تقارير البيان: مصالح الكبار تعوق تنفيذ مبادئ اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية

وقعت 160 دولة بصورة مبدئية في باريس منذ بداية عام 1993 على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية والتي طرحت أمريكا وروسيا وفرنسا فكرتها في مؤتمر نزع السلاح بجنيف في سبتمبر ,1992 وتم اختيار لاهاي لتكون مقر منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وذلك باجماع آراء الدول الكبرى, وتم كذلك وضع مبادئ الاتفاقية والتي تقضي بمنع استحداث وانتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيماوية, وفي عام 94 جرى إنشاء مقر المنظمة في لاهاي بعد الحصول على جانب من التمويل الخاص بها من أمريكا وفرنسا وإيطاليا واليابان, وتنص بنود أعمال المنظمة على ضرورة تدمير جميع الأسلحة الكيماوية في العالم خلال عشر سنوات من تاريخ إقرارها, وهذا يقتضي موافقة الدول الكبرى, وعلى مدى ثلاث سنوات متتالية عقدت المنظمة عشرات الاجتماعات التمهيدية والدورات التحضيرية, للوصول باتفاقية الحظر الى النصاب القانوني الذي يصل بها الى انطلاقة التنفيذ, ولاعداد الكوادر الفنية الادارية والمفتشين والخبراء, للقيام بدورهم داخل المنظمة وخارجها بين الدول المصدقة على الاتفاقية والذي تخوله لهم بنود الاتفاقية. غير أن معظم الدول الموقعة أبدت ترددها في التصديق النهائي بالموافقة على الاتفاقية, مما هددها وقتئذ بالفشل, وعدم الوصول بها للنصاب القانوني الخاص بعدد الدول الموافقة, لإلحاقها بهيئة الأمم المتحدة كمنظمة لها فعاليتها وقوتها وعقوباتها الرادعة, وتحددت فترة عامين لتصديق العدد المطلوب من الدول, الا ان هذا التقدير قد بدا أكثر تفاؤلا من الواقع, إذ لم توافق إلا بلدان صغيرة في البداية مثل جزر الفيجي وماوريتيوس, وكانت معظم الدول العربية رافضة للتصديق النهائي على الاتفاقية, غير ان السعودية وتونس والجزائر والمغرب وعمان قد تراجعوا عن موقفهم وشاركوا في المؤتمرات التمهيدية للمنظمة, إثر مشاركة إسرائيل عام 95 والتي اعتبرتها الدول العربية إشارة بموافقة اسرائيل نهائياً على الاتفاقية والتصديق عليها, ثم وافقت هذه الدول الخمس نهائيا على الاتفاقية, بينما تراجعت اسرائيل, مما أدى الى تعليق مصر وسائر الدول العربية الأخرى موافقتها, حتى تدخل اسرائيل الاتفاقية حفاظا على أمن المنطقة العربية وتوازن القوى بها. وتم تمديد مهلة تصديق الدول الى أربع سنوات للوصول بالاتفاقية الى النصاب القانوني, وبالفعل بعد مرور أربعة أعوام جاءت موافقات الدول الغربية بطيئة ومتأخرة, ومن مفارقات الواقع لم يكن بينها سوى فرنسا من الدول الثلاث (أمريكا - روسيا - فرنسا) أصحاب الفكرة, وفي نهاية ابريل من العام الماضي أعطى مجلس الشيوخ الأمريكي إشارة بالموافقة على الاتفاقية بتأييد 74 عضواً ورفض 36 آخرين, ورغم ان هذه الموافقة هي ما كانت تتطلع اليها المنظمة بلهفة, الا انها جاءت موافقة مشروطة, بانسحاب أمريكا نهائيا من المنظمة حال وقوع أي تهديد من الدول الأعضاء على أمن وسلامة الولايات المتحدة الأمريكية, مما أشار الى نوايا أمريكية غير طيبة, غير ان تصديق أمريكا قد أعطى الضوء الأخضر لتصديق روسيا خاصة وأن أمريكا وروسيا تملكان أكبر مخزون عالمي من الأسلحة الكيماوية ويبلغ مخزون روسيا وحدها 40 ألف طن. وقد بدأ التنفيذ الرسمي للاتفاقية في نهاية إبريل من عام 1997 بعد أن وصلت للنصاب القانوني بموافقة 65 دولة, وهو النصاب الذي جعلها جزءا من هيئة الأمم المتحدة معترفا به, وفي السادس من مايو من العام الماضي افتتح (كوفي عنان) السكرتير العام للأمم المتحدة أعمال المؤتمر الأول الرسمي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي, وسط جهود كبيرة من البريطاني (لان كينيون) رئيس اللجنة التمهيدية للمنظمة, بجانب 369 موظفا وخبيرا بالمنظمة, وطالب حينئذ في كلمته الدول التي لم تصدق على الاتفاقية المسارعة بالتصديق, لحماية شعبها وأمنها بالدرجة الأولى من تأثيرات المواد الكيماوية, وأكد أن آمالاً عريضة تعقدها الشعوب الصغيرة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية, وعلى الدول الكبرى ألا تخذل هذه الآمال من أجل حماية البشرية, وأشار إلى ان جهودا دولية تبذل لدفع الاتفاقية للأمام, وأن الأمم المتحدة من واجبها السعي لإزالة المعوقات التي تحول دون قيام المنظمة بدورها, وعلى الدول تقديم المساعدات المالية المطلوبة حتى تؤدي هذه المنظمة الهامة واجبها الانساني, وحضر المؤتمر الافتتاحي 69 وفدا من الـ 88 دولة التي صدقت بالفعل على الاتفاقية, ومن الدول العربية المصدقة على الاتفاقية حضرت السعودية والجزائر والبحرين, بينما لم تحضر الدول الثلاث الأخرى المصدقة عليها وهي المغرب, عمان, تونس, كما حضرت بصفة غير رسمية دول لم يكن من المتوقع تواجدها, خاصة وانها لم تصدق على الاتفاقية, وهي ايران وإسرائيل, بجانب عدد 18 منظمة ووكالة وهيئة دولية بصورة غير رسمية, و22 هيئة غير دولية, وأعلنت السعودية حينئذ من خلال رئيس وفدها الأمير تركي محمد بن سعود ان هدف السعودية والدول العربية الأخرى التي صدقت على الاتفاقية هو إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل, وقطع الطريق على الدول الأخرى التي لا تزال تتمسك بهذه الأسلحة, فانضمام الدول العربية للاتفاقية يعطيها الحق لمطالبة الدول الأخرى بالانضمام والالتزام ببنود الاتفاقية خاصة إسرائيل وإيران. وحتى الآن تواجه منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي معوقات, تحول دون القيام بدورها الحقيقي لتنفيذ بنود الاتفاقية الملتزمة بتطبيقها ومراقبة بنودها, على الأقل في الوقت الحالي بعد بدء تنفيذها الرسمي, بعض هذه المعوقات يبدو طبيعيا وآخر تدفعه المصالح الاقتصادية, والأول يتمثل في ضرورة تغيير الدول المصدقة على الاتفاقية لعدد من قوانينها وتشريعاتها الداخلية لتتلاءم وطبيعة بنودها, وهذا يتطلب جهدا ووقتا طويلا وتغييرا في الهياكل الوطنية, كما يتطلب أن تسن كل دولة تشريعات جزائية, إذ تقتضي أن تنشئ كل دولة أو تعين هيئة وطنية, تعمل كمركز وطني لتأمين الاتصال الفعال مع المنظمة والدول الأخرى الأطراف, وأن تحدد هذه الهيئة سلطاتها ومسؤولياتها فيما يتعلق بالجوانب المالية وغيرها, بالاضافة الى ضرورة تغيير العديد من الدول لتشريعاتها الخاصة بالأجانب والهجرة, لتتلاءم مع استقبال مفتشي المنظمة والسماح لهم بإقامة تصل الى عامين, للمتابعة والمراقبة الدقيقة, ومنحهم تأشيرات دخول وخروج غير مشروطة, كذلك سن تشريعات خاصة بالامتيازات والحصانات التي تقضي الاتفاقية بمنحها لموظفي المنظمة, وكل هذه العمليات طويلة الأجل وتتطلب وقتا خاصة من الدول التي انضمت مؤخرا للاتفاقية, وتمثل عائقا طبيعيا أمام المنظمة, أما الضغوط الأخرى فيمثلها لوبي المصالح الاقتصادية للشركات والمؤسسات الغربية, التي ترفض الخضوع لعمليات التفتيش بدعوى الحفاظ على سرية أبحاثها العلمية وحمايتها من التسرب, إذ تلزم الاتفاقية جميع الدول المصدقة بالاعلان عن مرافقها العسكرية ذات الصلة وعن أنشطتها المتصلة بالمواد التي تخضع للاتفاقية, وإرسال قوائم بالمصانع والمؤسسات التي تنطبق عليها شروط الحظر, ومراقبة المنتجات الكيماوية التي تستخدم في أغراض سلمية, ويمكن أن تستعمل كأسلحة كيميائية أو تحول إليها, وتحويل جميع المصانع والهيئات والمؤسسات المنتجة والمخزنة لمواد الأسلحة الكيماوية الى تصنيع منتجات أخرى سلمية, والموافقة على عمليات تفتيش فجائية من فريق المفتشين, اضافة لخضوعها للتفتيش الاستثنائي, حال وصول معلومات للمنظمة تفيد قيام هذه الدول بانتاج أسلحة كيماوية - حتى وإن كانت المعلومات مجرد اتهام أو شكوك - وهو ما أطلقت عليه المنظمة اسم (تفتيش التحدي) على أن توضع تحت المراقبة والتفتيش الفجائي جميع المؤسسات, ومراكز الأبحاث التي تملك معامل زراعة البكتيريا, وتستوعب تخزين ما يزيد على 100 لتر, وكذلك معامل أبحاث الكائنات العضوية, خاصة العاملة في مجالات انتاج وأبحاث سوائل التحصين ضد الأمراض وايضا المستشفيات, وقد أثارت هذه المقترحات موجة غضب من المؤسسات المعنية في أمريكا وبريطانيا واليابان وهولندا, فأعلنت هذه المؤسسات رفض تحولهم الى الانتاج السلمي, الذي سيكبدهم خسائر مالية فادحة لا تكفي معها التعويضات التي ستقدمها المنظمة, كما رفضت المؤسسات ذات الانتاج السلمي خضوعهم للتفتيش الفجائي, الذي يهدد بتسرب المعلومات السرية حول الاختراعات والأبحاث الجديدة, خاصة معامل أبحاث الكائنات العضوية التي تقوم بأبحاث وتجارب لعمليات الاستنساخ. لاهاي - سعيد السبكي

تعليقات

تعليقات