باحصاءات استفزازية للغاية, استثارت الضمائر والعقول والقلوب.. انعقدت فعاليات مؤتمر الألغام الأرضية المضادة للأفراد والذي شارك به أطراف اقليمية ودولية عدة لمناقشة المشكلة التي تهدد بالانفجار في أي وقت وكل وقت.. انها قضية القتل بدون حرب.. الألغام ! فهناك 26 ألف ضحية للألغام كل عام يموتون أو يفقدون أطرافهم دون ذنب أو سبب واضح يفتك بأعضائهم 120 مليون لغم مستقرة في أحشاء الكرة الأرضية من مخلفات حروب مجنونة سابقة, بل ان البعض يذهب في تقديراته الى أبعد من ذلك ليؤكد ان نصيب كل انسان على ظهر البسيطة ربع لغم يتكلف تصنيع الواحد منه ثلاثة دولارات فقط, فيما يتكلف زرعه 30 دولارا, ويقفز الرقم عشرات الأضعاف عند محاولة ازالته, أي استفزاز.. أي جنون..!! ان قضية نزع الألغام التي تقض مضاجع معظم دول العالم على اتساعه, قضية منفصلة متصلة, ولا تهدد أحدا بعينه, لكنها في الوقت ذاته لا تستثني أحدا.. مع ذلك لا يعدم الأمر بعض الأطراف ذات المصلحة المباشرة في استمرار كارثة التصنيع والاتجار بأسلحة القتل دون حروب. 120 مليون لغم تهدد الكرة الأرضية بالانفجار صنعاء ــ عبدالله سعد شهدت مدينة عدن هذا الاسبوع حدثا من أهم الفعاليات الإنسانية الاستثنائية الهادفة لتخليص اليمن من حقول الألغام الأرضية المضادة للأفراد.. والعمل على مساعدة ضحاياها.. والقيام بالمسح الشامل والدقيق لكل المناطق المزروعة بألغام الموت والدمار خلال مراحل الصراع الذي شهده اليمن على مدى خمسة وثلاثين عاما مضت.. بدءا من عام 1962 الحرب الجمهورية ــ الملكية في المناطق الشمالية مرورا بفترة الصراع المسلح والحرب بين شطري اليمن سابقا 72ــ79 في المنطقة الوسطى ــ ذمار ــ البيضاء ــ اب, وصولا إلى حرب صيف 1994 في المحافظات الجنوبية والشرقية.. ونظرا لخطورة الألغام والمتفجرات المنتشرة في تلك المناطق والتي شكلت هاجسا كبيرا.. وأحدثت اضطرابا نفسيا للسكان وحالة من الخوف والهلع الدائمين لدى الأطفال فضلا عن ان الألغام الأرضية هي الشر الأكبر الذي يواجهه إنسان هذا العصر في دول العالم ومنها اليمن التي تأتي في قائمة بلدان المنطقة الأكثر تلوثا بهذه الألغام التي سقط بسببها العديد من الضحايا وخاصة من الأطفال والنساء بسبب انفجار لغم هنا.. وهناك أما بقية الدول فهي الصومال وأثيوبيا وأريتريا ومصر ولبنان والعراق والسودان والكويت وسوريا والأردن.. وإدراكا لخطورة وحجم هذه المشكلة الإنسانية في حياة الناس وما تشكله من عائق لعملية التطور والتنمية واستخراج الثروات النفطية وعرقلة نقل الخبرات وحركة البشر وتأثير ذلك على السياحة والاستثمار, تبذل الجمهورية اليمنية جهودا كبيرة في سبيل التوصل إلى اتفاق دولي لحظر الألغام المضادة للأفراد فكانت أول دولة عربية توقع على المعاهدة ويصادق برلمانها عليها.. وبعد أقل من عام على التوقيع على معاهدة حظر الألغام وسبل نزعها تحول الحلم إلى حقيقة عندما تم افتتاح المركز الرئيسي للتدريب على نزع الألغام في محافظة عدن الثلاثاء الماضي وسط حضور لم يقتصر على السياسيين فقط بل امتلأت قاعة الاحتفال بتدشين هذا المنجز في منطقة دار سعد بعدن إلى جانب هؤلاء الرسميين وكل من يهمه أمر الإنسان. كان هناك ضباط يمثلون القيادات العسكرية والجمعيات غير الحكومية وجمعية الهلال الأحمر العاملة في اليمن والوزارات اليمنية وممثلو وكالات الأمم المتحدة. وكان هناك كذلك مندوبو المنظمات الدولية غير الحكومية وجمعية الصليب الأحمر الدولية وجمعيات حقوق الأطفال ومنظمة رادا بارتن السويدية, ووسط هؤلاء أيضا كان الوفد العسكري الأمريكي الزائر لليمن برئاسة الجنرال شارلز وليم قائد القوات المركزية البحرية بالشرق الأوسط قائد الأسطول الأمريكي الخامس الذي شارك في تدشين البرنامج الوطني لنزع الألغام.. وهو المشروع الذي أقيم بمساعدة أمريكية لليمن ووصفه الرئيس علي عبدالله صالح بأنه ــ أي المركز ــ يمثل رمزا للصداقة والتعاون بين الجمهورية اليمنية والولايات المتحدة. وفي هذا السياق كانت اليمن قد أخذت العزم من العام الماضي للتخلص من هذا (الخطر) وذلك بمساهمة من برنامج الأمم المتحدة الانمائي والأصدقاء الألمان والكنديين والنرويج.. وذلك بعد أن شكلت لجنة وطنية لنزع الألغام برئاسة اليمن.. وأكد الدكتور مظهر السعيدي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء لـ (البيان) ان اللجنة ملتزمة عمليا بخط البناء والسلام والتطور.. موضحا بأن برنامج نزع الألغام في اليمن متعدد الأغراض يتجاوز أبعاد نزع الألغام من الأرض إلى أبعاده الإنسانية والتي تستهدف مساعدة المتضررين من الألغام والعمل على دمجهم في المجتمع. حجم الخطر وعلى الرغم من وجود احصائية دقيقة عن عدد الألغام المزروعة في اليمن.. الا ان بعض المعلومات تشير إلى ان عدد الألغام المزروعة يتراوح بين 300 ألف ــ 500 ألف لغم تمت زراعتها خلال الأحداث التي شهدتها اليمن في العقود الثلاثة الماضية وفي هذا الجانب أوضح طه أحمد غانم محافظ عدن حجم مشكلة الألغام في اليمن بقوله: (إن مشكلة الألغام الأرضية والقذائف والذخائر القابلة للانفجار المنتشرة على رقعة واسعة من أرض اليمن تشكل هما بالغا لأبناء الشعب اليمني كونها تهدد الحياة اليومية للناس وتعرقل امتداد حركة التنمية إلى أجزاء عديدة من أرض الوطن مشيرا إلى انه منذ أكثر من ثلاثين عاما واليمنيون يعانون من ويلات ورعب هذا الوباء الناجم عن مراحل الصراع السابقة التي شهدها اليمن منذ قيام الثورة السبتمبرية عام 62 وحتى حرب صيف 1994. ويضيف غانم متابعا: إن ما تيسر من أرقام عن الألغام المزروعة لا يعبر عن حقيقة عن واقع الحال من الضحايا والأضرار في جميع الجوانب معربا عن الأمل في أن يتمكن البرنامج الوطني لنزع الألغام من القيام بتخليص البلاد من هذه المشكلة.. فالألغام المزروعة خلال الفترة السابقة لم تنل حقها المناسب من الاهتمام.. والضحايا لم يأخذوا حقهم المناسب من الرعاية والعناية.. والمشكلة لم تصبح قضية إنسانية الا منذ العام 94 ولم تكن هناك أية آلية للتعامل معها كما لم تخصص لها الموارد المالية الكافية نظرا للأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وتحدث طه غانم عن الجهود المبذولة فقال: ومنذ انتهاء حرب 94 أخذت الحكومة على عاتقها مسؤولية تخليص البلاد من الألغام وفقا للامكانيات المتاحة لوزارة الدفاع.. فقد قامت فرق المهندسين العسكريين بأعمال كبيرة رغم افتقارها للتجهيزات والوسائل المتطورة حيث تم تحديد مواقع حقول الألغام ووضعت لها الخرائط خاصة تلك المناطق التي دارت فيها حرب 1994.. وتم جمع أكبر قدر من المعلومات وتم التخلص من حوالي ستين ألف لغم مزروع وكميات كبيرة من القذائف والذخائر المنتشرة هنا وهناك. المبادرة الأمريكية وبدورها تحدثت بربارا بودين سفيرة الولايات المتحدة في اليمن عن مساعدة بلادها لنزع الألغام فقالت: (هذه خطوات هامة ولكنها ليست سوى البداية) . وأعادت السفيرة بودين إلى الأذهان ان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أعلن قبل عام المبادرة العالمية لنزع الألغام.. وأعلن التزام الولايات المتحدة بهدف القضاء على تهديد الألغام الأرضية للمدنيين بحلول العام 2010.. واليمن واحدة من حوالي 20 دولة تساعدها الولايات المتحدة باتخاذ اجراءات تتعلق بالألغام.. وستقوم الولايات المتحدة هذا العام وفي أماكن عدة من العالم بصرف حوالي 92 مليون دولار لنزع الألغام وكذا التوعية بأخطارها ومساعدة ضحاياها. واستطردت السفيرة الأمريكية بودين قائلة: هناك مواطنون في أكثر من 60 دولة معظمها من العالم المتقدم يواجهون خطر الموت أو الاعاقة يوميا جراء الألغام الأرضية التي تتسبب في اصابة أو وفاة 26 ألف نسمة سنويا في العالم.. ومن بين هؤلاء الضحايا ناس من اليمن.. كما تسببت الألغام الأرضية أيضا في تدمير الأراضي الزراعية ومنع استخدامها للانتاج وتعد هذه قضية رئيسية في اليمن. وأشادت بودين بالجهود اليمنية التي بذلت في الفترة الماضية بمساعدة برنامج الأمم المتحدة الانمائي حيث تم التخلص من عشرات الآلاف من الألغام. وقالت: لقد تشرف أعضاء السفارة الأريكية بصنعاء وكذلك الجيش الأمريكي بالعمل عن قرب مع ممثلي الحكومة اليمنية في الأشهر الماضية للاعداد لبرنامج عملي مكثف وفعال يتعلق بالألغام الأرضية في اليمن ونحن سعداء بالابداع والحماس الذي أظهره اليمنيون في هذا المجال باعتبارهم الأوائل في المنطقة.. فضلا عن ذلك فان برنامج اليمن يعد نموذجا لكل المنطقة التي تعاني من خطر الألغام الأرضية. من جانبه أعرب قائد الأسطول الأمريكي الخامس عن سعادته للمشاركة الأمريكية في نزع الألغام باليمن وذلك من خلال قيام أفراد في الجيش الأمريكي بتدريب نظرائهم اليمنيين على كيفية إزالة الألغام الأرضية والأسلحة التي لم تنفجر في أراضي اليمن. أربع مراحل الجدير بالذكر ان البرنامج الوطني لنزع الألغام في اليمن سينفذ من خلال أربع مراحل: تبدأ المرحلة الأولى منه خلال عام 99 حيث سيتم في هذه الفترة التخلص من الألغام في محافظات عدن ولحج وأبين.. في حين تنفذ المرحلة الثانية في محافظات حضرموت عام 2000.. أما المرحلة الثالثة والتي ستشمل المناطق الوسطى فسيتم تنفيذها عام 2002 بعدها المرحلة الرابعة في مناطق أخرى. العميد ركن طيار قاسم الشيباني مدير الوحدة الفنية لبرنامج الألغام أوضح لـ (البيان) ان المركز الوطني لنزع الألغام سيقوم باعداد الكادر الإداري والفني للعاملين في مجال نزع الألغام والتوعية بمخاطرها ومساعدة ضحاياها والقيام بالمسح الكامل للمناطق التي زرعت فيها الألغام خلال مراحل الصراع السابقة, وقال متابعا: (إن المركز يضم أقساما عدة منها قسم المسح والبيانات وقسم التوعية بمخاطر الألغام والقسم الطبي وقسم العمليات وقسم الاتصالات وقسم مساعدة الضحايا..) إلى ذلك بدأت يوم 28 سبتمبر الماضي في عدن الدورة التدريبية الأولى لتطوير مهارات العاملين في مجال التعامل مع مشكلة الألغام وتدريبهم على التكنولوجيا المتطورة في مجال كشف وإزالة الألغام ويشارك في هذه الدورة التي تستمر حتى منتصف ديسمبر المقبل 160 دارسا حيث سيتلقون علوما ومحاضرات حول الجانب الفني والإداري ويقوم بعملية التدريس طاقم أمريكي.