يطرح اعلان الرئيس الجزائري الامين زروال تقليص فترة ولايته والذي وضع الاحزاب في حالة تأهب استعدادا لانتخابات مبكرة في الجزائر عدة تساؤلات حول مستقبل الحزب الحاكم والشخصية التي يمكن ان تحظى بالاجماع ومستقبل جبهة الانقاذ فضلا عما اذا كان انتخاب رئيس جديد سيؤدي الى وضع حد نهائي لأعمال العنف والمجازر وعما اذا كانت الجزائر مقبلة على مرحلة التناوب السلمي للسلطة . وعلل الرئيس زروال قراره باجراء انتخابات مبكرة بتكريس مبدأ التناوب على السلطة بما يعني وضع البلاد على طريق الديمقراطية, وقد يكون هذا هو الهدف فعلا ولكنه بالطبع ليس الدافع الوحيد الذي حدا بالرئيس الى اتخاذ مثل هذه الخطوة (فربما قد يكون تعب من الاختلافات حوله داخل حزبه على طريقة معالجة الازمة ففضل التنحي) , كما يقول جورج الراسي المختص بالشؤون الجزائرية, ومدير مركز البحوث السياسية في بيروت, ومن مؤلفاته (الاسلاميون في الجزائر) . ولكن مهما كانت الاسباب والدوافع فمآلهم الآن هو معرفة قدرة الجزائر على المضي في طريق جديد اختارته لنفسها طريقا من المحتمل ان ينهي دوامة المجازر التي تعيشها البلاد منذ عشرة أعوام. وهنا يبرز السؤال الاخر الذي تطرحه هذه المبادرة وهو معرفة ما اذا كانت هذه الانتخابات ستشكل فرصة امام جبهة الانقاذ للدخول من الباب الصغير في اللعبة السياسية بشكل مقبول من الجيش ومن الشعب؟ اما التساؤل الأكبر فيتمثل بمعرفة مصير الحزب الحاكم خاصة في ظل غياب وجه بارز يمكن المراهنة عليه كليا, فالمعلوم ان الحزب ابدى في البداية تحفظه وتمنى على الرئيس التروي وتأجيل اعلانه بتقصير ولايته, وهذه الدعوة يمكن فهمها على النحو التالي: ان الحزب اراد كسب بعض الوقت لترتيب اموره والاتفاق على شخص معين, فكونه يمتلك غالبية المقاعد في المجلسين فان أي مرشح من المفترض ان يكون من صفوفه, لكن عدم وجود وجه بارز اليوم على الساحة الجزائرية يمكن ان يقال انه سيكون الرئيس المقبل يجعل الامر معقدا. يقول الراسي: (ليس هناك شخص معين يحظى بالاجماع ونشهد نوعا من صراع الكواليس بين مجموعة كبيرة من التيارات داخل الحزب الحاكم رغم ان هناك اجماعا على رئيس الوزراء السابق مقداد سيفي الذي قدم استقالته الاسبوع الماضي من الحزب الحاكم) . والجدير بالذكر ان سيفي برر استقالته من التجمع الوطني الديمقراطي بقوله انه طرح في اجتماع المجلس الوطني في 25 من الشهر الماضي (تجديد قيادة الحزب وعقد مؤتمر استثنائي عاجل لتحويله الى حزب شعبي وعصري, ذي مصداقية) ولكنه لم يجد اي تجاوب ووصف قادة حزبه بعدم التجانس مع المصلحة الحزبية والوطنية, وقد يكون في هذه الاستقالة مبادرة للاستعداد لترشيح نفسه. هذا الى جانب رئيس الوزراء الحالي اويحيى الذي قدم بدوره استقالته للتهيؤ للانتخابات, ومن الاسماء الأخرى التي يتم تداولها رئيس الوزراء السابق مولود حمروش الذي يعتبر من الاصلاحيين في جبهة التحرير الوطني وعبدالعزيز بوتفليقة او احمد طالب الابراهيمي. اما الصفات الرئيسية التي ترجح كفة مرشح على آخر فتتلخص بصفتين حسب جورج الراسي الذي يقول (بتقديري ان أي اسم جديد لابد ان يتميز بشيئين: أولا ان يكون اسما جديدا من الشباب وان يتمتع بدعم الحزب الحاكم, واعتقد ان أي شخص لا يتمتع بهاتين الصفتين من الصعب ان يدخل الامتحان. هذا الكلام ضمن اطار الحزب الحاكم الى حد ما انما هناك مرشحون آخرون مهمون وعلى رأسهم الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم, وهو (مرشح مهم وجدي وتجتمع حوله اصوات كثيرة ولكن لا اعتقد ان الوضع يسمح بفوز رئيس من هذا التيار) . وفي ظل هذه التأويلات ــ يضيف جورج الراسي ــ ليس من الصعب ابدا تخيل الهم الاساسي للشعب الجزائري, ان كل ما يهمهم أن يأتي شخص يخلصهم من هذا الوضع المأساوي ويعيد الاستقرار الى البلد, وهم يعون جيدا انه في ظل هذه الظروف لا يمكن ان يتم أي شيء في البلاد من دون موافقة الجيش, فتلك بديهية مسلم بها, كما انهم يعرفون ان هناك مرشحين لا يمكنهم ان يفوزوا وان هناك مرشحين قد يظهر نجمهم وفق شروط محددة وهي الاجماع وتأييد الحزب الحاكم. ومن الاسماء المطروحة والقريبة من الجيش الى حد كبير, رضا مالك,. وزير الخارجية السابق ومؤسس حزب التحالف الجمهوري ولكن مشكلته انه لا يتمتع بشعبية على الاطلاق, رغم انه يناسب سياسيا توجه الجيش تماما, لكن مع الأسف ليس لديه سطوة على الشارع ولا يتمتع بشعبية حسب الراسي. وعن مدى احتمال فوز مقداد سيفي يقول الراسي (انه يمتاز بعدة مواصفات اولا انه يأتي من الحزب الحاكم, ثانيا من المحتمل ان يقبله الجيش بالاضافة الى خبرته في السلطة) . وفي خضم ذلك هناك احتمال عودة بعض الرموز القديمة مثل بوتفليقة الذي يتردد اسمه على لسان بعض المراقبين (هذه الرموز اصبحت مستهلكة ولا تتمتع بشعبية, وهذا يعني انها لا يمكن ان تأتي بحل طويل المدى, ولكن المجيء بوجه جديد قد يجد حلا على مدى اطول, كما يقول الراسي) . ولكن الى أي مدى يمكن اعتبار خطوة الرئيس زروال فرصة للاسلاميين للدخول في اللعبة لاسياسية يرى الراسي ان الحل الذي مضت به السلطة والذي تكثف بعد توقيع الهدنة مع جماعات الانقاذ منذ عام, هو القضاء نهائيا على الحركات المسلحة التي لا يوجد أي مجال للتفاوض معها الى جانب مد جسور مع جماعات الانقاذ التي وقعت الهدنة (لكن دون اعطائها وزن كبير في السلطة, علما انه مطروح جدا عودة الانقاذ باسم جديد) . فما يحصل الآن هو محاولة لقطع الطريق امام الانقاذ بتركيبته القديمة وفي هذا الصدد نجد ان موقف الشيخ محفوظ نحناج واضح وصريح ويعتبر ان قصة الانقاذ انتهت نهائيا (انه ينافسه على نفس الملعب لذلك فهو يفضل الحصول على الاصوات الاسلامية المعتدلة) . ومن هنا تأتي احتمالات عودة الانقاذ باسم جديد دون ان يتجاوز اطارا معينا ودخوله في اللعبة السياسية بتركيبة معتدلة مقبولة للجيش والشعب, هذه الاجواء التي لم تشهد مثيلا لها الجزائر من قبل هل تعتبر مؤشرا بأنها بدأت فترة الخروج من جحيم المجازر والعنف التي استمرت عشرة أعوام؟ وهل يمكن القول ان الجزائر بدأت صفحة جديدة؟ ويجيب على ذلك محمد قواص, الصحافي والباحث المقيم في باريس ومن مؤلفاته (غزوة الانقاذ) (معركة الاسلام السياسي في الجزائر) , قائلا ان الصفحة الجديدة (بدأتها الجزائر مع استلام الرئيس زروال الحكم فخلال فترة رئاسته شهدت البلاد ثلاثة انتخابات تشريعية رئاسية ومحلية والصحافة فيها من أكثر الصحف حرية في العالم العربي, ولم تعد الجزائر تديرها حكومة الحزب الواحد, بل هناك الان احزاب متعددة) . ويمكن وصف قرار زروال بتقليص فترة رئاسته خطوة لبدء فترة جديدة تقدم مبررا لفتح حوار مع الانقاذ المعتدل ولسحب البساط نهائيا من تحت أقدام أي طرف اسلامي معارض. خدمة وورلد نيوزلينك