع رجال القرية البالغ عددهم 15 رجلا ويقول د. الغندور ان الهدف الرئيسي لسياسة الدمار المستمرة للقرى في شرق ووسط البلاد هو منع وصول اي دعم شعبي للمعارضة المسلمة. فقد احرقت القرى بشكل كامل ودمرت الحقول وسلبت المزارع والمحاصيل وقتلت الماشية. لقد سلب كل شيء يمكّن العائلات من البقاء على قيد الحياة. فقد اعتمدت القوات العسكرية نظاما جديدا لحرق المنازل وهي احراق الجرارات التي تسمح للعائلة بالبقاء على قيد الحياة بعد الهرب من منازلهم بالاضافة الى قتل الخيل والابقار. وقد ارغم السكان الذين غادروا بيوتهم نتيجة الهجمات على اللجوء الى الغابات او الفرار من قرية الى اخرى, ومن شدة الخوف فانه يتعذر وصول اية مساعدات لهؤلاء اللاجئين حيث يختبىء العديد من الجرحى في الغابات كما ان وجود الالغام الارضية يشكل خطرا جديدا عليهم ويشير د. الغندور الى ان الاطباء والعاملين في الحقل الطبي الذين يساعدون السكان المهجرين ضحايا الاضطهاد التي تمارسه قوات الامن الصربية ويستهدف الاطباء الجراحين بشكل خاص. حيث هددت قوات الامن الصربية العديد من الاطباء الالبان المعروفين من قبل منظمة اطباء بلا حدود واعتقلتهم بشكل تعسفي وعذبتهم وقتلت بعضهم. وقد أتت الهجمات ايضا على قطاع الخدمات الصحية فقد تم تدمير الكثير من المنشآت جزئيا او كليا بحيث انها لم تعد صالحة للاستخدام مما أدى الى ابقاء الجرحى بدون علاج. ان اضطهاد العاملين في الحقل الطبي وتدمير قطاع الخدمات الصحية والمعدات الطبية يعيق عمل المنظمات الانسانية وهي مؤشرات عن عزم اكيد لمنع اي عمل انساني لاغاثة السكان المدنيين. أبوظبي ــ مكتب البيان

تعليقات

تعليقات