اثارت قضية اختطاف سائحين في محافظة ابين اليمنية الاربعاء الماضي حفيظة الكثير من المراقبين والمتابعين عن كثب للشأن والازمة اليمنية, بما ترتب عليها من اول رد فعل حكومي عبر تصريح لمصدر مسؤول قال ان عملية الاختطاف هي الاولى بعد صدور قانون جرائم الاختطاف والتقطع, وفي ذلك اشارة واضحة الى تأكيد مفعول القانون, ونجاح الحكومة في القضاء او الحد من ظاهرة الاختطافات, والتقطع, والتفجيرات, وهو الامر الذي يتنافى مع حقائق الواقع, ويتنافى مع جدية الحكومة في ايجاد المعالجات والحلول السليمة والعملية للظواهر السلبية في المجتمع اليمني, بمختلف محافظاته, او يعني المساواة في العدل, والمواطنة المتساوية, يزيد من ذلك خطوات الترويج لتطبيق قانون جرائم الاختطافات والتقطع, الذي صدر يوليو الماضي, فقد تم اعدام ثلاثة اشخاص في محافظة تعز, وصلبهم, وكذلك في محافظة عدن, وابين, في قضايا سابقة, وبناء على احكام شرعية جيرت لصالح القانون حديث العهد كما شهدت الفترة التي تلت القانون وقوع تفجيرين لانابيب النفط,وعدد من حوادث قطع الطرقات في محافظات مأرب ومناطق شمال الشمال القبلية, رافقتها اعتقالات من ابناء قبيلة الزائدي في محافظة مأرب اطلق سراح عدد كبير منهم لاحقا وتجري مفاوضات ومساومات مكثفة مع ابناء ومشائخ القبائل في هذه المناطق. كل هذه الوقائع تعد حقيقة تعامل مزدوج للحكومة في حل القضايا, وتناقض في معايير التعامل لمعالجة ظاهرة جرائم التقطع والاختطافات, بالنظر الى حقائق مفادها ان من اجمالي 150 عملية اختطاف شهدها اليمن خلال الفترة الماضية كانت اربع عمليات فقط في محافظة شبوه وابين, وجميعها تركزت في المناطق القبلية الشمالية, وتأتي التصريحات الرسمية, واستخدام الاحكام القضائية, وعمليات تطبيق احكام الاعدام بحق مناطق معينة لتثير نزعات جهوية وسخطا شعبيا اكثر ضد المعاير المزدوجة التي تتبعها الحكومة, وقبل اسبوعين وقعت جريمة قتل وتقطع في محافظة مأرب, عندما اقدم شخص مسلح على ايقاف سيارة احد الاطباء العاملين في المنطقة, وقام هذا الشخص بارتكاب جريمة قتل الطبيب الذي رفض تسليم سيارته, وجرت عملية القتل للطبيب امام طفلتيه وتركت الجثة امامهما, ولبشاعة الجريمة وما أثارته من سخط شعبي وفي الوسط السياسي والطبي, فقد تخلت القبيلة عن القاتل, وسلمته للمحاكمة التي جرت خلال ثلاثة ايام, وصدر الحكم بالقصاص, والقتل, وتم تنفيذ الحكم (القتل فقط) دون التعزير والصلب, وهو ما يضيف مؤشرات لمقارنة في جرائم قتل لثأر او اعتداء, في مناطق يجري فيها تنفيذ احكام الاعدام والصلب والتعزير. سجلت قبيلة باكازم اول جريمة اختطاف بعد صدور القانون باحتجازها لسائحين بلجيكيين في منطقة المحضد محافظة ابين, والمطالبة بالغاء الحكم القضائي الذي اصدرته المحكمة بحق خمسة متهمين من ابناء القبيلة, بجريمة الاعتداء والسطو على قاطرة حكومية تحمل مواد غذائية دقيق وقمح,وقضى الحكم باعدام احد المتهمين, وقطع ايدي وارجل اثنين منهم من خلاف, وسجن المتهم 12 سنة, وتطالب القبيلة بالغاء الحكم, واحتجت على العقوبات التي تضمنها, رغم كونه صادرا عن محكمة ابتدائية. وبغض النظر عن مدى الوعي عند قبائل باكازم في ابين ـ كغيرها من ابناء القبائل تجاه المقاضاة, ودرجات التقاضي, فان مصادر عليمة اكدت لـ(البيان) ان قبول قبيلة باكازم للاحتكام الى القضاء حالة متقدمة, لكن تسخير القضاء للترويج لقانون جرائم الاختطافات, باصدار الحكم الابتدائي يتضمن عقوبات (الحرابة) لم يكن مقبولا عند ابناء القبائل الذين وجدوا انفسهم امام خيارين, السير في اجراءات التقاضي, وسيحتم ذلك تخفيف العقوبات, او الغائها في المرحلة الاخيرة من التقاضي, فمثل هذه الاحكام لا تنفذ دون عبور ثلاث مراحل في التقاضي, ثم تصديق الرئيس اليمني عليها, ومع ذلك فعدم قبول قبائل باكازم للحكم الابتدائي, واللجوء الى الاختطاف, لايصال رسالة تطلب الغاء الحكم الابتدائي, هو شعور بالغبن المعنوي لدى ابناء القبيلة, وبعدم كفالة حق التقاضي. ويبدو الخيار الثاني هو عدم النظر الى الاسباب الحقيقية لاختطاف القاطرة والسطو عليها كمواد غذائية, وبخلاف الفقهاء حول السطو على المال العام هل هو (حرابة) ام لا, والنظر الى العرف, وبعض الفقهاء انه حق من حقوق المواطن والرعية. ينظر المراقبون الى ما ستؤول اليه القضية, الاختطاف وتعامل الحكومة معها, بعناية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من ازمة متكاملة, تضع معايير المواطنة المتساوية في كفة ميزان, وتضع الحكومة امام تحديات اثبات واحادية معايير المساواة, ولا يجب غض الطرف عما يردده الشارع اليمني وبعض الساسة, ان احكام الاعدام تنفذ في بعض الولايات الامريكية دون ولايات اخرى, بما يترتب على مثل هذا الطرح والمقارنة المزيد من السخط, واثارة النعرات الجهوية التي تنصب في المبتدى والمنتهى على سياسة الحكومة وما تؤكده من مشروعية مطالب المواطنة المتساوية, وكل هذه العوامل والحراك التي تشهدها المحافظات اليمنية الشرقية والجنوبية تحديدا لا تبدو بعيدة عن اهتمام القيادة السياسية والحكومة معا, لكن الخطوات العملية على الواقع المعاش وحدها قادرة على اسكات صوت الشارع الشعبي واقناعه بواحدية المعايير في التعامل. صنعاء ـ البيان