مهدي شمس الدين لـ(البيان): لبنان بخير والطائفية الى زوال، أرفض المجابهة مع الغرب وادعو للحوار

محمد مهدي شمس الدين شخصية وطنية عربية, عرف بموافقه المتزنة وثباته على الحق وهو الى جانب منصبه الرفيع كرئيس للمجلس الاسلامي الشيعي في لبنان مفكر كبير وفقيه مجتهد مستنير للحوار معه مذاق خاص . وفي زيارته الاخيرة للقاهرة حرصت (البيان) على ان تتحاور معه, وخلال جلستين تم الحوار وسط مشاغل كثيرة ودعوات عديدة من جهات رسمية وثقافية مصرية حرصت على التعبير عن احتفائها. وفيما يلي نص الحوار: العلاقات الاسلامية الاسلامية قضية من أهم قضايانا وهي تطرح دائما في سياق مأزوم كاشتعال حرب او نزاع سياسي بين دولتين اسلاميتين, فما تقييمكم لواقع هذه العلاقات في وقت توجد فيه مشكلتان الاولى بين تركيا وسوريا, والاخرى بين ايران وحركة طالبان؟ ــ نحن نعتبر ان من شروط نهضة اي قطر اسلامي او اي شعب مسلم ان تكون علاقاته مع سائر الشعوب الاسلامية علاقات معافاة وسليمة, وليس بامكان اي قطر ان يحقق نهضة من دون علاقات معافاة, ما نلاحظه ان هذه العلاقات بين عادية ومتوترة ونادرا ما نشاهد علاقات ممتازة او علاقات وثيقة, وهذا في اعتقادي سبب من اسباب ضعفنا العام بالاضافة للضعف الذاتي الموجود في كل أو معظم الاقطار. يوجد ضعف عام ناشئ من العلاقات البينية بين كل قطر والقطر الآخر. وآمل ان تدرك القوى المستنيرة ان الخلافات بينها هي خلافات لا تقوم على اسس موضوعية وانما على أسس مصطنعة, لا يوجد في حد علمي تناقض مصالح بين أي قطر وقطر اخر في العالم الاسلامي, بالعكس الملحوظ غالبا ان لم يكن تماما هو امكانيات التكامل, وان كل قطر يقوى بالآخر, اما من ناحية أمنية او من ناحية اقتصادية او من ناحية سياسية. تهديدات اسرائيلية بلغة تركية والآن نلاحظ المثالين الحيين المؤلمين واولهما التهديدات التركية لسوريا, وهي كما سميناها واريد ان اكرر هذا التعبير في الحقيقة هي تهديدات اسرائيلية باللغة التركية. وتركيا تقوم بدور اسرائيلي لا ينسجم مع مصالحها الأمنية والاقتصادية او السياسية, مما اوجد حالة تسمم خطيرة في العلاقات العربية التركية عموما وفي العلاقات التركية الاسلامية على وجه الخصوص, لأن سوريا كما ثبت من تحرك الرئيس المصري مبارك والسعودي وتحرك الجمهورية الاسلامية الايرانية ان سوريا في هذا الوقت ليست وحيدة, هذا الموقف التركي تسبب في تسميم علاقات على مستويين: تسميم علاقات تركية عربية وتسميم علاقات تركية اسلامية. المثال الثاني ايضا الذي ذكرتموه في سؤالكم هو افغانستان حيث تأتي ميليشيا بدعم اجنبي وبتخطيط امريكي فتتوفر لها وسائل التسلط على افغانستان وتقوم بجرائم القتل والذبح لمبعوثين دبلوماسيين ايرانيين وتخلق حالة مذهبية داخل البلاد هذا الامر لا ينطلق من مصالح افغانستان ولا ينطلق من مصالح الحركة الاسلامية فيها, بل ينطلق من مصالح الغرب في تسميم العلاقات وفي استدراج ايران الى فتح جبهة حرب لا يعلم الا الله مدى ما تؤدي اليه وكانت فتنة وقانا الله شرها, وتحلى اخواننا الايرانيون بالحكمة وضبطوا انفسهم, هذا الوضع مؤلم وخطير, نحن لا نحزن فقط بل نقلق على ان الامكانات الكبرى للعالم الاسلامي تهدر في نزاعات داخلية بينية دون ان تكون هناك فائدة لأية دولة, انا اسأل: ماذا تستفيد تركيا من جريمتها؟ هل ستنتهي مشكلتها الكردية؟ كلا ستبقى المشكلة الكردية مفتوحة, هل ستحل المشكلات داخل المجتمع السياسي التركي؟ ستبقى المتناقضات متنامية, هل ستتحسن وضعية تركيا الواقفة منذ ثلاثين سنة على باب اوروبا تستأذن بالدخول ولا يؤذن لها؟ ستبقى كما هي ولن يؤذن لها بالدخول الى النادي الاوروبي هي لم تستفد اذا من ارتكاب هذه الحماقة التي هي في الوقت نفسه جريمة الفائدة الفورية التي نتجت عن التهديدات هي لصالح اسرائيل وامريكا. دور المؤسسات والمثقفين في حدود تجربة العقدين الماضيين منذ اندلاع الحرب العراقية الايرانية الى الآن هل يوجد تصور مبدئي لشروط يجب توافرها لتحسن العلاقات الاسلامية الاسلامية؟ ــ نحن نعمل ونبحث, لا استطيع الآن ان اتحدث عن صيغة, فنحن محصورون بين ضرورات الانظمة وسياساتها وبين القوى السياسية في المجتمع الاهلي هنا او هناك انا لا أميل ابدا الى كيل الشتائم للانظمة وفتح معارك معها, اقول ان الانظمة تواجه ضرورات, لست من هواة نظرية التخوين والتكفير وما الى ذلك, وارى ان القوى الفاعلة في المجتمعات الاسلامية لا تقوم بما ينبغي عليها ان تقوم به, القوى التي تتمثل في (الجسم الديني) ان صح التعبير, يعني علماء الدين والمؤسسة الدينية التي لا تكون دائما مؤسسة حكومية هي مؤسسة نابعة من داخل الامة, القوى المفكرة الاخرى في مجال الجامعات, النقابات, الاعلام, قوى المثقفين لا أرى انها تقوم بواجبها بل تترك الامور الى السياسيين او تحكم على نفسها سلفا بأنها عاجزة, ولكنني اعتقد انها ليست عاجزة. لا أريد مجابهة مع الغرب العلاقة بين العالم الاسلامي والغرب ملف مفتوح مليء بالقضايا الساخنة بعضها حديث وبعضها مزمن, فكيف ترون العلاقات بيننا وبين الغرب في ضوء الحلف الغربي الصهيوني والقول بصراع الحضارات؟ ــ العلاقة مع الغرب انا اعتبرها مشكلة العصر, مشكلة الغرب ومشكلتنا ايضا, الان توجد علاقة غير متوازنة وغير اخلاقية, غير متوازنة بفعل توازنات القوة وغير اخلاقية بحكم رؤية الغرب في استغلال ضعفنا وفي كثير من الحالات استغلال حاجتنا اليه او شعور البعض بأننا محتاجون اليه, في الحقيقة نحن لا نحتاج الى الغرب وبخاصة اذا توفر الشرط الاول وهو تصحيح العلاقات البينية بين المسلمين, انا لست من دعاة المجابهة مع الغرب, انا من دعاة البحث عن وسائل للتعايش مع الغرب والتحاور معه, وليس التبعية. وماذا عن القول بصراع الحضارات؟ ــ صراع الحضارات احدى الصيغ الجديدة لتبرير غلبة الغرب وهي ترجمة جديدة للمقولة التي سادت اول عصر الاستعمار تارة عن صراع البقاء وبقاء الاصلح او رسالة الرجل الابيض, الآن يقال صراع الحضارات والحضارة الاسلامية هي حضارة مغلوبة لانها لا تملك القدرة ولا عناصر الكفاية للمواجهة وهذا يعطي مبررا اخلاقيا لان يرتكب الغرب جرائمه التي نشاهدها امامنا في تعزيز الكيان الصهيوني, في موجة التصفيات التي في بعض بقايا الاتحاد السوفييتي, وما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفو وما اليها, لايوجد الآن صراع حضارات بل يوجد غلبة تعطي معيارا للقوة, والا فليتركوا للحضارة الاسلامية وللفكر الاسلامي ان يتحرك بحرية وامان في الغرب. الحلف الغربي الصهيوني احد وسائل الهيمنة, الغرب ادرك انه سيأتي يوم يستيقظ فيه العالم الاسلامي بعد انهيار النظام العثماني, وهذا العالم يمتلك قوى لم يكن يعيها, الفكر الغربي ادرك هذه القوى: قوة الثروة وقوة الموقع الجغرافي وقوة المضمون الثقافي وقوة الدور الحضاري, ووضعت الخطة للتهديم وعلينا ان ندرك نحن هذه الحقيقة وان نعيد بناء كياننا فالحلف الغربي الصهيوني هو النقطة الثابتة في معركة المواجهة, لا توجد قضية اعلى او موازية لهذه القضية, المواجهة يجب ان تتركز واعتقد ان علينا بعد ان انهار كل شيء من حولنا ان نركز على القدس, فلتكن النقطة المركزية التي تنطلق منها كل الانشطة لاعادة تعبئة الامة في صيغة المواجهة للمشروع الغربي الصهيوني. سلام الاوهام كيف ترون الصراع العربي الصهيوني ومستقبله في اطار ما يتم من اتفاقات وتسويات وتشهده الساحة العربية من جهود لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني وتقوم به المقاومة المسلحة؟ ــ الصراع العربي الصهيوني صراع مفتوح واعتقد ان علينا ان نميز بين الاتفاقات التي تبرم الآن وبين استعادة مصر لسيناء, وشعب مصر اثبت انه شكل ضمانة لمضمون مصر الحضاري الاسلامي العربي, وحتى الآن مصر عصمت نفسها من التطبيع ولايزال الكيان الصهيوني كيانا معاديا, اما الاتفاقات التي يعمل لها الآن فلن تغير شيئا ولن تحل المشكلة ولن توجد واقعا يسمى واقع سلام في المنطقة, فهي اوهام تكتب على الورق لاجل استمرار بعض الاشخاص او بعض المجموعات داخل فلسطين او خارجها اما التطبيع فهو خطر نواجهه وينبغي ان نحاربه وحربه ليست حرب سلاح مادي, ضرب وقتل ونسف, هي حرب تعبوية. وخيارنا هو المقاومة, والمقاومة حيثما امكنت وبأية صيغة والمقاومة المسلحة الجهادية كما تجرى الآن في لبنان وفي داخل فلسطين امر واجب ومتعين, حيث لا يمكن هناك مقاومة الصمود, مقاومة الموقف السياسي مقاومة التعبئة. اسمح لي ان اذكر هنا ان المناضل الراحل محمود نور الدين زعيم تنظيم ثورة مصر اقترح في رسالة وجهها الى سياسيين مصريين بينهم ابو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط المصري ان نعمل جميعا على اضافة عبارة في كل مناسبة دينية نتبادلها مع التهنئة تقول: (العام المقبل في القدس) . ــ هذا امر جيد وانا اعزز هذا بأية صيغة من الصيغ وانا لا ارى ان العالم العربي والاسلامي يمكن ان يقبل بما يسمى سلام مع الاسرائيليين.. فلا يوجد سلام مع الاسرائيليين. اعادة تكوين الأمة ثمة فصول تتوالى من صراع داخل النخبة في العالم العربي بين المشروعين: الاسلامي والعلماني, فما تقييمكم لهذا الصراع؟ ــ علينا ان نفهم ان النخبة العلمانية تتسلح بوسائل الاتصال والاعلام, وقدراتها ليست مستمدة من الامة بل مستمدة من مصادر اخرى, والامة تملك قوى ــ اذا اردت ان اذكرها يكفي ان اذكر المساجد افترض في بلد ما انه يوجد الف مسجد يصلي فيها ما بين الجماعة التي تبلغ مائة شخص والجماعة التي تبلغ خمسة آلاف شخص, الف مسجد يصلي فيها مليون انسان يسمعون في كل جمعة توجيها, يمكن ان نعتمد ثقافة البيوت كل هذا بعيدا عن التدخل في السياسات المحلية التي تشعر معها الحكومات انها تواجه خطر حركات سرية والحركة الاسلامية العالمية الآن والحركات الوطنية يجب ان تلغي من برامجها الاستيلاء على الحكم وهذه نقطة ارجو ان تناقش على صعيد الحركات الاسلامية هذا الهدف كلفنا افدح الاثمان وهو لا يستحق عشر معشار ما انفقنا عليه, لا نريد الحكم فليكن هذا ميثاقا جديدا, نريد اعادة تكوين الامة واعادة تربية الامة. لبنان بخير للبنان في نفوس كل العرب اهمية خاصة وملفه دائما متخم بالقضايا والاسئلة الطائفية والاحتلال الصهيوني وعلاقاته العربية والغربية, كيف ترى هذه القضايا؟ ــ لبنان بخير والشعب اللبناني خرج من الفتنة الطائفية والآن يعاد بناء الدولة والمجتمع, كانت توجد مشاكل بناء في السنوات العشر الماضية وآمل ان المرحلة الجديدة التي انجزت بانتخاب الرئيس الجديد ستكون افضل سابقاتها علما باننا في السنوات السبع او العشر الماضية انجزنا امورا مهمة فأنهينا الحرب الاهلية واعدنا تكوين مشروع الدولة واعدنا تكوين المجتمع بنجاح ملحوظ فقد كانت هناك مناطق معزولة عن بعضها وطوائف معزولة عن بعضها والآن بدأ التواصل واعيد تأسيس الجيش على اسس وطنية مقبولة والمجتمع اللبناني كله انخرط في فكر وعقيدة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. فيما يتصل بعلاقاتنا مع العالم العربي فهي علاقات جيدة وعلاقاتنا مع العالم الاسلامي جيدة نأمل ان تتحسن وبالطبع الخلافات العربية العربية والعربية الاسلامية تنعكإس علينا سلبيا. لا للسعي الى السلطة رؤية الاسلاميين لاولوياتهم واحدة من القضايا التي تخضع لاعادة التقييم من آن لآخر, تشكل العلاقة بين قضايا المنافسة السياسية والبناء الحضاري والدور المجتمعي والتربوي موضع التباس, فكيف ترى الخطوط العريضة لاولويات العمل في هذه المرحلة؟ ــ اول شيء ان تخرج من اولوياتنا نحن الاسلاميين مسألة السعي نحو تولي السلطة هذه مهلكة وقع فيها كثير منا وكانت رؤيتي من اول الامر ليس رفض السلطة اذا اتيحت بوسائل مشروعة وسليمة ولا تؤدي الى تفريق الامة والى تفريق المجتمع ولكن عدم السعي اليها وجعلها اولوية لانها باب شر كبير. وادعو الى تكوين امانة عامة للحركة الاسلامية العالمية واريد ان تنهض بمشروع حيوي ومركزي هو مشروع اعادة تفعيل الحركة الاسلامية في مشروعات عصرنا وامتنا من جهة وتكتيل القوى حول قضية القدس بشكل خاص. اما العنف فيشكل في رأيي جريمة ولا يشكل اولوية عمل وهذا من الاعمال المحرمة على مستوى الممارسة ضد الانظمة, انا امنع العنف وافتى بعدم مشروعية العنف, الا اذا حصل عدوان حينئذ آخر ما نلجأ اليه هو العنف, وكذلك ضد القوى السياسية غير الاسلامية, او ضد القوى السياسية الاسلامية المنافسة او ضد المجتمع. العنف الوحيد المبرر هو العنف الذي يتسم بسمة المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي والمشروع الصهيوني او ضد اي بلد غير اسلامي غير مسلم محتل وظالم لشعب مسلم كما يحدث في البوسنة والهرسك والشيشان وكوسوفا وغيرها. القاهرة ــ مكتب البيان

تعليقات

تعليقات